قضية العدد

العولمة وموقف الإسلام منها
" الجزء الأول "


بقلم
د. لؤي الغزاوي
جامعة بوليتكنك فلسطين

 
تمهيد: 
القرن الحادي والعشرين هو قرن العولمة .. هو قرن هيمنة العولمة على مسار البشرية.. فالعولمة هي "فيروس ايدولوجي" يغزو العقول. انه "شعار العصر" وأداة الحضارة المعرفية الجديدة في نشر افكارها وقيمها. وهكذا فان حتمية العولمة تفرض على الناس نمطا جديدا من التفكير ونمطا جديدا من التعايش معها، ونمطا جديدا للاستفادة منها.
العولمة هي نظام عالمي جديد له أدواته ووسائله وعناصره وميكانيكيته.. لقد اخترقت العالم من خلال وسائل مختلفة: القنوات الفضائية والإلكترونيات والحواسيب والإنترنت ووسائل الاتصال الجديدة والعلوم الفيزيائية والجينية والبيئية والطبيعية والاجتماعية.

تعريف العولمة:
العولمة هي: لغة مأخوذة من التعولم، والعالمية، والعالم. 
وفي الاصطلاح تعني اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع أقوامها وكل من يعيش فيها وتوحيد أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراق.
يمكن القول انه ليس هناك تعريف جامع مانع لها، فهي مصطلح غامض في أذهان كثير من الناس، ويرجع سبب ذلك إلى أن العوامة ليست مصطلحا لغويا قاموسيا جامدا يسهل تفسيرها بشرح المدلولات اللغوية المتصلة بها. بل هي مفهوم شمولي يذهب عميقا في جميع الاتجاهات لتوصيف حركة التغيير المتواصلة. ولكن مما يلاحظ من التعريفات التي أوردها الباحثون والمفكرون التركيز الواضح على البعد الاقتصادي لها، لان مفهوم العولمة بداية له علاقة وطيدة بالاقتصاد والرأسمالية وهذا ما جعل عددا من الكتّاب يذهبون إلى أن العولمة تعني: تعميم نموذج الحضارة الغربية - خاصة الأمريكية- وأنماطها الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية على العالم كله.(1)

نشأة العولمة 
شاع هذا المصطلح في التسعينيات بعد انهيار المعسكر الشيوعي، واستفراد أمريكا بالعالم. ولا سيما عندما طالبت أمريكا دول العالم بتوقيع اتفاقية التجارة العالمية بقصد سيطرة الشركات العابرة للقارات على الأسواق العالمية. مما يؤكد أن العولمة بثوبها الجديد أمريكية المولد والنشأة(2).
ويرى الباحثون الذين تحدثوا عن نشأة العولمة أن العولمة هي عملية تراكمية، أي أن عولمات صغيرة سبقت ومهدت للعولمة التي نشهدها اليوم. والجديد فيها هو تزايد وتيرة تسارعها في الفترة الأخيرة بفضل تقدم وسائل الإعلام والاتصال، ووسائل النقل والمواصلات والتقدم العلمي بشكل عام، ومع ذلك فهي لم تكتمل بعد.
لقد اعتنى المفكرون من شتى المشارب، سواء من العالم الإسلامي أو من شتى أنحاء العالم بالتأصيل والتنظير للعولمة. وحسبنا أن نقول أن العولمة نظام عالمي آخذ في التفرد والاكتساح. وهو بهذا الاعتبار حقيقة من حقائق هذه المرحلة من التاريخ.


الإسلام والعولمة:
هناك فرق بين عالمية الإسلام، وعولمة الغرب. فعولمة الغرب اقتصادية الأساس تسعى إلى الهيمنة على العالم برفع القيود عن الأسواق والبضائع ورؤوس الاموال، وهذا يفضي الى تعميق النزاعات والصراعات. أما عالمية الإسلام فتقوم على أتساس التعارف والانفتاح على الثقافات الأخرى بلا نفي أو إقصاء أو إكراه " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
ليس من الحكمة أن تقف أقطار العالم الإسلامي مكتوفة الأيدي إزاء ظاهرة العولمة، بل يجب أن تأخذ بالأسباب لمواجهة سلبياتها بالموضوعية قبل فوات الأوان. ويمكن إعطاء الأولوية للجوانب التالية:
1- نحو مشروع حضاري إسلامي : في ضوء التحديات والمستجدات التي يشهدها العالم فانه لا خيار للدول الإسلامية في المرحلة المقبلة سوى الاعتماد على الذات وصياغة مشروع مستقبلي قادر على تعبئة الجهود، واعادة الديناميكية الى الامة ومؤسساتها، وتعزيز لحمة التكامل الاقتصادي والتنموي بين أقطارها، هذا المشروع يهدف إلى تكوين الشخص المسلم الذي يفقه الدين ويفهم العصر. ولا يكون ذلك إلا بتعميق الإيمان وصدق العطاء.
2- التكامل الاقتصادي : لقد بات التكامل الاقتصادي بين مختلف الأقطار الإسلامية من الاهمية بمكان، حيث لا تستطيع هذه الاقطار مواجهة متطلبات العولمة اعتمادا على الامكانات القطرية، فالترابط والتكامل الاقتصادي الاسلامي اصبح قضية مصيرية. ولكن من المحزن حقا أن نرى حماس الدول الإسلامية للتكتل، والاندماج يضعف ويخبو في الوقت الذي اصبح فيه الاندماج والتكتل سمة العصر. ولعل المثال الأوربي ليس منا ببعيد.
أن التكتل المنشود يحتاج إلى إرادة قوية وشعور جماعي بالأخطار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه المسلمين. والتي تتعاظم في ظل تدني مستوى التعاون بين الدول الإسلامية وفرض سياسات العولمة على امتنا الإسلامية، ولا يتم ذلك إلا بوضع استراتيجية جديدة للتبادل التجاري بين الدول الإسلامية وإقامة منطقة تجارة حرة بين الأقطار الإسلامية.
3- صورة التنمية البشرية: أن العنصر البشري هو ركيزة كل تقدم علمي وتكنولوجي قديما وحديثا، وللتنمية جانبان:
a. تشكيل القدرات البشرية مثل تحسين الصحة والمعرفة والمهارات.
b. انتفاع الناس بقدراتهم المكتسبة في المجالات الشخصية.
والحديث عن العنصر البشري كمقوم أساسي من مقومات التنمية، ومن ثم التصدي لسلبيات العولمة، يتطرق لمجالات متعددة، تحدد بالكفاية الإنتاجية لهذا العنصر في مجال التعليم والصحة والتغذية والتربية الروحية، والقيم العقدية والانتاجية.
وفي حقيقة الأمر فان جوهر أزمة التخلف في المجتمعات الإسلامية يرجع في النهاية إلى الخلل في عالم الأشخاص ولذا فان خطط مواجهة العولمة يجب أن تظهر اعتمادا اكبر على الكائنات البشرية ومن هنا يجب أن نجعل شعارنا : الإنسان أولا.
4- الشفافية ومحاربة الفاسد: لقد اخذ الفساد يستشري في كثير من الأقطار الإسلامية، وبات أمرا عاديا وليس وضعا شاذا اقرب إلى الاستثناء. ويمكن القول بأنه لم يمكن حتى الآن تعريف جامع مانع للفساد، والتعريفات التي تناولت مفهوم الفساد تبدو ناقصة وقاصرة، ورغم حقيقة أن الفساد السياسي هو الفساد الاكبر الذي يحتاج الى جهاد اكبر، حيث انه الاصل في الفساد الاصغر، فالمهم التركيز على الفساد الاقتصادي وبصفة خاصة أجهزة القطاع العام الذي يعرّفه البنك الدولي بأنه: إساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص.

-----
(1) هذا التعريف ليس مجمع عليه، لان هناك كتّاب يوسعون أو يضيقون في مدلولات التعريف
(2) مهما تعددت السياقات التي ترد فيها العولمة، فان المفهوم الذي يعبر عنه الجميع في اللغات الحية كافة، هو الاتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com