|
الخلل الثقافي
في مجتمعات عرب المهجر
بقلم
سعيد السبكي
|
هناك مثل هولندي يقول "لقد سقط بين الرصيف والسفينة" ويعني من فقد قدرته على التوازن أو السير في طريق واضح المعالم، أي الإنسان الذي لا هو بغارق في مياه البحر ولا هو بقادر على حماية نفسه من الوقوع في المياه، وتوصيف هذا المثل ينطبق تماما على ثقافة عرب المهجر الأوروبي، ولا نقول كلهم بل الغالبية العظمى منهم.
فهم يكونون مجتمعات خاصة داخل أوروبا تشعر "بالانتماء العاطفي للثقافة العربية"، لكنه انتماء يتجمد عند حدود المشاعر التي قد تعلو حدتها أو تنخفض حرارتها وفقا للظروف والمتغيرات, وهذا التأرجح يتردد بين الرفض تارة، والقبول تارة أخرى، وبين وسطية ثالثة تقبع "بين بين" باهتة الملامح تؤدى إلى الخلل الثقافي، أما الولاء الثقافي للسلف أو الجذور فهو إما:
- مشوه بفعل التسلخات التي تصيبه في الوجه الحضاري.
- منقوص يفتقر إلى عناصر الوحدة الثقافية الطبيعية.
- غائب تماما بسبب الارتماء الأعمى في أحضان التغريب.
وقد يمكننا تقسيم مجتمعات عرب المهجر بصفة عامة إلى عدة شرائح:
ـ عرب أوروبا بمختلف بلادها أي مهاجري الصُدفة الذين بحثوا عن فرصة عمل فوجدوها، دون تفضيل بريطانيا على إيطاليا أو هولندا على ألمانيا، والعكس صحيح.
ـ عرب كندا وأستراليا وأمريكا، وهؤلاء نسبة كبيرة منهم هاجرت من بلادهم الأصلية إلى هذه البلاد وفق ترتيب محدد وأهداف واضحة.
ـ أما العرب المهاجرون من بلد عربي لآخر فلهم ظروف خاصة ومشكلات ثقافية خاصة، ولا يمكن اعتبارهم مهاجرين من وجهة نظري بل رحالة من أبناء وطن واحد.
وتعبير عرب أوروبا، ذلك التوصيف العام قد يحتاج منا إلى توضيح خاص، فالشرائح التي تعمل مثلا من المهاجرين العرب في هولندا وبلجيكا، نجد أنها مختلفة عن نظيرتها في ألمانيا، وذلك على الرغم من متاخمة هذه الدول الأوروبية بعضها بعضاً، وروابطها الجغرافية وأوجه الشبه الثقافي، لكن الفارق يكمن في أن هذه البلاد احتاجت في وقت معين إلى عمالة، ولم تكن تهمها مستويات هذه العمالة العلمية أو القدرات الفنية بقدر كونها عمالة رخيصة، فهاجر إليها عرب من بلدان مختلفة لا تجمعهم وحدة الهدف المُسبق من هجرة دائمة ومستقرة وتحديد لنوعيه العمل أو الكيان الذي سيتحرك المهاجر داخله، وذلك على النقيض من بلاد المهجر المعروفة مثل كندا، وأستراليا، التي تنظم عمليات الهجرة إليها بصورة واضحة وفى قنوات محددة، حتى إننا نجد هناك مجموعات من المهنيين في حرفة النجارة مثلا أو اللحام أو الحدادة... إلخ.
ونجد أن الغالبية العظمى من مواطني المملكة المغربية، موزعون بين هولندا وبلجيكا، وفرنسا لأنها المُستعمر السابق الذي فتح أبوابه بعد استقلال المغرب العربي للأيدي العاملة من مستعمراته السابقة في شمال إفريقيا، والعامل المغربي وجد سهولة في وجود بعض من أقاربه أو حتى جيرانه قد سبقوه إليها، إضافة إلى أن بعضهم يجيد اللغة الفرنسية، إلا أن واقع الأبحاث والدراسات يؤكد أن معظمهم من أهل الريف ونسبة كبيرة منهم لا تجيد القراءة والكتابة لا بالعربية ولا بالفرنسية، كما أن مجتمع مغاربة هولندا وبلجيكا ليسوا أفضل حالا من نظرائهم في فرنسا، وحتى نلتزم الدقة من أجل توصيل رسالة الخلل الثقافي في مجتمعات عرب المهجر، سنضع عرب هولندا تحت الضوء، وننتقل في مواضع متفرقة إلى شرائح أخرى في بلاد متنوعة على سبيل المقارنة، لكن نفعل هذا باختصار نراعي من خلاله عدم حدوث البتر في المعاني، خاصة أنني منذ أن بدأت ملف عرب أوروبا والمهجر في نهاية العام المنصرم 2001م ميلادي وحتى اليوم، وجدت الحاجة والضرورة الملحة للاستمرار في هذا الملف وتوثيقه، (عن الجاليات العربية في أوروبا أرصد فيه الإحصائيات والهويات، وأسبر أغوار الهجرة الشرعية وغير الشرعية).
ونعود لنتحدث عن شرائح مجتمعات عربية أخرى بعد المغاربة في هولندا لنجد أنه في المرتبة الثانية يأتي الفلسطينيون ومعظمهم من العمال ذوي الثقافات والتعليم المحدود جدا، ممن اتجهوا إلى هولندا بعد حرب عام 1967م، أما المصريون فأكثر من 50% منهم حملة مؤهلات عليا، وحوالي 10% من المتسربين من المراحل التعليمية المختلفة، و30% من حملة الشهادات المتوسطة سواء العامة أو الفنية، وحوالي 10% من الفئات عالية المهن وأصحاب دراسات وأبحاث ودارسين ومشتغلين في المجالات الاقتصادية وغير ذلك، ونسبة من هؤلاء ممن لفظتهم ظروف الدول الخليجية التي كانوا يعملون فيها "بعد الحرب". وأكثر من 90% من المصريين في هولندا هم من مهاجري الصُدفة، أي لا تجمعهم بوتقة ثقافية واحدة متشابهة، ويأتي بعد هذه الفئات عدد كبير من العراقيين الذين فروا بسبب ظروف حرب الخليج الثانية وسوء الأحوال في بلادهم، وهؤلاء هم خليط ومزيج يثير الدهشة، حيث نجد من بينهم الطبيب والصحفي والكاتب والشاعر إضافة إلى فئات من الأميين، وأعداد قليلة من التونسيين والجزائريين والسودانيين والسوريين وغيرهم أعداد قليلة تكاد لا تذكر.
إذ إن أهم أسباب الخلل الثقافي تأتي من:
- عدم التجانس الثقافي بين شرائح المجتمعات العربية.
- اختلاف مستويات التعليم.
- تنوع الانتماء والالتزام الديني.
- عدم وجود مراكز ثقافية عربية كبيرة، إلا بعض مؤسسات أو "دكاكين ثقافية" على شكل جمعيات أهلية تحيط ببعضها الشكوك، ومن ناحية أخرى تقع تحت طائلة تأثير وسيطرة الحكومة الهولندية.
- انصراف المثقفين لقضايا شخصية وعدم انخراطهم في القضايا العربية الاجتماعية والثقافية العامة، وعزوف بعضهم عنها عن قصد.
|