معالم دور المرأة

 جمع وترتيب
خالد مختار

المرأة ، أي مخلوق هي ؟ وكيف يمكن التعامل معه ؟ وهل هي كالرجل لها حقوق وشخصية وممارسات قائمة على أساس من الاستقلال والحرية أم أنها مخلوق خُلق لكي يعيش عبداً للرجل وتحت سيطرته القاهرة، ولا حق له في الخروج عن إرادته، ولا يملك آدني حرية في مناقشة آرائه وأفكاره ؟

 ما هي المرأة؟ كيف يجب أن تعيش؟ وكيف يجب أن تتحرك؟ وما هو الهدف الحقيقي الذي رسمه الله لها والذي يتناسب مع ما أودعه فيها من قوى وإمكانات واستعدادات طبيعية؟ وهل على المرأة أن تضرب تلك الاستعدادات عرض الجدار وتتمرد على فطرتها تحت شعار المساواة مع الرجل، أم أن عليها أن تمارس دورها على ضوء تلك الاستعدادات؟ وهل المرأة قد خُلقت للرجل، أم أن كلاً منهما قد خُلق للآخر؟ وما هو دور كل منهما في كيان الأسرة وفي الميدان الاجتماعي؟ وهل عليها أن تحافظ على نظام الأسرة أم تتمرد عليه؟ وماذا يعني ذلك؟

هذه وغيرها أسئلة قديمة وجديدة لازالت تطرح دائماً وأبدا، وقد ازداد التأكيد عليها في هذه الأيام سيما بعد الموجة الجديدة من الضغوط الموجهة بشكل أو بآخر نحو الموقف الإسلامي من المرأة وما يُصوّر من امتهان لحقوقها في الإسلام  والدعوات الخبيثة الموجهة من خلال هذا المؤتمر النسوي أو ذاك إلى المرأة المسلمة ـ وتحت شعار حرية المرأة وغيرها من الشعارات ـ للانتفاض على صرح الأسرة وهدم أسوار هذه القلعة العظيمة التي تحفظ للمرأة كرامتها ودورها الرباني المقدّس.

 وسنحاول في هذا الجهد المتواضع أن نجيب على هذه الأسئلة ونرسم معالم دور المرأة ضمن الإطار الإسلامي ونحدد موقف الإسلام من هذا الكائن الذي يناصف الرجل في تحمل أعباء الحياة وشق عباب المسيرة الكادحة إلى الله.

 المرأة قبل الإسلام

 وقبل أن ندخل إلى صلب الموضوع لابد لنا أن نلقي نظرة سريعة وخاطفة على التعامل مع المرأة خلال الفترة التي سبقت الإسلام. «ففي الأمم غير المتدينة كان للرجل أن يبيع المرأة لمن شاء ويهبا لمن يريد، وكان عليها أن تطيع الرجل ـ أباها وزوجها ـ في ما يأمر به طوعاً أو كرهاً وكان عليها أن لا تستقل عنه في أي أمر يرجع إليه أو إليها.

وكان عليها أن تتحمل من الأشغال أشقها..

فالمرأة الحامل في بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البيت ونام الرجل على فراشها أياماً يتمارض ويداوي نفسه».

والنساء في الهند «لا يحل لهن الزواج بعد توفي أزواجهن أبداً، بل يحرقن بالنار مع أجساد أزواجهن أو يعشن في حالة من الذل والامتهان»

 أما عند الكلدانيين فالمرأة «محكوم عليها بتبعيتها لزوجها حتى انّه يحق له إخراجها من البيت أو التزوج عليها لو أخلت بتلك التبعية.. وكان له أن يغرقها في الماء بتأييد من المحاكم لو أخطأت في تدبير شؤون البيت أو لجأت إلى التبذير أو الإسراف».

والمرأة عند الروم «وكانت طفيلية الوجود، زمام حياتها وأرادتها بيد رب البيت يفعل بها ما يشاء، فربما باعها أو وهبها أو اقرضها للتمتع.. وربما أعطاها في حق يراد استيفاؤه منه، وربما ساسها بقتل أو ضرب..

وعند الإغريق كانت تُعاقب بجميع جرائمها ولا تُثاب لحسناتها ولا يراعى جانبها، وكان الرجل منهم إذا عرف انّه عقيم عمد إلى بعض أقاربه فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولداً يدعوه لنفسه».

وفي مصر كانوا كلما  قلت المياه في نهر النيل، زينوا فتاة والقوها في الماء حتى تغرق اعتقاداً منهم  أن ذلك سيزيد من مياهه. والمرأة في أفريقيا تعرض للبيع كقطعان الماشية، وما أكثر ما تُربط إلى المحراث لحرث الأرض.. ولا تتجاوز قيمتها عندهم بيضة دجاجة. فلو صادف أن سقطت سلة البيض من على رأسها حكم عليها بالإعدام.. وكانوا يقومون في مجالسهم وحفلاتهم بذبح الفتيات لإطعام الضيوف.

 وفي استراليا كانت قطعان الماشية عندهم أفضل من النساء لان الماشية تعطي صوفاً وحليباً وكان قتل المرأة عندهم ليس ذنباً كبيراً في حين يعد ضرب البقرة الحلوب ذنباً لا يُغتفر، وكانوا يقتلون المرأة ويأكلون لحمها في أيام المجاعة... وفي إيران لم يكن للمرأة أي قيمة حقوقية واجتماعية، فكانوا يتزوجون من المحارم حتى أن الرجل كان يتزوج بأخته وعمته وخالته. فبهرام جوبين الذي عاش في القرن الميلادي السادس تزوج بأخته، والسلطان الساساني يزدجر الثاني قد زنى بأخته وقتلها.

  وأما عرب الجاهلية فطالما استبدلوا النساء بالجمال، وكانت بعض القبائل العربية ترى من الخزي والعار أن يكون الإنسان امرأة أو تكون لديه امرأة. وعندما تريد المرأة  أن تلد كان عليها أن تذهب إلى البيداء وتحفر حفرة لتضع مولودها عندها. فإذا كان ذكراً استقبل بالزغاريد وهنئ به أبوه. وإذا كان بنتاً دُفن في تلك الحفرة حياً.

و«كانت العرب لا ترى للمرأة استقلالاً في الحياة ولا حرمة، وتجوز تعدد الزوجات من غير تحديد، وكانت تتشاءم من البنت وتعدها عاراً.. وكان الرجل منهم يسره الابن مهما كثر حتى انهم كانوا يتبنون الولد لزنا محصنة ارتكبوه، وربما نازع رجال من صناديدهم في ولد ادعاه كل لنفسه».

 حقوق المرأة في الغرب

 قبل الدعوات المطالبة بحقوق المرأة في الغرب، انطلقت الدعوات التي تطالب بحقوق الإنسان كانسان. فقد كان الإنسان بشكل عام مضطهد في الغرب، ولم يكن هناك أدنى اعتراف به، بل كانت الشعوب الغربية مجرد آلات وبيادق شطرنج يتحكم فيها الإمبراطور أو الملك كيف يشاء، فكانوا يعانون من اضطهاد فـظيع يتعارض مع أبسط الحقوق الإنسانيّة.

 وظهرت أولى الهمسات. المطالبة بحقوق الإنسان الأوربي خلال القرن السابع عشر، وانطلقت تلك الهمسات من حناجر بعض المفكرين أمثال جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو حيث تحدثوا عن الحقوق الفطرية والطبيعية للإنسان والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُسلب منه مهما كانت المبررات.

 ونجم عن تلك الدعوات صراع طويل في بريطانيا مثلاً بين الحكومة والشعب تمخض عنها حصول الشعب على بعض الحقوق الاجتماعية والسياسية عام 1688م.

 وفي عام 1776م عُقد في فيلادلفيا بالولايات المتحدة مؤتمر حول حقوق الإنسان جاء فيه «أن كافة الناس متساوون في الخلق، وقد فوّض الخالق لكل مخلوق حقوقاً ثابتة لا تتغير، كحق الحياة وحق الحرية، كما أن الغاية من تشكيل الحكومات هي حفظ تلك الحقوق، وان قوّة الحكـومة ونفوذ كلمتها منـوط برضا الشعب...».

 وفي القرن التاسع عشر طرأت تحولات وأفكار جديدة على صعيد حقوق الإنسان في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أدت بمجملها إلى ظهور الاشتراكية وضرورة تحقيق بعض الامتيازات للطبقة الكادحة ونقل السلطة إلى أيدي الطبقة العاملة.

وفي مطلع القرن العشرين طرح لأول مرة بالغرب شعار «حقوق المرأة»، حتى أننا نجد إنجلترا التي تُعدّ أقدم بلد ديمقراطي لم تقل بحقوق للمرأة متساوية مع الرجل إلاّ في مطلع هذا القرن. كما أن الولايات المتحدة ورغم اعترافها بحقوق الإنسان العامة عند إعلان استقلالها في القرن الثامن عشر، إلاّ أنها لم تصادق على مساواة المرأة للرجل في الحقوق السياسية إلاّ في عام 1920م.

 وفي أعقاب ذلك ظهرت فئات وحركات عديدة في القرن العشرين وفي أنحاء مختلفة من العالم أخذت تدعو بمجملها إلى أحداث تحول عميق في العلاقة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والامتيازات. وهناك اعتقاد لدى هؤلاء بأن أي تحول وتغير في العلاقة بين الأمم والأجهزة الحاكمة، وبين الطبقة العاملة وأرباب العمل، هذا التحول لن يكون قادراً على استيعاب معنى العدالة الاجتماعية ما لم يطرأ تطور على العلاقة الحقوقية بين الرجل والمرأة.

وقد أشير إلى التساوي في الحقوق بين الرجل والمرأة لأول مرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1948م

ولكن هل استطاع الفهم الغربي لحقوق الإنسان بشكل عام ولحقوق المرأة على وجه الخصوص أن يمنح المرأة حقوقها بشكل كامل ويتعامل مع المرأة بالشكل الصحيح بما يتناسب مع فطرتها وبنائها الطبيعي وبما يحفظ لها كرامتها وشرفها ويحافظ على ما اختار الله تعالى للها من دور على هذا الكوكب؟

 ستتضح صورة الإجابة عن هذه التساؤلات في الموضوعات اللاّحقة، ولكننا نؤكد هنا حقيقة أن الفلسفة الغربية قد هبطت بالإنسان ولم تأخذ بعين الاعتبار سوى الجزء المادي منه. أو بعبارة أصح أنها أخذت تنظر إلى الإنسان بعين واحدة، بعين المادة فقط، وأخذت تتعامل معه تعاملاً مادياً صرفاً لاغيةً بذلك الجانب الأهم في حياة الإنسان وهو جانب الروح والمعنويات.

ولهذا ترى بعض الفلسفات الغربية أن الإنسان ليس إلاّ آلة تحركها المصلحة الاقتصادية فحسب، وما الدين والأخلاق والعلم والأدب والفن إلاّ بناءات فوقية أساسها أسلوب الإنتاج وتوزيع الثروة. في حين يرى آخرون أن الدافع الرئيسي وراء حركة الإنسان وكافة نشاطاته هي العوامل الجنسية، وما الأخلاق والدين وغيرهما إلاّ مظاهر لذلك العامل الجنسي.

 وفي ظل مثل هذا الفهم المادي لحركة الحياة والإلغاء الكامل للجانب المعنوي من حياة الإنسان ، ذلك الإلغاء الذي يجعل من مفاهيم الخير والشر مفاهيم نسبية، فكيف نتوقع أن تكون حقوق الإنسان هناك على الصعيد العملي ـ رجلاً وامرأة ـ وهل من الممكن أن نجد انسجاماً بين حال الإنسان الواقعي واللاّئحة التي تتحدث عن حقوقه المشروعة؟

 التفاوت بين الرجل والمرأة

 ليس هناك من شك أن الكائنات بصورة عامة تتفاوت في استعداداتها وقابليتها الطبيعية، وليس هناك شك أيضاً في أن كل استعداد طبيعي يقتضي حقاً طبيعياً.

فابن الإنسان مثلاً له حق التعلم والذهاب إلى المدرسة، أما ابن الحيوان فليس له مثل هذا الحق لأن ابن الإنسان يتوفر لديه استعداد التعلم وقابلية الدراسة.

 ولكن ماذا عن أبناء الإنسان نفسه؟ هل يختلفون من حيث الاستعداد الطبيعي؟ هناك رأي شبه متفق عليه يقول بان الناس يتشابهون جميعاً من حيث الاستعدادات الطبيعية، ولهذا فهم متساوون في الحقوق الطبيعية الأولى. فالكل لهم حق التعلم والعمل وممارسة مختلف النشاطات العلمية والأدبية والفنية وغيرها.

غير أن ذلك التساوي في الحقوق الطبيعية الأولى لا يستمر معهم إلى مالا نهاية.. فهؤلاء الناس سيكونون بالتدريج في وضع غير متساو من حيث الحقوق المكتسبة.. تتدخل في ذلك الظروف وجانب الذكاء والتحرك لدى كل إنسان. ولو أردنا أن نساوي بين هذه الحقوق المكتسبة نكون قد ارتكبنا ظلماً فادحاً.. هذا على صعيد المجتمع..

أما على صعيد الأسرة فهل لأفراد الأسرة وضع متماثل من حيث الحقوق الطبيعية ومتفاوت من حيث الحقوق المكتسبة؟

 هناك رأيان على هذا الصعيد:

الأول يقول :

بأن كون الفرد زوجاً أو زوجة، أباً أو ابناً، أماً أو بنتاً، لا يعطيه الحق في أن يكون له وضع خاص.. إنما المزايا المتكسبة هي التي تجعل من هذا رئيساً ومن ذاك مرؤوساً، وهذا مطيعاً وذاك مطاعاً، وهذا أجرته أكبر وذاك أقل. وتقوم فرضية المساواة في الحقوق على أساس هذه الفرضية.

الثاني لا يقول بذلك :

ويذهب إلى أن الحقوق الطبيعية الأولى متفاوتة أيضاً على صعيد الأسرة. فالزوج قد أصبح زوجاً لأن هناك حقوقاً خاصة أوجبت ذلك. والزوجة قد أصبحت زوجة لأن وظائف وحقوقاً أخرى قد أوجبت ذلك. وينطبق هذا الأمر أيضاً على الأُم والأولاد. وتقوم الفرضية التي يتبناها الإسلام على هذا الأساس.

 فنظراً للتفاوت بنى الرجل والمرأة من حيث النظام الجسمي والنفسي، فلابد أن يؤثر هذا التفاوت على تعيين حقوق وواجبات ووظائف كل منهما.. فلم تكن تلك الاختلافات عبثية بل قائمة على أساس وهدف.. ولابد أن يتناسب دور الرجل والمرأة في الحياة على أساس ما زود الله كلاً منهما من إمكانات جسمية ونفسية.

 وهناك شبه إجماع على أن الرجل بشكل عام أقوى من النساء في أغلب الأمور. وبمراجعة للتاريخ يظهر بوضوح أن الرجل متفوق على المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والأدبية والصناعية وغيرها.

ويعتقد بعض المفكرين وعلماء النفس أن ذلك أمر فطري وطبيعي لا يمكن تلافيه. ومن أدلتهم على هذا الصعيد قولهم: ما الذي حدث في بداية خلق الإنسان حتى أمسك الرجل بزمام الأمور منذ البداية وتفوق على المرأة؟ فلو لم يكن التفاوت الطبيعي قد أعطى الغلبة للرجل قبل أن يظهر الاختلاف في طابع تربية المرأة والرجل خلال الفترة التي كان فيها للاثنين حرية العمل والظهور على الميدان الحياتي، فلماذا أصبحت رئاسة الأسرة والوظائف السياسية والاجتماعية بيد الرجل؟ ولماذا أطاعت المرأة الرجل منذ اليوم الأول وحينما كان الاثنان مجهزين بإمكانات وتجهيزات متساوية وواجها بنفس الظروف والوسائل معركة التنازع على البقاء؟ والدليل الآخر الذي يورده هؤلاء هو ما نشاهده من تفوق وأرجحية للذكور في كافة الحيوانات.

 وعلى العكس من ذلك، هناك فئة من الباحثين وعلماء الاجتماع تعتقد أن الرجل والمرأة شريكان في العناوين الأولى للإنسانية، وليس هناك من تفاوت في كفاءة ونشاط هاتين الفئتين، وما يلاحظ من تفاوت إنما هو مجرد نمط تربوي خاص استمر لقرون متمادية وطويلة. ولهذا نجد كلما حظيت الطبقة النسوية بالأهمية والاحتضان، كلما ارتفع مستوى قابليتها وكفاءاتها على شتى الأصعدة.

 وربما فات هؤلاء الباحثين أن الرجل والمرأة مخلوقان متفاوتان خُلق كل منهما لأداء عمل معين، ولم يخلق لهدف واحد. فالبناء الجسمي والعقلي، المادي والمعنوي لهاتين الفئتين والمهام أو الوظـائف الموكلة لكل منهما تختلف عن بعضها اختلافاً كبيراً.

فالمرأة قد خصها الله بخصائص معينة لأداء دور معين وتحقيق هدف معين، والرجل قد خصه الله بخصائص أخرى لأداء دور آخر.. ولا يمكن للحياة الإنسانيّة أن تستمر بدون هذين الدورين.. فالرجل والمرأة أشبه بجسم الإنسان الذي يتألف من عدة أعضاء يشترك كل منها في ضمان بقاء الحياة، وفي حالة اختلال أي منها ستختل الحياة أيضاً. فلا يمكننا مثلاً أن نقول إن القلب أهم من الدماغ أو أن الدماغ أهم من الكبد، أو أن الكبد أهم من الرئة.. لأن عدم وجود أي عضو من هذه الأعضاء يعني موت الإنسان وتوقف عملياته الحيوية. ولهذا فلا يمكن أن نستصغر الدور الذي تقوم به المرأة أو أن نقول بأن دور الرجل أهم منها، أو أن نحاول زج المرأة في معتركات الحياة الخاصة بالرجل.. لأن دور المرأة يضاهي دور الرجل ومكمل له ولأن الحياة لا تستغني عن دور المرأة.

 الرجل والمرأة تياران موجب وسالب يجتمعان معاً لإيقاد شعلة الحياة. فلو كان كلاهما من نمط واحد وعاطفة واحدة وميزان وخصائص واحدة، لما كان بمقدور أي منهما أن يعيش إلى جانب الآخر ولعجز كلاهما عن أداء ما ينتظرهما من مهام اجتماعية وإنسانية.

 ولا نتصور أن هناك من يدعي أن المرأة أقوى من الرجل وان عليها أن تلتزم بواجبات ومهام أكبر من الرجل وان تواجه مشاكل أكثر.. لكن أولئك القائلين بأن على المرأة أن تشارك الرجل مهماته وواجباته الثقيلة وتناطح المشاكل الحياتية مثله.. هؤلاء يفترضون من حيث لا يدرون ـ أن المرأة أقوى من الرجل لأن هذه الأعمال ستُضاف إلى الأعمال الأخرى التي لا يمكن للرجل أن يؤديها وأملتها عليها طبيعة خلقها كالحمل والولادة والإرضاع وتربية الطفل.

 ولا شك أن التفاوت بين الرجل والمرأة لا يقتصر على الجهاز التناسلي فحسب وان كان هذا التفاوت ليس بالقليل أبداً لأنه يضع كلاً من الرجل والمرأة أمام مجموعة من الوظائف التخصصية التي لا يمكن لأحدهما أن ينوب عن الثاني في أدائها وما ينعكس عن تلك الوظائف من التزامات لا يمكن أيضاً التنصل عنها. و قد قام البروفسور الأمريكي الشهير (ريك) ببحث طويل دام عدة سنوات على صعيد نفسية الرجل والمرأة، ومما جاء فيه:

«أن عالم الرجل يختلف تماماً عن عالم المرأة، فإذا لم تستطع المرأة أن تفكر أو تعمل كما يفكر الرجل ويعمل فلأنّ عالمها يختلف عن عالمه... انهما مثل كوكبين يتحركان في مدارين مختلفين وبإمكان كل منهما أن يفهم الآخر ويكمل الآخر، لكن ليس باستطاعتهما أن يكونا شخصاً واحداً.... انّه لمتعب للرجل أن يكون دائماً إلى جانب المرأة التي يحبها، لكن ليست هناك لذة أعظم لدى المرأة من أن يكون الرجل الذي تحبه إلى جانبها دائماً...

الرجل يحب أن يظل دائماً على حالته التي هو عليها أما المرأة فتحب أن تكون موجوداً جديداً وتنهض كل صباح بمظهر جديد..

أفضل عبارة يمكن أن يقولها الرجل للمرأة: عزيزتي أني احبك،

وأجمل عبارة يمكن أن تقولها المرأة للرجل: أنى افتخر بك...

السعادة من وجهة نظر الرجل الحصول على مقام وشخصية محترمة في المجتمع، والسعادة عند المرأة الحصول على قلب الرجل والاحتفاظ به طوال عمرها».

 وهنا يجب أن نؤكد على حقيقة مهمة وهي أنّه ورغم الاختلافات الجسدية والنفسية القائمة بين الرجل والمرأة، فهي لا تعني ـ كما أشرنا ـ أن المرأة أقل شأنا من الرجل أو أن الرجل أرفع شأناً من المرأة. لقد أراد الله تعالى من هذه الاختلافات تقوية أواصر المحبة والانسجام بينهما، كما أراد منها تقسيم وظائف ومسؤوليات الأسرة بين الجانبين لا أن تكون حكراً على أحدهما..

 «فالمرأة تزاول من الأعمال ما تمتلك من مؤهلاتها وإمكانياتها، والرجل كذلك يزاول منها ما يمتلك من مؤهلاتها وإمكانياتها. وهذا التنوع في الأدوار أمر طبيعي وضروري لا يقتصر على الجانب التشريعي، بل يتعداه إلى التكويني في جميع مرافق الكون ومفاصل المادة. فعالم الكثرة والتعدد يقتضي تعدد وتنوع الحاجيات...

وفي هذا التنوع من الحاجيات يتطلب تنوعاً في الأدوار... وبالتالي كان لابدّ لكل إنسان من مؤهلات تكوينية تجعله مستعداً لأداء الدور الذي أوكل إليه وفي هذا تعاون واجتماع البشر لأنه وإن كان كل ما في عالم الكثرة تعدداً وكثرة تكويناً وتشريعاً، لكن الله عز وجل أراد أن يوحي بالكثرة إلى الوحدة وان يشير بالتعدد إلى الأحادية».

 لكننا وللأسف نشاهد هناك اتجاهين غير سليمين أو موقفين خاطئين حيال المرأة:

الاتجاه الأول:

يصر على أن التفاوت بين المرأة والرجل في الاستعدادات الجسمية والنفسية إنما يعد نقصاً للمرأة وكمالاً للرجل. في حين يرى الإسلام أن هذا التفاوت بين الرجل والمرأة قائم على التناسب مع الأدوار وليس نقصاً للمرأة ولا كمالاً للرجل. وقد تطرقنا إلى هذه النقطة بالتفصيل.

 والاتجاه الآخر :

يتمثل في تجريد المرأة من خصائصها الإنسانيّة وإلغاء دورها الأساسي الذي يتناسب مع تكوينها تحت شعار حقوق المرأة والمساواة، في محاولة صادقة أو كاذبة لإنقاذ المرأة مما لحقها من ظلم، لكن هذه الحركة «لما أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى وأطلقت للمرأة العنان ونسيت أنها إنسان خُلقت لإنسان، ونفس خُلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وإنهما ليسا فردين متماثلين، وإنما هما زوجان متكاملان» .

 المساواة في الحقوق

 لا زال الحديث عن المساواة بين المرأة والرجل حديثاً ساخناً حتى يومنا هذا، ولازال أيضاً هذا الشعار المطروح من قبل الدول الغربية بالدرجة الأولى بعيداً كل البعد عن التطبيق في هذه المجتمعات، لأن المرأة في الغرب لم تساو الرجل، بل فقدت جزءاً كبيراً من شخصيتها كإنسان وامرأة وأم.

فالغرب عندما أراد للمرأة أن تخلع عنها لباس الأنوثة وترتدي زي الرجولة يكون قد وجه ضربة كبرى إليها لأنه قد أخرجها من مسارها الذي رسمته الفطرة لها وأقحمها في مسار يتعارض كلياً معها.. وهذا هو الظلم بعينه.

 وتعود بدايات الحديث عن المساواة وحرية المرأة إلى الثورة الصناعية التي حدثت في الغرب، وظهور الحاجة إلى الأيدي العاملة الرخيصة.. فوقعت عيون أرباب العمل على النساء، فأخذوا يفضلونهن على الرجل الأغلى ثمناً، وقد اصبح من العسير في تلك الفترة على الرجل أن يجد عملاً، بينما كانت أبواب العمل مفتوحة بوجه المرأة. غير أن الرجل كان يتردد كثيراً في إرسال امرأته أو ابنته إلى العمل.. فراح أرباب العمل وأبواقهم الإعلامية تتحدث عن حرية المرأة ومساواتها مع الرجل في محاولة لإقناعها بالخروج إلى العمل.

 وتحرك أصحاب المعامل والشركات في بريطانيا باتجاه مجلس العموم فساعدوا على وضع قانون في عام 1882 حصلت بموجبه المرأة على بعض الامتيازات مثل حقها في الاحتفاظ بالمال الذي تحصل عليه.. والهدف من وراء ذلك استقطاب النساء نحو المصانع.. فتم تحريرها من قيود البيت ...  لكي تقيد بقيود المصنع!

 أما الذي ساعد المرأة الأوربية في إعلان ثورتها على البيت وعلى كل ما يحاول ربطها به وبنظام الأسرة فكان التاريخ المرير الذي عاشته والظلم الذي عانت منه في ظل قوانين وعرف وطقوس جائرة لم تكن لتعترف لها بأدنى الحقوق.

إن حركة حقوق المرأة في الغرب ورغم أنها قد أزاحت عن كاهل المرأة سلسلة من المآسي والويلات، لكنها طوقتها بسلسلة جديدة من الخطوب انعكست على الرجل وعلى المجتمع بآسره.

 صحيح أن الحرية والمساواة حق طبيعي للمرأة بصفتها إنسان، غير أن المرأة إنسان ذو طبيعة خاصة مثلما أن الرجل إنسان ذو طبيعة خاصة. فالرجل والمرأة متساويان في الإنسانيّة  لكنهما نوعان من الإنسان  بنوعين من الخصال، ونوعين من الخصائص النفسية. وهذا التفاوت ـ وكما أشرنا من قبل ـ لم يكن ناجماً عن عوامل جغرافية أو تاريخية أو اجتماعية، بل هو جزء من نظام الخلق وليس نظاماً تصادفياً أو عشوائياً.

أي أن هناك رسالة خاصة لكل من الرجل والمرأة لا يمكن أن يؤديها الرجل إلاّ كرجل، ولا يمكن أن تؤديها المرأة إلاّ كامرأة.

وقد غفلت حركة حقوق المرأة وحركة المساواة بين الرجل والمرأة في الغرب عن هذه النقطة وما يتشعب عنها من استحقاقات وضرورات. التكملة


 

موضوع ذو صلة ... حوار اليوم (13) لِِمَ ؟ لأنكِ أنثــى

   

الصفحة الرئيسية          الصفحة التالية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com