معالم دور المرأة

 
 

المرأة تشترك مع الرجل في الإنسانيّة وتساويه على هذا الصعيد، لكنها امرأة أيضاً ولا يمكن بأي حال من الأحوال تغافل هذا الجانب المهم.. فالحديث في الغرب عن كون المرأة إنسانا قد أدى إلى نسيان إنها امرأة أيضاً، وهذا ما أدى إلى إلحاق الظلم بهذا الكائن العظيم وتعطيل دوره الرائد في الحياة. وهذا التجاهل لا يمكن رده فقط إلى غفلة فلسفية ناجمة عن التسرع أو ضيق الرؤية، بل أيضا إلى ما أشرنا إليه سابقاً من محاولة لاستغلال هذا الكائن البريء لحساب الجشعين والرأسماليين، وهذا ما أكد عليه دورانت في «لذائذ الفلسفة» بقوله:«كانت حرية المرأة من إفرازات الثورة الصناعية».  كما لم تغفل السياسة أيضاً عن استخدام عامل المرأة وجعلها وسيلة لتحقيق أهدافها تحت غطاء المساواة والحرية. فيكون القرن العشرين قد طوق المرأة بأغلال جديدة ناجمة عن الشطب على حقيقة أن المرأة لها خصائصها واستعداداتها ورسالتها الخاصة في الحياة، مثلما كانت الأغلال القديمة ناجمة عن التفكير الذي لا يقر للمرأة إنسانيتها واعتبارها مخلوقاً أقل شأنا من الرجل.

والتغافل عن أنوثة المرأة ووضعها الطبيعي والفطري قد ساعد إلى حد كبير على ضياع حقوقها وطمس معالم شخصيتها وإلغاء دورها الذي لا يقل في أهميته عن دور الرجل، إن لم يتفوق عليه، بل أن هذا التغافل قد ألقى على كاهل المرأة أعباءً جديدة أخرى تضاف إلى ما لديها من أعمال أولاً وتتناسب مع النظام الخلقي الذي جبلت عليه ثانياً وهو ما يُعدّ ظلماً مضاعفاً، لأن المرأة مخلوقة ومهيأة جسمياً ونفسياً لأداء نوع خاص من الأعمال وأداء شكل معين من الممارسات.. أما أن تأتي لتؤدي أعمال الرجل الشاقة إضافة إلى أعمالها الخاصة بها، فماذا يمكن أن نصف مثل هذا الموقف من المرأة؟ فهل تكون قد ساوت الرجل؟ وهل تعني المساواة أن تمارس أعمال الرجل إضافة إلى أعمالها.. وإذا لم تفعل ذلك فلا ينطبق عليها مفهوم المساواة؟

أما الإسلام فقد ساوى بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق آخذاً بنظر الاعتبار طبيعة كل منهما.. فقد أقر لها حقوقها الطبيعية كافة مثلما أقر للرجل حقوقه الطبيعية كافة، وهذا ما يعبر أروع التعبير عن المساواة التي يراها الإسلام.. المساواة القائمة على العدالة في النظرة إلى الجانبين والتعامل معهما. فالإسلام لم ينظر إلى الرجل على انّه كائن كامل ولا إلى المرأة على أنها كائن ناقص كما يحاول البعض أن يصور ذلك. فالخالق تعالى لم يخلق واحداً كاملاً وآخر ناقصاً، بل خلق الاثنين معاً فردين مزوّدين بكل ما من شأنه أن يصل بهما إلى الكمال النسبي، وذلك عبر الاستخدام الصحيح الواعي لعناصر الاستعداد التي أودعها سبحانه في كل منهما.

فالمساواة الإسلامية بين المرأة والرجل إذن قائمة على أساس المماشاة مع الفطرة والانقياد لنظام الخلق، ولهذا لم يلغ أنوثة المرأة ولا رجولة الرجل باسم المساواة والحرية. فقد نظر إليها وتعامل معها كما هما في الطبيعة. ومن هذا نلاحظ الانسجام الكامل بين الصورة التي يرسمها القرآن للمرأة وبين صورة المرأة في الطبيعة. وبعبارة أخرى إن المرأة في القرآن هي نفسها المرأة في الطبيعة.

وهنا لابد من الإشارة إلى قضية هامة وهي أن الغرب حينما يطرح المساواة بين المرأة والرجل لا يريد بهما المساواة وإنما يريد بها «التشبه»، والتشابه أمر غير ممكن لأنه يتعارض مع نظام التكوين والفطرة. فالغرب يسعى أن تكون القوانين والحقوق والوظائف والتكاليف واحدة للرجل والمرأة غير آخذ بنظر الاعتبار الاختلافات الغريزة والعضوية والنفسية بين المخلوقين.

الإسلام لا يعارض المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكنه يعارض «التشابه». وهذا نابع من الأهمية الكبيرة التي يوليها الإسلام لعملية التوازن في المجتمع، هذه العملية التي لا يمكن الحفاظ عليها إلاّ من خلال الحفاظ على الاستعدادات الطبيعية لدى كل من الرجل والمرأة، واستخدامها ضمن الإطار المتلائم معها. أما عند الاستخدام المحرف لهذه الاستعدادات وعند زجها في عملية لا تتناسب معها، فعندئذ سينعكس ذلك الاستخدام المحرف على أوضاع المجتمع ليظهر على شكل اصطدام القوى والإمكانات ببعضها، الأمر الذي لابد وان يؤدي إلى خروج المجتمع الإنساني عن مساره الطبيعي وانزلاقه إلى منزلقات لا يحمد عقباها مثلما هو حادث اليوم في المجتمعات الغربية. فالمجتمع الإنساني لا يمكن أن تستقيم أموره بفقدان أي من الدورين الرجالي والنسائي.. لأن المجتمع والحياة بشكل عام بحاجة إلى الدورين معاً وفي آن واحد. فأي فاجعة ستلحق بذلك المجتمع لو أريد للمرأة أن تؤدي دور الرجل وتشابهه في كافة المعايير؟ فعندئذ سيبقى دور المرأة فارغاً، مما يعني حدوث خلل كبير في عملية التوازن الاجتماعي، الأمر الذي ينذر بوقوع فاجعة إنسانية.

فالإسلام إذن لم يفضل في يوم ما الرجل على المرأة ولا المرأة على الرجل، بل ينظر إلى هذين العنصرين نظرة واحدة لا انحياز فيها لطرف ولا تفضيل لأحد على الآخرين، بل ساوى بين الاثنين في كافة الحقوق الإنسانيّة ولم يفرق بينهما حتى في المسائل الأخروية كالجزاء والحساب والثواب والعقاب فنشاهد القرآن الكريم يقول بصراحة:

(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً). ويقول : (ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب). وغيرهما من الآيات القرآنية التي تقرن المرأة بالرجل في عمل الصالحات واستحقاق المثوبة وتسجيل الأعمال. وهل هناك نظرة للمرأة أسمى من هذه وموقف حيال المرأة أروع من هذا الموقف الذي لا يفرق بينهما وبين الرجل في القرب من الله تعالى والحصول على نعمائه ورضوانه؟ وهل هناك مبدأ آخر غير الإسلام يرفع من شأن المرأة إلى هذه الدرجة ويضفي عليها هذه القدسية ويقربها من منابع الفيض الإلهي؟ فأي فرق بين الرجل والمرأة إذن من وجهة النظر الإسلامية؟ لا فرق بينهما مطلقاً.. فبإمكان أي منهما أن يسمو ويرتفع بعمله عبر الطريق إلى الله تعالى، وبإمكان المرأة أن تسبق الرجل وتجتازه مادام الشرط الوحيد هو العمل الصالح والسلوك الحسن لا فرق في ذلك بين أن يكون السالك رجلاً أم امرأة.

وقد صرح القرآن الكريم إن أساس التفاضل بين الناس هو «التقوى».. التقوى ولا غير، سواء كانت تلك التقوى صادرة عن رجل أو أنثى، مادام كل منهما يشترك في تكوينه ذكر وأنثى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

«فجعل تعالى كل إنسان مأخوذاً مؤلفاً من إنسان ذكر وأنثى هما معاً وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده، وهو سواء كان ذكراً أو أنثى مجموع المادة المأخوذة منهما... بل جعل تعالى كلاً مخلوقاً مؤلفاً من كل. فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتم ولا أبلغ من هذا البيان، ثمّ جعل الفضل في التقوى»

لقد أورد القرآن الكريم إلى جانب كل عظيم وقديس عظيمة وقديسة من نساء آدم وإبراهيم إلى أمهات موسى وعيسى. وإذا كان قد أشار إلى امرأتي نوح ولوط كشخصيتين منحرفتين، فقد أشار إلى امرأة فرعون كشخصية قويمة صالحة، وكأنما أراد القرآن أن يحفظ التوازن بين الرجل والمرأة حتى في قصصه وآياته.

وجسّد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الموقف الإسلامي في التعامل مع المرأة أروع تجسيد عندما قال: «خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء إلاّ كريم ولا أهانهن إلاّ لئيم». وفي حديث آخر: «خيركم، خيركم لنسائه ولبناته» كما قال: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها ابشرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله».

وتعبر عن مقام المرأة الآية القرآنية القائلة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)

فهذه الآية الكريمة تعتبر المرأة من الرجل.. من نفسه وليست غريبة عليه.. وجعلها سبحانه سكناً واطمئناناً للرجل تربطها به رابطة المودة والرحمة، لا رابطة التسلّط  أو الاستضعاف. فالعلاقة بين الرجل والمرأة من وجهة نظر الإسلام إذن علاقة حب وعطف وحنان. ولا يتولد هذا الحب ما لم يكن هناك احترام متبادل وثقة متبادلة. فكل من الرجل والمرأة «يشكل وحدة كاملة متآلفة يتمم بعضها بعضاً في انسجام عجيب وتوافق غريب، فلا يستطيع الرجل الحياة بدون المرأة، ولا تستطيع المرأة أن تعيش بدون الرجل، فكل منهما خلق للآخر، وكل واحد منهما أُعطى من الكفاءات والمؤهلات بحيث يقوم بجانب معين من الحياة لتتم مسيرة الحياة على نظام التكامل والمحبة والتعاون».

فالإسلام ضد الرأي القائل: أن المرأة خُلقت للرجل»، فهو قول فيه إضاعة لشخصية المرأة وكيانها، بل يقول أن كلاً منهما قد خُلق للآخر، تصرح بذلك الآية القرآنية: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن).

ونلاحظ في تاريخ الإسلام نماذج نسوية رائعة ذات شأن في الإسلام والتاريخ الإسلامي واكتسبت هذا الشأن وتلك المنزلة الرفيعة بفضل الإسلام وتعاليمه السامية، حتى وصل الأمر بالمرأة إلى أن تكون راوية للحديث النبوي الشريف وهو مقام يعز على كثير من الرجال. فنجد من بين هؤلاء النسوة من روى عن الرسول صلى اله عليه وسلم   كفاطمة بنت الرسول عليه السلام وأم سلمة، وعائشة زوجتي الرسول عليه السلام  وأم أيمن، وزينب العطارة، وأم هاني بنت أبي طالب، وصفية بنت عبد المطلب. ومنهن من روى عن الإمام علي رضي الله عنه كحبابة الوالبية ونضرة الازدية. وغيرهن كأم فروة، وأم بكر السلمي وكلثوم بنت يوسف، وأم سعد الأهمصية، وأم البدا وسلمة مولاة أبي عبد الله.

فالإسلام لم يكن ضد المرأة في يوم من الأيام ولا سبباً من أسباب تخلفها كما تبوق الأبواق المأجورة، وإذا كان هناك ظلم لحق بالمرأة ـ وهو لا يصل إلى الظلم الذي لحقها في المجتمعات الغربية ـ فليس سببه الإسلام بل المجتمع الإسلامي المتخلف عن حركة الإسلام وكذلك الحكومات التي تحكم العالم الإسلامي دون أن ترجع في حكها إلى الإسلام.

الزواج وأهميّته

لما كانت قوانين الإسلام مصاغة على أساس الفطرة وحاجاتها، وتلبية حقيقة لذلك الصوت المنبعث من الفطرة، كان الزواج أيضاً قائماً على هذا الأساس الفطري.. فهو في الحقيقة استجابة صحيحة ومهذّبة للنزعة الجنسية المودعة في فطرة الإنسان  فالحاجات الفطرية في الواقع يجب أن تُلبّى، لكن شريطة أن تكون تلك التلبية وفق المقدار المعقول المتزن وضمن الإطار المعقول المتزن أيضاً بحيث لا يلحق الضرر لا بالفرد ولا بالمجتمع، ولا يسيء إلى عملية التوازن الاجتماعي.

فالحاجة الفطرية عادة إذا لم يُستجاب لها، فلابد أن تعبر عن نفسها بشكل خطير ومرعب أشبه بالسيل المدمر الذي يأتي على كل شيء ويقتلع كل شيء.. كما أنها إذا لم تُهذّب وتُقنّن فستلحق من الأضرار بالمجتمع الإنساني مالا يُحمد عُقباها وعلى كافة الأصعدة.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة فقد انبرى الإسلام لتنظيم الحاجات الفطرية وتوجيهها الوجهة الصحيحة عبر سلسلة من القوانين والأصول التي تسمح بإشباع تلك الحاجات من جهة وتنظيمها وقولبتها بالشكل الذي لا تشكل فيه خطراً على المجتمع والحياة الاجتماعية من جهة أخرى. وبعبارة أخرى فإن الإسلام قد قام بعملية تهذيب الغرائز ـ ومنها الجنسية ـ وتوجيهها بالصورة التي تعمل على إصلاح المجتمع وإسعاده لا تدميره.

وبناءً على ذلك فقد شجع الإسلام الزواج بشكل لا نجد أي نظير له في أي عقيدة أخرى متوخياً من ذلك إشباع الغريزة الجنسية وصيانة المجتمع وديمومة النوع الإنساني بالأسلوب النقي المهذّب السليم. فالزواج من وجهة النظر الإسلامية وسيلة لا هدف، وسيلة لإنشاء مجتمعات صالحة نافعة خيرة.

فالزواج لا يعني وفق الرؤية الإسلامية إشباع الغريزة الجنسية فحسب، بل هو ـ وان تضمن ذلك ـ رابطة روحية وجسمية بين الرجل والمرأة «تنبع من الشعور العميق بالحاجة إلى أن يكمل الإنسان ـ رجلاً وامرأة ـ ذاته من خلال ارتباطه بالجنس الآخر، انطلاقاً من الفطرة التي فطر الله الناس عليها الكامنة في تكوينه الإنساني، الذي تختلط فيه الحاجة الروحية إلى الزوجية بالحاجة الجسدية إلى ‘رواء الرغبة في إطار روحي حميم» ، وأروع تعبير قرآني عن الرابطة الزوجية المقدسة قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).

فالعلاقة الزوجية وفق هذه الآية الكريمة ليست علاقة شهوة عابرة، ولا علاقة تقوم على مصلحة مادية، ولا علاقة فيزيائية تزول بزوال المؤثر، بل علاقة حميمة ممتدة بامتداد العمر تقوم على المودة والرحمة والحب والتآلف.. ولابد أن يترك الشعور بهذا النوع من العلاقة تأثيره الكبير الواضح على نفسية الزوجين وطبيعة السلوك المشترك.

فالحياة الزوجية وفق النظرة الإسلامية لا توفر الراحة الجسمية فحسب، بل توفر أيضاً هدوء الروح وصفاء الفكر، وتحول دون هدر الطاقة وضياع الوقت وتمرد الغريزة. وهذا ما يُعدّ بدوره أساساً وأرضية صالحة لنمو عناصر الخير في النفس الإنسانيّة وتبلور السجايا الحميدة، فضلاً عن تفجير الطاقات العلمية والعملية لدى الإنسان ودفعه باتجاه العمل الصالح وأعمار الأرض وأداء دوره كإنسان على أفضل وجه.

و«قد نستشعر من الآية الكريمة في تأكيدها على السكن والمودة والرحمة كطابع الحياة الزوجية في مفهوم الإسلام، نوعية الأجواء التي يريد للزوجين أن يعيشها في ظل حياتهما الجديدة. فليست هي الأجواء التي يحقق فيها كل واحد منهما مصالحه الذاتية، أو أطماعه الخاصة لدى الآخر، وليست هي الأجواء التي تتحفز فيها الشهوة الغريزية المجردة لتكون الأساس المتين لبناء هذه الحياة، بل هي الأجواء التي تؤكد الإنسانيّة فيها ذاتها عندما تنطلق العلاقة من منطلق إنساني رحيب صاف يشعر فيه كل طرف بأنه مشدود إلى طرفه الآخر برباط المودة والمحبة، الأمر الذي يجعل كلاً منهما باحثاً عما لدى الآخر من أسس المحبة الدائمة المرتكزة على التأمل والتفكر لئلا تكون مجرد عاطفة طارئة لا تلبث أن تتضاءل أو تذوب أمام حالات الرغبة المضادة.

وإذا استطاعا أن يعيشا هذا الشعور العقلاني بالمحبة والمودة، فستخضع حياتهما المشتركة للعفوية والعطاء والسماح في كل ما يجد فيها من متاعب ومشاكل وآلام.

ثم نجد في كلمة الرحمة إيحاءا جديداً بطبيعة العلاقة الزوجية من جانب آخر، وهو الجانب الذي يتصل بالفهم الواعي المسؤول لدى كل منهما عن الآخر من خلال ظروفه العائلية والنفسية والاجتماعية. فإذا عاش كل منهما ظروف الآخر أمكنه أن يتعامل معه على أساس تقديره لتلك الظروف ويتعايش معه من خلال محاولة الانسجام ـ مهما أمكن ـ مع الأجواء التي تفرضها، والمشاعر التي تخلقها داخل النفس، فيبتعدان في هذه الأجواء عن الأنانيات الذاتية التي تحطم الحياة الزوجية عندما يندفع كل منهما ليفكر بنفسه بعيداً عن مصلحة رفيقه، فيبدأ بالبحث عن أفضل السبل لاستغلال هذه العلاقة لمصالحه ومزاجه وأطماعه. وتأتي الرحمة لتبدل كل هذه المشاعر والوسائل فيتجه التفكير من جديد إلى أن هناك حياة مرتبطة بحياته، وان لهذه الحياة ظروفاً تختلف عن ظروف حياته، وأن للإنسان الآخر الذي يعيش معه، أجواء فكرية وروحية ونفسية تختلف عن أجوائه فيما عاشه من بيئة مختلفة عن بيئته وأسلوب في التربية مختلف عن أسلوب تربيته  وتأثيرات عاطفية وفكرية متنوعة لا تتفق مع التأثيرات التي شاركت في تكوين شخصيته، فيعمل على مراقبة ذلك كله عندما يتعامل مع الكلمة التي ينطقها، أو الحركة التي يطلقها، أو العمل الذي يقوم به، الأمر الذي يجسد الرحمة بالممارسة بدلاً من تجسيدها بالشعور الطيب الساذج فيرحم كل منهما آلام الآخر وأحلامه وتطلعاته من خلال تأثيرها في حياته... وبذلك تتحول الحياة الزوجية إلى سكن يسكن إليه كل منهما في حياته الداخلية والخارجية حيث يعيشان الهدوء الروحي والعقلي بعيداً عن المشاحنات والمنازعات التي تشوه جمالها وتسيء إلى طبيعتها الرحبة» ، وهناك آية قرآنية أخرى تؤكد على خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، وعلى حالة «السكن» التي يستشعرها الرجل عند المرأة، والراحة الحقيقية التي يجدها بين يدي هذا المخلوق العظيم، هذه الآية هي: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها).

ويعلّق الشهيد سيد قطب على هذه الآية: «فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها وان اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى، وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجته ويستريح إليها، وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان ووظيفته الزوجية في تكوينه. وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرناً . والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار ليظلل السكون والأمن جو المحتضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين، ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما انّه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف أو تكراراً لها كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث».  التكملة


   
   

الصفحة السابقة           الصفحة الرئيسية           الصفحة التالية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com