جرت العادة في مثل هذا المقام المتمثل في إصدار دورية جديدة أن يحاول القائم عليها - هيئة التحرير - الإجابة على السؤال المعهود : لماذا هذه الدورية ؟ .. رغم ذلك ، فإنني في " سطر المعرفة " لن أتصدى "لتبرير" عملنا هذا بشكل مباشر ، بل سأترك للقارئ الكريم أن يمارس بنفسه هذه المهمة بكل حرية وصراحة .
لكنني أقول باختصار ، إن في الأمة اليوم نتاجا فكريا وثقافيا يزخر بالتنوع والعمق والأصالة والإبداع ، إلا أن كثيرا من هذا النتاج لا يصل عمليا أو مجازيا إلى من يهمهم الأمر .
فمن الناحية العملية ، تقف الحواجز المصطنعة في كثير من المواقع حائلا بين وصول ذلك النتاج إلى من ينتظره باهتمام وترقب ... ومن الناحية المجازية ، تَحُولُ لغة الخطاب وأسلوب الطرح وطريقة البيان في كثير من الحالات بين أصحاب الاهتمام وبين الفهم الشامل والدقيق لمضمون ذلك النتاج وبالتالي إدراكهم لقيمته العلمية في التشكيل العقلي والفكري للأمة ، وكذلك لدوره الحساس في إخراج البرامج العملية على أرض الواقع..
ومن ناحية ثانية ، تزداد الحاجة في الساحة الفكرية اليوم إلى معالجات وتحليلات لمكونات الواقع العالمي والإسلامي والعربي تنطلق من رؤية تخصصية في علوم الاجتماع والنفس والسياسة والتاريخ والاتصال البشري وغيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية ، ثم تعمل على وصل تلك الرؤية بحركة الإنسان المباشرة في الواقع ، منطلقة في ذلك من عمق الأصول والثوابت والمقاصد الإسلامية ومستصحبة على الدوام روح الاجتهاد والتجديد .
وإن كثيرا من المؤشرات لتدل اليوم على حاجة تلك الساحة الفكرية إلى مستوى من الخطاب يمكن أن نصفه بالخطاب "الوسيط" . وهو خطاب يمتلك القدرة على فهم الطروحات الفلسفية والمعرفية الأصيلة والمتميزة التي تصدت للعمل والبحث فيها نخبة فذة من عقول الأمة في المشرق والمغرب باذلةً في سبيل ذلك أوقاتا وجهودا متطاولة لا يمكن أن يتسع معها جهد مقدر لممارسة عملية (الصياغة) و(التنزيل الفكري) لنتائج بحوثهم ودراساتهم ، بشكل يتمكن معه الإنسان المسلم والعربي في كل مكان وعلى كل ثغرة من ممارسة (التنزيل العملي) لتلك الأفكار ، والذي تنتج عنه في النهاية البرامج والمناهج العملية المطلوبة .
لكن ذلك الخطاب يمتلك - في الوقت نفسه - القدرة على التواصل المتبادل مع عناصر الواقع المباشر ، وعلى ممارسة عملية (التنزيل الفكري) المطلوبة تلك بأشكالها البسيطة أولا ، وصولا بعد ذلك إلى أشكالها الأكثر عمقا وشمولا وتعقيدا..
من هنا ، يمكننا القول بأن الدور الأساسي الذي أُخرجت هذه الدورية من أجله يتمثل أولا في الإسهام بشكل مدروس وفريد في تحقيق وإنجاز عملية التواصل الضرورية تلك وثانيا في الإسهام في المعالجة التخصصية لشؤون العالم والأمة وشجونهما بشكل يُظهِرُ شمول عناصر الفكر لكل ماله علاقة بالتاريخ والتراث واللغة والفقه وواقع العالم والعصر والعلوم الطبيعية والاجتماعية ، ويستوعب كل مجالات الفكر والحركة .
وأخيرا ، فقد آن الأوان في هذه الأمة للخروج نهائيا من بعض الأوهام والأفهام السطحية التي يتخيل معها البعض - من ناحية - في شئون الثقافة والفكر والمنهجية ممارسةً فكريةً جافةً توحي باختصاصها بأهل النخبة فقط ، وبِبُعدِها عن تاريخ الأمة وواقعها ومستقبلها .. ويتخيل معها البعض الآخر - من الناحية المقابلة - عجزا ثقافيا وقصورا فكريا ومنهجيا متأصلا في الأمة لا يمكن تجاوزه والتعامل معه بأي شكل من الأشكال ، ويعتبر القضية فقط قضية نخبة تتبعها الأمة وتتحكم في مصيرها مثل قطيع شارد من الأغنام .
تلكم هي هوية " سطر المعرفة " الناشئة ، تعلن عن نفسها بوضوح وبأمل كبير في المستقبل ، دون أن تدعي حصرا تمثيل تلك الاهتمامات أو أداء تلك الوظائف ، وإنما حسبها أن تنطلق بأثرٍ من فتوتها وفتوة أهلها لتكون إشراقة جديدة في سماء الأمة التي تبشر - رغم كل الظواهر - بالخير العميم .
وقد لا تكون في أول عددا لها مكتملة الجوانب والشكل ، ولكنها تخرج للنور وتنتظر السواعد التي تشارك في بنائها من نخبة نبضات قلب العرب ، ومن كل قلم يحمل فكر قوامه الحب والخير والسلام .