|
تـاريخـنــــا... من يدرسه؟!
بقلم
د.خالد الخالدي
رئيس قسم التاريخ والآثار
الجامعة الإسلامية - غزة
|
قرأت كتاباً قبل سنوات عدة أثّر في مجرى حياتي العلمية تأثيراً كبيراً إذ حبّب إليّ قراءة التاريخ، ولفت نظري إلى أهميته، ودفعني إلى استكمال دراستي العليا فيه بالرغم من أنّ شهادتي الثانوية من الفرع العلمي وكذلك شهادتي البكالوريوس هذا الكتاب هو"التاريخ أثره وفائدته" وهو لكاتب أمريكي يدعى س.ل. وارس، وقد ألفه سنة 1962. ومازلت منذ قراءته أحفظ عباراته وأرددها لزملائي وطلابي، أحببهم في دراسة التاريخ وأرفع من مستوى قناعتهم وثقتهم بأهمية تخصصهم، لاسيما أننا نعيش في مجتمع ينظر عوامه وكثير من مثقفيه إلى التاريخ والمتخصصين فيه نظرة سلبية دونية.
يتحدث صاحب هذا الكتاب عن فائدة التاريخ وأثره وأهميته، ويذكر تفاصيل كثيرة، ثم يتوجه إلى أبناء أمته ناصحاً، فيقول: "إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تصل إلى حكم العالم في يوم من الأيام، فإني أنصح أولي الأمر في أمريكا، أن يهتموا جداً بأقسام التاريخ في المعاهد والجامعات الأمريكية، وأن لا يوصلوا إلى هذه الأقسام إلا خيرة أبنائهم وأذكاهم وأنبههم. وألا يوصلوا إلى مراكز القيادة السياسية والعسكرية والاجتماعية إلا أولئك المتخصصين في دراسة التاريخ".
ويذكر وارس في كتابه أمثلة عديدة لقادة سياسيين وعسكريين جاهلين في التاريخ وعازفين عن قراءته، ويبين كيف تسببوا لبلدانهم وشعوبهم بنكباتٍ وهزائم وخسائر فادحة.
ثم يذكر أمثلة لقادة آخرين من المتخصصين في التاريخ أو ممن استهواهم التاريخ فأحبوه وقرءوه واستوعبوه من أمثال تشرشل، ويبين كيف حققوا لبلدانهم وشعوبهم الانتصارات والتقدم والخير الوفير.
ويوضح الكاتب أن السبب في نجاح القائد العالم بالتاريخ، وفشل القائد الجاهل بالتاريخ، هو أن الأخير عندما يتخذ قراراً يكون فقط أمام تجربته الشخصية وتجربة أساتذته، بينما القائد العالم بالتاريخ يكون أمام تجربته وتجربة أساتذته وتجارب ملايين القادة وآلاف السنين. وهي تجارب الصواب والخطأ والانتصارات والهزائم التي خاضتها البشرية عبر تاريخها الطويل. ويستطيع القائد العالم بالتاريخ إن كان ذكياً وقادراً على الإفادة منه أن يتجنب الأخطاء ونتائجها المدمرة، ويسلك دروب النجاح والفلاح التي قدمها له التاريخ.
ويبدو أن أولي الأمر في أمريكا قد أخذوا بنصيحة هذا الكاتب، أو أنهم مثله يدركون أهمية التاريخ، إذ نجد أن معظم القادة السياسيين والعسكريين في أمريكا من المتخصصين في التاريخ، فمثلاً الرئيس الأمريكي الحالي يحمل شهادة الماجستير في التاريخ، ورئيس وزراء العدو شارون متخصص في التاريخ.
وقد أدرك قادتنا وعلماؤنا أهمية دراسة التاريخ، فدرسوه وحضوا على دراسته قبل وارس وغيره. وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: "من قرأ التاريخ زاد عقله وقل خطأه". ويقول العلامة ابن خلدون: "اعلم أن فنّ التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء لمن يرومه".
ويروى أن معاوية رضي الله عنه كان يخصص وقتاً في كل يوم يطالع فيه كتب التاريخ. ولذلك عرف كيف يكسب قلوب رعيته، وكيف يوحد أمته ويجمعها بعد طول فرقة.
وفي الوقت الذي يدرك فيه أعداؤنا أهمية دراسة التاريخ، ويدفعون إليه خيرة أبنائهم وأذكاهم، ويهتمون جداً بأقسام التاريخ في جامعاتهم، ويقدّرون المتخصصين فيه من أبنائهم، نهمل نحن دراسته وأقسامه والمتخصصين فيه، وقد دفع ذلك الإهمال خيرة أبنائنا وأذكاهم نحو الدراسات العلمية كالطب والهندسة والعلوم ولم يتوجه إلى أقسام التاريخ في جامعاتنا في معظم الأحيان إلا الضعاف الذين لم تسعفهم درجاتهم للوصول إلى الطب والهندسة. والضعاف مهما درسوا وتعلموا وواصلوا دراساتهم، يبقى الضعف مؤثراً فيهم، ولا يمكن أن يبرز منهم القادة المؤثرون ولا يقدرون على مواجهة سموم المستشرقين وتشوهاتهم لتاريخنا، بل يتأثرون بها ويرددونها وينقلونها إلى تلاميذهم من خلال محاضراتهم ومؤلفاتهم، فيسهمون هم أيضاً في تشويه تاريخنا وتخريج أجيال لا تثق بماضيها وقادتها، وتتعلق وتعجب وتقتدي برجالات أعدائنا وقادتهم.
ولأن المستقيمين الملتزمين بدينهم هم الأكثر تفوقاً في مجال الدراسة، فقد فتحت أمامهم فرص الدراسة في كليات الطب والهندسة فاندفعوا نحوها تاركين التاريخ وغيره من الدراسات الإنسانية للضعاف الذين من السهل أن يتأثروا بشبهات المستشرقين، وأن يستقطبهم أصحاب المبادئ الهدامة.
ولهذا عندما نظرت إلى أعضاء الهيئة التدريسية في أقسام التاريخ في أكثر من جامعة عربية، لم أجد بينهم إسلامياً واحداً مع أن عدد الأساتذة في القسم الواحد كان يربو على الأربعين أستاذاً. لذلك من الصعب جداً أن نجد كتاباً في التاريخ خالياً من التشويه مكتوباً بتصور إسلامي نقي، ويقدم التاريخ بصورة أمينة ومشرقة، ويصلح أن يكون منهجاً يقرر على الطلاب.
لقد عاث أصحاب الأفكار الهدامة والمضلة فساداً في أقسام التاريخ في جامعاتنا، وملئوا مكتبتنا العربية بمؤلفات وكتب مشوّهة، لأنه لا يكاد يوجد غيرهم في هذا الميدان، وقد أسهم ذلك في تخريج أجيال لا تثق بتاريخها، ولا تقدّر أبطالها وقادتها الذين لم تنجب الدنيا مثلهم، شجاعة وإقداماً وتضحية وخلقاً وسلوكاً وعلماً وعدلاً. وتطاول هؤلاء المشوّهين حتى على كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان ومعاوية وعمرو وخالد وغيرهم، بينما تجدهم يتحدثون بإعجاب عن القادة الأمريكيين والأوروبيين، مثلما علمهم أساتذتهم المستشرقون.
وأجد من الواجب على الموجهين والمربين والأباء الواعين وأولي الأمر أن يوجهوا أبناءهم وتلاميذهم الأذكياء والمتفوقين إلى دراسة التاريخ، وأن يوصوا بالاهتمام بأقسام التاريخ في جامعاتنا وأن يتعلموا كيف يفيدوا من المتخصصين في التاريخ.
ولقد أعجبت وتأثرت مثل كثير من أبناء عالمنا العربي والإسلامي بكتابات الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل في مجال التاريخ، وقد ازداد إعجابي به عندما زرته في الموصل وتعرفت عليه عن قرب، حيث وجدت حوله مجموعة من الأشبال والشبان المتفوقين في دراستهم، وعندما تحدثت إليهم وجدت أن كل واحد منهم قد اختار تخصصه الذي سيواصل فيه دراسته، بالرغم من أنه ما زال في المرحلة الإعدادية أو الثانوية، فقد قال لي أحدهم أنه سيتخصص في التاريخ، وقال آخر أنه سيتخصص في الفلسفة، وقال ثالث أنه سيتخصص في علم الاجتماع، وهم يقرؤون فيما عزموا عليه من تخصصات، وقد ذكر لي أحدهم أنه الأول على مدرسته، وسوف يتخصص في التاريخ، بالرغم من أن أهله يضغطون عليه ليدرس الطب.
إن هؤلاء وأمثالهم هم القادرون على الإبداع في تخصصاتهم والإفادة منها، وإخراج تاريخنا إلى الأجيال بصورته الحقيقية المشرقة.
ولقد ازداد تقديري أيضاً للدكتور العلامة يوسف القرضاوي، عندما استمعت إليه وهو يعلن أنه قد أنشأ صندوقاً للإنفاق على طلبة العلم، وأنه لن ينفق إلا على طلبة متفوقين يدرسون في مجالات إنسانية كالتاريخ، وقد تبرع بنصف جائزة حصل عليها من الإمارات وهي مليون درهم إلى هذا الصندوق، بينما تبرع بالنصف الآخر إلى الانتفاضة في فلسطين.
فيا أيها الطلاب المتفوقون، أقبلوا على دراسة التاريخ، وتخصصوا فيه، لتنفعوا به أمتكم وأنفسكم، وكفاكم تهافتاً على كليات الطب والهندسة، فقد أُتخمت أمتنا من كثرتهم، حتى انتشرت بينهم البطالة. وإذا كان الهدف من توجهكم إلى التخصصات العلمية مادي، فيمكن أن تحققوا الهدف المادي أيضاً في مجال التاريخ، إذ بإمكانكم خلال سبع سنوات فقط من الدراسة أن تحصلوا على الدكتوراة في التاريخ، وتصبحوا أساتذة في الجامعات، أو تنشئوا مراكز للأبحاث تحقق الفائدة والكسب لكم ولأمتكم، ولعل الله يجعل منكم قادة كباراً، وينفع بكم ويسدد، ويحقق على أيديكم الانتصارات والتحرير.
|