شعاع السطر

 

 رفقا برموز الأمس 

بقلم
خالد مختار
رئيس التحرير

 من حق الأمة في زمن الانحطاط ، أن تتعرف على الرجال الصالحين داخل نسيجها العام ، لأن هؤلاء يمثلون الأمل الذي لا يخبو في بناء غد إسلامي مفعم بالثقة الكاملة في الله . ولا يوجد عصر شهد انحطاط الأمة الإسلامية مثل عصرنا ، الذي تكالبت فيه الأمم علينا ، وصرنا قصعة يتهافت عليها الجميع لالتهامها والفراغ من أمرها ، بعد أن صار بأسنا بيننا شديدا ، وصرنا رحماء مع غيرنا ! 
تبدو شخصية عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، جذابة ومثيرة ، ليس للصالحين مِن الناس ، ولكن لغيرهم أيضا ، وخاصة أولئك الذين ضاعوا وضيّقوا ، ووضعوا رقاب شعوبهم وأمتهم تحت حدّ السيف اليهودي مجاناً ودون مقابل اللهم إلا ليكونوا زعماء وقادة وحكامًا .

يعرف الصالحون أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، كان مثلا للورع والتقوى والإخلاص لله ورسوله وإسلامه ، وكان بعد ذلك قائدًا منتصرًا لم يرض الدنيّة في دينه أو دنياه ، وفي عهده فُتحت فارس والشام ، وتحررت القدس العتيقة ، ومصر الغالية ؛ جوهرة الإسلام ، وكعبة العلم ، وبيت العائلة الإسلامي .

كان عمر نموذجا وقدوة للشباب المسلم والحكام المخلصين والقادة المنتصرين يرون في سيرته مددا هائلا من العطاء والهمة والعزيمة ، والسهر على مصالح العباد ، وإقامة العدل والشورى والمساواة ، والخضوع التام والكامل لشريعة الله .

ولكن المفارقة العجيبة تكمن في أن الذين يعادون الشريعة ، ويؤصلون للتمييز والاستبداد والظلم ، ويتناسون مصالح العباد ، ويأخذون ولا يعطون ؛ يزعمون أنهم يشبهون عمر !
قبل فترة نقلت الأنباء أن واحدا من إياهم أمر أجهزة الأمن باعتقال صحفي رفض أن ينشر في صدر صحيفته مقالا يشيد بالمذكور ويشبهه بعمر بن الخطاب . وكان لابد مِن معاقبة الصحفي الذي رأي - فيما يبدو - أن الفارق بين محرر القدس والمفرط في القدس كبير جدًا ، فآثر أن ينشر المقال في الصفحات الداخلية . لم يتوقع بالطبع أن يكون عقابه سريعا ، وأن أجهزة الأمن ستتخطفه وتغيّبه في قعر مظلمة ! 

عمر بن الخطاب كان يتوسد التراب ، ويلبس ثوبا متواضعا ، ويقبل بمعارضة امرأة من عامة المسلمين ، ورجل من غمار الناس ، ويبكي من خشية الله ، ويخاف جهنم ، مع أنه من العشرة المبشرين بالجنة ، لم يطلق يوما عسكره لإرهاب المعارضين أو اعتقال المخالفين ، ولكنه كان يستمع إليهم ، ويناقشهم وإذا اقتنع بوجهة نظرهم نزل على رأيهم وأقره ، ولو كان مخطئًا لا يتردد في الاعتراف بالخطأ ، أخاف الروم والفرس ، وهو البسيط المتواضع العفّ الذي يحاسب نفسه على كل صغيرة خوفا من الله وخشية له .

أين مِن عمر هؤلاء الذين أذلوا شعوبهم ، وكذبوا عليها ، وضيعوا حاضرها ومستقبلها ، وكبّلوها بالقيود ، ولم يقدموا لها غير الهزائم والعار ؟

إن هؤلاء يمتهنون سيرة الصحابي الجليل والخليفة الراشد ، فضلا عن امتهانهم للإسلام والأخلاق ، وكل ما هو قيم ومضيء في تاريخ الأمة و واقعها .
يذكر التاريخ أن عمر بن الخطاب كان يخطب يوما بالناس في عام الرمادة ، فوقف رجل وقال له : لا سمع ولا طاعة لك يا عمر . فسأله عمر عن السبب ، فقال الرجل : إنك لبست ثوبا أطول من ثياب الناس ، وكان عمر طويل القامة .
لم تتدخل أجهزة الأمن لخطف الرجل وتغييبه وراء الشمس ، ولم تصدر الصحف اليومية والأسبوعية لتهجوا الرجل وأهله وتشكّك في انتمائه للوطن ، ولم تسارع أجهزة الدعاية لتفضح الرجل وتقدم تاريخه القديم ، أو تصنفه ضمن الجماعات الإرهابية الحاقدة التي تتلقى دعما من الفرس أو الروم أو الحبشة ... ولكن عمر ردّ بهدوء شديد على الرجل ، وطلب من ابنه عبد الله أن يوضح الأمر للناس ، ووقف عبد الله يقول : إن أبي طويل ، وقد أعطيته ثوبي ليضيفه إلى ثوبه كي يصنع ثوبا ملائما ... على الفور قال الرجل : الآن نسمع ونطيع يا عمر .
هكذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، الخليفة والزعيم والقائد ، لم يحول درهما واحدا إلى بنوك سويسرا ، ولم يخصص لنفسه أو أهله البلايين ويترك شعبه يعيش في العشش والمقابر والمستنقعات ، ولم يحط نفسه بعشرات الأجهزة الأمنية كي تحفظه من الثائرين والغاضبين ، ولكنه كان ينام تحت شجرة في ضواحي المدينة متوسدا التراب ، مما أذهل رسول كسرى الذي كان يظنه في قصر فخيم بالخدم والحشم وتحرسه الجنود والفرسان !
إني أطالب القوم الذين ظلموا شعوبهم وأهليهم أن يترفقوا قليلا بعمر بن الخطاب ، ويكفوا عن امتهانه ، فقد كان رضى الله عنه ، غيظًا للعدو ، ورمزًا للرجولة ، وحلما جميلا مِن زمن المجد والفخار .


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com