الخطة الموضوعة اكبر من مجرد غزو العراق والإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. والهدف اكبر من مجرد الاستيلاء على موارد النفط العراقية. إنها برنامج عملاق طويل المدى لإعادة استعمار العالم الإسلامي بهدف إعادة إنتاجه ثقافيا.
وأحيلكم إلى مقالة بعنوان "استهداف العراق" في صحيفة "هيرالد تربيون" الأميركية بقلم وليام فاف ـ أحد اشهر المحللين الصحفيين في عالم "الميديا" الأميركي.
يقول أن قسما من المجموعة المحيطة بالرئيس جورج بوش التي تمتع بنفوذ على إدارته تقدم للرئيس طرحا استراتيجيا مفاده أن حربا تشن ضد نظام الرئيس صدام حسين ينبغي أن ينظر لها في سياق سياسة أميركية طويلة المدى لإحداث تغيير شامل في العالم الإسلامي عامة والشرق الأوسط خاصة.
ووفقا لهذا الطرح الاستراتيجي فان تغيير النظام الحاكم في العراق والحملة ضد تنظيم "القاعدة" باسم مكافحة الإرهاب ينبغي أن يعتبرا خطوتين ضروريتين لبرنامج أميركي على المدى الطويل لتغيير كل أنظمة الحكم الحالية في الشرق الأوسط. ومن ثم يمتد التغيير إلى بقية العالم الإسلامي بما في ذلك آسيا الوسطى.
وربما قال أن هذا مجرد طرح فلسفي تجريدي لكن الكاتب "فاف "يكشف لنا أن الطرح دخل الآن بالفعل مرحلة الصياغة البرمجية ليكون مرتكزا ثابتا للسياسة الخارجية الأميركية خلال المستقبل المرئي. بل ويحدد الكاتب اسمي الخبيرين اللذين كلفا برسم هذه الصياغة البرمجية.. وهما رونالد آسموس الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية الأميركية وكين بولاك المستشار السابق في إدارة كلينتون. على ثلاثة أهداف استراتيجية أولية فصلت كما يلي: ـ
تحقيق تسوية عربية إسرائيلية تكون مقبولة لدى إسرائيل بالضرورة.
ـ تغيير النظام في العراق.
ـ العمل على إقامة "مجتمعات مدنية" خاصة في الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة حاليا.
ورغم أن الصياغة اللغوية لهذه الأهداف الاستراتيجية تبدو صريحة نسبيا إلا أنها ليست صريحة بما يكفي ـ ربما تحسبا لاحتمال تسريب تفاصيل المشروع إلى الوسائل الإعلامية.
إن تحقيق تسوية "تكون مقبولة لدى اسرائيل بالضرورة" يعني تبني رؤية اليمين الاسرائيلي المتطرف بزعامة ارييل شارون لمستقبل الأرض الفلسطينية المحتلة.. وهي كما نعلم رؤية مستمدة من عقيدة "توراتية" بأن الضفة الغربية ارض "موعودة إلهيا" للامة اليهودية دون غيرها. ووفقا للرؤية الشارونية أيضا فان الأردن يجب أن يكون "الوطن البديل" للشعب الفلسطيني.
وغني عن القول أن تحقيق "التسوية" على هذا الأساس لن يكون متاحا إلا بالاستمرار في استخدام القوة المسلحة الاسرائيلية بدعم أميركي كامل. وفي الحقيقة فان تطبيق البرنامج الموضوع بكل بنوده ينطلق من فلسفة التدخل المسلح.. وإلا فكيف يمكن تغيير النظام الحاكم في العراق؟
وحتى إذا بدا لنا أن إقامة "مجتمعات مدنية" في دول عربية هدف سلمي بريء فانه ليس كذلك على الإطلاق لأنه ينطوي على استخدام القوة الخارجية للقضاء على أنظمة حكم قائمة. ونستطيع أن نستنتج أن المقصود هو في الحقيقة القضاء الكامل على طبقة حاكمة باسم إقامة نظام ديمقراطي تعددي في البلدان المعنية. وبالطبع لن تكون النتيجة المنشودة في هذا السياق سوى ديكور ديمقراطي يحمي نظاما عميلا للولايات المتحدة بصورة حديثة خادعة. وربما رأى واضعو البرنامج أن الحكمة تقتضي المبادرة بتغيير أنظمة وإحلال أنظمة جديدة موثوق بها حتى لا يحدث التغيير على أيدي قوى معادية تدفع بهذا التغيير في اتجاه مناقض للرؤية الأميركية.
وإذا تفحصنا الأمر جيدا فأننا قد نكتشف أن الولايات المتحدة تريد للتاريخ أن يعيد نفسه، وان بصورة مختلفة.
وقبل أن نخوض في هذا الاحتمال علينا أن نستذكر أن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة المتحالفة مع النفوذ اليهودي الصهيوني تتخوف من زحف المد الإسلامي في العالم ـ حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها ـ وترى فيه الخطر المستقبلي الأعظم. لهذا كان تبلور فلسفة التدخل بالقوة في العالم الإسلامي لإلحاق هزيمة بهذا "الخطر" قبل استفحاله.
لقد ورد شيء مثل هذا على لسان كوندوليزا رايس مستشارة بوش للأمن القومي حين أعلنت قبل نحو أسبوعين أن على الولايات المتحدة استخدام القوة إذا دعا الأمر لنشر "القيم الأميركية" في العالم الإسلامي.
إن هذه اللغة الحادة تستدعي ذكرى التاريخ القريب. فقد كان النصف الثاني للقرن العشرين عصر احتواء المد الشيوعي العالمي من المنظور الأميركي. ولنستذكر أن التدخل العسكري الأميركي ضد فيتنام والهند الصينية بأكملها والصين "الحمراء" لمدى عقود كان تحت شعار "إنقاذ" شعوب آسيا من الشيوعية لإحلال "القيم الديمقراطية" ومن اجل حماية "العالم الحر" من المد الشيوعي. ولتعد الشعوب الإسلامية قراءة تاريخ التدخل الأميركي في آسيا لتدرك أن الخطة الموضوعة الآن أدهى وأمر من مجرد هجوم على العراق.