المحور الاجتماعي

 العنف الأسري بين
علم الإجتماع والقانون

بقلم 
الدكتور حلمي ساري

  يعتبر تعريف العنف بشكل عام، والعنف الأسرى بشكل خاص إشكالية شائكة. فهناك تعريفات عديدة يعكس كل منها وجهة نظر المدرسة الفكرية التي يملكها. ومع ذلك يمكن القول انه يكاد يكون من المتعذر فهم طبيعة العنف الأسرى دون ربطه ببعض المفاهيم المتصلة به كمفهومي بناء القوة (power structure) والشرع(legitimacy). فالعنف الأسرى برأي الأكثرية الساحقة من علماء الاجتماع، ليس سوى: "شكلا من أشكال الاستخدام غير الشرعي للقوة. قد يصدر عن واحد أو اكثر من أعضاء الأسرة ضد آخر أو آخرين فيها بقصد قهرهم أو إخضاعهم وبصورة لا تتفق مع حريتهم و إرادتهم الشخصية، ولا تقرها القوانين المكتوبة أو غير المكتوبة" 

وفي الواقع فإن علاقات القوة داخل النسق الأسرى ليست سوى انعكاسا لبناء القوة القائم في المجتمع بشكل عام. ذلك البناء الذي يدعم ويعزز علاقات الهيمنة والسيطرة والقهر الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي في المجتمع وفي الأسرة من خلال نسق القيم والثقافة والقانون والمؤسسة الإعلامية. وتعتبر المرأة (بنتا كانت أم زوجة أو أختا) اكثر الأفراد داخل الأسرة تعرضا للعنف لكونها تحتل مكانة ضعيفة في بناء القوى داخل الأسرة. 

إن نسق القيم والمعايير في المجتمع هو الذي يحدد أدوار الذكور والإناث، ويفضل الذكور على الإناث ويعظم من سلطتهم العائلية والاجتماعية على حساب تفعيل شأن الإناث وتكريس تبعيتهن وطاعتهن للذكور. ويستمد نسق المعايير شرعيته من روافد ومصادر مختلفة من أهمها الثقافة الاجتماعية السائدة، والتراث الشعبي، والقانون، والمؤسسة الإعلامية، والدين الموجه. 

ولو أخذنا الثقافة السائدة كمثال ندلل به على ما نقول فإننا نجد الثقافة السائدة أنها لا تعترف بدور الفتاة إلا بدورها كربة بيت وزوجة. فالثقافة السائدة هي ثقافة الطبقة الحاكمة. فلا يجب إذن أن نرى إن القيم السائدة والأفكار والأخلاق والعادات والتقاليد هي أفكار هذه الطبقة التي تؤسسها في كافة مؤسساتها. وهذا هو الذي يفسر لنا النظرة الثقافية السائدة نحو المرأة في المجتمع العربي والعنف الذي تتعرض له في القطاعات الاجتماعية المختلطة في المجتمع (الحضري، الريفي، والبدوي)، مع الإقرار بأن هناك عوامل كثيرة تعمل على تباين مدى العنف الذي تتعرض له المرأة، وشكله ودرجة الحدة التي يظهر بها في هذه القطاعات. 

وإذا ما حاولنا أيضا تحليل مضامين التشريعات والقوانين الخاصة بالمرأة والأحوال الشخصية، فإننا سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام مؤسسة، المؤسسة القانونية أهم واخطر المؤسسات التي تؤسس العنف الأسرى وتقننه. ذلك لان المؤسسة القانونية هي أحد الأجهزة الرئيسة للسلطة الحاكمة التي تقدمها لتحقيق مصالحها الاجتماعية والسياسية. وهذا يفسر لنا طبيعة الأيدلوجيا التي يقوم عليها قانون الأسرة والأحوال الشخصية. وإذ كنت غير معني بشكل تفصيلي في توضيح وتحليل قانون الأحوال الشخصية المعمول به حاليا في المجتمعات العربية، إلا أن التأمل في بعض هذه القوانين كفيل بتوضيح مظاهر التمييز ضد المرأة في مسائل كثيرة كالزواج والطلاق والإرث والولاية إلى غير ذلك من مسائل يستند القانون في تحديد أحكامها على مذاهب و أراء فقهية محافظة ولا تستند إلى الشريعة الإسلامية إلا في ادعائها ذلك. (ليلى عبد الوهاب، 1994). 

ويعتبر العنف الممارس ضد المرأة سلوكا مؤذيا وضارا وغير معلن في الغالب إلا بصورته القصوى وهي العنف الجسدي. وغالبا ما تكون المرأة هي اكثر الفئات تعرضا له وذلك لاحتلالها المكانة الدنيا والضعيفة في سلسلة بناء القوة دخل النسق الأسري والمجتمع على حد سواء (Straus, 1980). فلا عجب أن نرى العنف الأسري يأخذ أشكالا متنوعة من السلوك الذي يعبر عن حالة انفعالية تنتهي بإيقاع الأذى أو الضرر بالآخر سواء كان هذا الأذى بدنيا أو عاطفيا أو اقتصاديا أو تربويا أو جنسيا. 

يتضح من هذا، أن المنظور الاجتماعي للعنف شامل، وواسع ويمكن وصفه بأنه أوسع واشمل من المنظور القانوني له، لان المنظور القانوني يقتصر على الفعل الجرمي نفسه مغفلا في أحايين كثيرة الظروف البيئية والمجتمعية المحتمة لظهور وانتشار العنف وتباين أشكاله وأنماطه وحجمه. إضافة إلى هذا فإن المنظور القانوني للعنف غالبا ما يغفل العديد من أنماط العنف المنشرة في المجتمع ولكنها غير مجرمة قانونيا. 

و أما القضية الرئيسية الأخرى التي لا بد من توضيحها ونحن بصدد تحليل العنف الأسرى فهي مشكلة "الشرعية". تثير مشكلة "الشرعية" أو عدم "الشرعية" المتعلقة باستخدام القوة أو اللجوء إليها في داخل الأسرة الكثير من التساؤلات والجدل. فالحكم على فعل ما بأنه شرعي أو غير شرعي هو مسألة نسبية تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات. وعليه، فإن دائرة الأفعال الأسرية وأنماط السلوك التي قد تصنف على أنها غير شرعية قد تتسع في بعض المجتمعات وتضيق في بعضها الآخر. ويمكن عزو هذا الاختلاف إلى التباين في المرجعية الثقافية لهذه المجتمعات من جهة، ومدى شيوع الوعي بحقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة في هذه المجتمعات من جهة أخري. 

ولقد ترتب على هذا التباين الثقافي والديموقراطي في المجتمعات فروق واضحة في التشريعات القانونية لمواجهة مشكلة العنف الأسري تتماشى مع مدى التقدم الذي أحرزته المجتمعات في مجال حقوق الإنسان والديموقراطية، ففي المجتمعات التي قطعت شوطا متقدما في مجال حقوق الإنسان، سواء على مستوى النص أو التطبيق نجد أن قوانين هذه المجتمعات قد حددت تحديدا واضحا لمفهوم العنف بكل أشكاله وتحليلاته على خلاف مجتمعات "العالم الثالث" التي لم تصل إلى ما وصلت إليه المجتمعات "المتقدمة" من تقدم في مجال حقوق الإنسان وحرياته. فإننا نجد أن مفهوم العنف الأسري فيها وآليات مواجهتها القانونية له يتباين بشكل واضح عن تلك الآليات المستخدمة في المجتمعات المتقدمة. 

كيف يفسر علم الاجتماع العنف الأسرى؟ 

بدأ اهتمام علماء الاجتماع في الغرب بدراسة العنف الأسري، في الحقيقة، متأخرا نسبيا مقارنة باهتمام العاملين في مجال الخدمة الاجتماعية، وأطباء الأطفال والأطباء المسنين. ونستطيع القول بأنه قبل عام 1970 لم يكن لعلماء الاجتماع جهودا تذكر في هذا الصدد. ولكن نتيجة لحرب فيتنام وموقف الرأي العام الأمريكي فيها كسلوك عنيف، والقتل السياسي، والاحتجاج الاجتماعي العنيف وارتفاع معدلات القتل في المجتمع الأمريكي، وعودة الحركة النسوية للظهور إضافة إلى التحديات النظرية التي تعرض لها نموذج الإجماع من جانب أصحاب الاتجاه الصراعي، بدأ علماء الاجتماع يوجهون جهودهم لدراسة العنف الأسرى للوقوف على أسباب هذه المشكلة ودوافعها وحجمها وتفاعلاتها وآثارها على كل من المرأة والأسرة والمجتمع بشكل عام. (احلال حلمي، 1999). وكان نتيجة هذه الجهود أن تركوا لنا إرثا ضخما يمكن تقسيمه إلى اتجاهين / تيارين أساسيين بارزين يتفرع من كل منهما تيارات فرعية. وهذان الاتجاهان هما: 
- الاتجاه المحافظ في دراسة العنف الأسري ويمثله التيار المسمى: البنائي الوظيفي.
- واتجاه التفاعلية الرمزية، ثم نظرية التعلم، ونظريتي المصدر والتبادل. 
الاتجاه النقدي والنسوي: وهنا نجد أنفسنا أمام التيار / النظرية الصراعية، ثم التيار الفينونيولوجي، ثم اتجاه النسوي الراديكالي في دراسة العنف. 
ومع أن الوقت لا يسعفنا في استعراض مفهوم كل اتجاه من هذه الاتجاهات للعنف الأسرى بشكل تفصيلي، ومع ذلك لا بد من التأكيد على أمر في غاية الأهمية، وهو انه لا توجد نظرية افضل من غيرها في تفسير هذه المشكلة. كما انه لا توجد نظرية واحدة تفسر ظاهرة العنف الأسرى بشكل تفصيلي، فهذه المشكلة هي في الواقع مشكلة معقدة ومتداخلة الجوانب (الجانب الطبي والنفسي والقانوني والبيئي والثقافي).
لذا، سأقوم بعرض موجز وعام لمفهوم العنف الأسرى كما يراه الاتجاه التقليدي بكافة تياراته الفرعية، ثم عرض عام للعنف الأسرى كما يراه الاتجاه النقدي الحديث مركزا على التيار الأكثر حداثة وهو التيار النسوي الذي طور مدخلا نظريا معاصرا يسمى النموذج الجنسوي (Gender model) (احلال حلمي 199). 

أولا : العنف الأسرى من وجهة نظر النظريات الاجتماعية المحافظة: 
يرى أصحاب هذا الاتجاه، وبخاصة البنائيون الوظيفيون أن العنف لا يكمن إلا داخل سياقه الاجتماعي. فهو أما يكون نتاجا لفقدان الارتباط بالجماعات الاجتماعية التي تنظم السلوك وتوجهه، أو هو نتيجة لفقدان المعايير والضبط الاجتماعي الصحيح. وعليه ينجرف الأفراد إلى العنف وبمعنى آخر فان العنف، برأيهم، هو أحد إفرازات البناء الاجتماعي. يحدث عندما يفشل المجتمع في تقديم ضوابط قوية على سلوك الأفراد. هذا إضافة إلى انه نتاج للاحباطات التي تحدثها اللامساواة البنائية بين الأغنياء والفقراء (structural inequalities). 
ويمكن تلخيص آراء هذا التيار بالقول أن العنف هو استجابة لضغوط بنائية في المجتمع واحباطات ذاتية نتجت عن الحرمان فالإحباط الناتج عن الحرمان المادي قاس ومؤذ لانه يؤدي إلى الإيذاء الجسدي للزوجة من جانب الزوج الذي يفتقد الموارد المادية التي تحقق التوقعات المعيارية ومسؤولياته تجاه أفراد أسرته. فإذا كان الزوج غير قادر على مواجهة توقعات دوره كمعيل للأسرة بسبب انخفاض مستوى تعليمه، أو مكانته المهنية أو دخله فإن الضغوط والاحباطات تدفعه إلى استخدام العنف داخل المنزل. و أما الحل الذي يقترحه أصحاب هذا الاتجاه لمشكلة العنف فيكمن في زيادة التكامل الاجتماعي عن طريق ربط الفرد بالجماعات الأولية في المجتمع التي من شأنها إشباع حاجاتهم النفسية والاجتماعية وتغيير وضعهم المهني والاقتصادي وغرس القيم الدينية وقيم الانتماء لديهم. (Coleman, 1984). 

ثانيا: مفهوم العنف من وجهة نظر الاتجاه النسوي الراديكالي: 
يرى أصحاب هذا الاتجاه، أن نقطة البداية في فهم العنف ضد المرأة تكمن أصلا في العلاقة التي تربط المرأة بالرجل عبر التاريخ. فالعلاقات الاجتماعية في جميع المجتمعات مبنية في الأصل على سيطرة الرجل على المرأة وتقوم على أساس التقسيم النوعي (الجنسوي). 
ويؤكد دعاة هذا الاتجاه بأن المجتمعات المعاصرة بالرغم من كل ما طرأ عليها من تغيرات تبقى مجتمعات ذكورية - أبوية، وان الأسرة تشكل بناء على أوامر أبوية، فالأسرة - برأيهم - تقوم بتنشئة الأطفال على أساس يدعم التباين النوعي للأدوار مما يحافظ على بقاء واستمرار النظام الأبوي. 

وفي نطاق معارضتهم لمفهوم السلطة الذكورية الأبوية طور أصحاب هذا الاتجاه مدخلا نظريا جديدا يركز على العلاقات الاجتماعية الخاصة بمفهوم النوع (Gender) الذي تبلور في منتصف الثمانينات كنموذج نظري يلقي الضوء على عملية التكوين الاجتماعي للذكورة والأنوثة كفئتين متناقضتين مع وجود قيم غير متساوية. وباختصار يركز أصحاب الاتجاه النسوي وبخاصة - أصحاب نظرية النوع - على الطبيعة القاسية والخشنة والعنيفة للرجل، وان العنف هو جزء من الظلم التاريخي ونظام الحكم القهري الذي من خلاله يحافظ الرجال على سيطرتهم وتحكمهم في النساء. إن ثقافة العنف السائدة في المجتمع والقيم العنيفة التي تعتبر النساء ملكية للرجل تساهم، برأيهم، في استمرار العنف ضد المرأة (Gelles. R., 1979). 
وفي الحقيقة فإن مشكلة العنف الأسرى ترتبط بالعديد من العوامل والمتغيرات الفردية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والبيئية الأمر الذي يجعل من نظرية واحدة منفردة تدعي تفسيره أمرا غير دقيق. ومن هنا جاءت الحاجة إلى ضم نظريتين أو اكثر أحيانا لدراسة العنف لنستطيع تحليل هذه المشكلة. 
فقد جمع بعض الباحثين بين نظرية النوع ونظرية المصادر (أي بين الاتجاه النقدي الحديث وبين الاتجاه التقليدي المحافظ). إذ ولدت الحركات النسوية الراديكالية ممثلة بنظرية النوع وعياً عاماً بظاهرة العنف الأسرى الواقع على المرأة باعتباره مشكلة اجتماعية أطلقت عليه مصطلح العنف الحميمي أو العنف في العلاقات الحميمية
(Intimate Violence) وتقوم هذه النظرية على عدة مسلمات أو فرضيات في فهمها للعنف في العلاقات الحميمية منها على سبيل المثال: (Umberson,1998) 
- التمييز بين مفهومي الجنس والنوع على أساس اجتماعي ثقافي وليس بيولوجي. 
- يختص مفهوم النوع بالفروقات والاختلافات بين أدوار الرجال والنساء التي تتشكل اجتماعيا عبر الثقافة السائدة والمتغيرة تاريخيا. 
- تتمثل العلاقات الاجتماعية في المجتمع في تبعية المرأة وسيطرة الرجل واللامساواة القائمة بينهما. وكلها أنماط تاريخية تستند إلى الواقع. 
- العنف في العلاقات الحميمة إنما تترسخ جذوره في النوع والقوة متمثلا في محاولات الرجال المحافظة على سيطرتهم وتحكمهم في النساء. وهو جزء من العلاقات الإنسانية التي تتشكل من خلال التبعية والعنف. (اجلال حلمي، 1999). 

ونخلص من هذا كله التأكيد على صعوبة الخروج بنظرية واحدة تحلل وتفسر جميع أشكال العنف، والفاعلين له، وكذلك المواقف التي تم فيها هذا العمل العنيف. 
لذا لجأ علماء الاجتماع مؤخرا إلى التخصص في دراسة أحد أنماط العنف الأسري المتمثل في تعنيف الزوجات، أو أحد الأبناء، أو إساءة معاملة الأطفال، العنف ضد كبار السن. 
وفي الختام نقول:
إذا كانت مسألة العنف الأسرى مسألة شائكة ومعقدة ولا تكفي نظرية واحدة في فهمها أو تفسيرها، فإن الأمر كذلك فيما يتعلق بمكافحتها ومواجهتها. فمن غير الإنصاف تحميل مؤسسة بعينها مسؤولية هذه المكافحة. فجميع مؤسسات المجتمع المدني مطالبة بهذا. وجميع هذه المؤسسات ستبقى مدانة إذا ما تخلت عن الاضطلاع بهذا العبء. فآثار العنف الأسرى السلبية لا تنعكس على الأسرة وحدها فقط، بل تمتد لتطال المجتمع والدولة على حد سواء.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com