قضية العدد

 

 مستـقبل العراق :
المتجددات والخيارات

بقلم
د. عبد الحليم المحجوب

 
في فترة تقل عن الشهر صدرت عن عدة جهات مختلفة محلية وإقليمية ودولية عدة قرارات تعبر عن اختلاف الرؤية الاستراتيجية، لكنها تصب في مجرى واحد يتمثل في محاولة صياغة مستقبل العراق وفق رؤية ومصالح كل جهة على حدة. 
ولقد مثلت رسالة الزعيم الكردي مسعود مصطفى البرازني التي بعث بها إلى صدام حسين في 22 أغسطس 1996 يطلب مساندته في صراعه مع جلال الطلبانى الزعيم الكردي المنافس له أول هذه القرارات والتي عبرت ولو مرحليا عن الارتباط الوثيق بين مستقبل الأكراد وقضيتهم وبين القضية العراقية ككل، على الرغم من كل التدخلات الخارجية التي استهدفت الفصل بين القضيتين.
وبنفس القدر جاءت استجابة الرئيس العراقي صدام حسين الفورية بالتدخل العسكري المباشر لصالح مسعود البرزانى وفرض السيطرة على مدينة أربيل، المقر الرئيسي للحكومة الكردية تأكيدا لها الارتباط والرغبة في إضعاف أدوات النفوذ الأجنبي المتزايد في الشمال العراقي وتأكيد السيادة على كل الأراضي العراقية.
لكن هذا التدخل العسكري المباشر وفى ضوء ما انطوى عليه من حسابات استراتيجية لحاكم بغداد قد اصطدم بسياسات دولية تقودها الولايات المتحدة بما دعاها إلى شن سلسلة من الهجمات الصاروخية استهدفت بعض المواقع الجنوبية في العراق مبررة إياها بأن دخول القوات العراقية لمدينة أربيل العراقية قد شكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، وأن هذه الضربات تستهدف كما صرح وزير الدفاع الأمريكي تقليل قدرة الرئيس العراقي على اضطهاد شعبه أو تهديد جيرانه أو التدفقات البترولية في الخليج. ومن ثم فقد عادت السياسات الأمريكية لتعلن توسيع منطقة الحظر الجوى في جنوب العراق لتشمل خط عرض 33، والاتفاق مع الكويت على زيادة التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة سواء في شكل قوات (موافقة الكويت على استقبال 3500 جندي أمريكي جديد) أو نشر قاذفات من طراز 111 - F ستلبت التي لا ترصدها الرادارات إلى جانب موافقة البحرين أيضا على نشر سرب من طائرات 15 - F فوق أراضيها.
وجاء القرار الرابع على لسان وزير خارجية تركيا بإعلانها النية لإقامة حزام أمنى في عمق الأراضي العراقية على غرار حزام إسرائيل الأمني في جنوب لبنان باعتباره ضرورة عسكرية في المعركة الدائرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستانى في جنوب شرق تركيا.
وردا على كل هذه التحركات أصدر المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في دورته الطارئة التي عقدها يوم 14 سبتمبر 1996 بيانا عبر عن الرؤية العربية لهذه التطورات، حيث أكد على رفضه تدخل دول الجوار، وطالب بضرورة المحافظة على استقلال العراق ووحدة أراضيه وسيادته على هذه الأراضي وعدم تعرضها لأي تهديد. ولعل هذا القرار الأخير والذي أكد بوضوح الدفاع عن وحدة الأراضي العراقية بغض النظر عن الموقف من حكم صدام حسين، قد شكل أول سابقة تعبر عن الموقف العربي منذ انتهاء حرب الخليج الثانية.
وبغض النظر عن الدوافع المباشرة التي حركت كل قرار على حدة، فإن هذه الدراسة تفترض أن معركة تمزيق الدولة العراقية وتفتيتها قد بدأت وأن بعض القوى الإقليمية تعمل بجد للحصول على أكبر قدر من المكاسب لصالحها أو تفادى أية مخاطر مع تفجر هذه المعركة.
كذلك تطرح هذه الدراسة افتراضا يقوم على صعوبة الفصل بين ما يدبر للعراق وشعبه وبين الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط وما تشهده من تفاعلات وأن هذه المخططات التي تستهدف الدولة العراقية هي جزء لا يتجزأ من الترتيبات التي تسعى لإقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط ينسجم مع التطورات العالمية والتداعيات المترتبة على عملية السلام مع إسرائيل.
لكن أيا كانت فاعلية هذه المخططات والقوة التي يمتلكها المحركون لها، فإن الوضع الداخلي في العراق والقوى السياسية الفاعلة تتحمل المسئولية الرئيسية سواء في إمكانية إحداث التغيير داخل العراق نفسها أو في تنفيذ هذه المخططات على حساب المستقبل العراقي كله.
وبالتالي فإن الدراسة سوف تبدأ في قسمها الأول بتحليل المواقف الحالية للقوى السياسية العراقية نفسها، ثم تنتقل في القسم الثاني إلى شرح الموقف الإقليمي وعلاقات التأثير والتأثر بينه وبين القضية العراقية ، ودور القوى الدولية في هذا المجال، ثم تنتهي في القسم الثالث إلى محاولة استطلاع آفاق المستقبل في العراق والخيارات المتاحة أمامه، ثم تصل إلى عرض رؤية مقترحه لكيفية تعامل العرب مع العراق حفاظا على وحدته وعلى المصالح العربية بوجه عام. 

أوضاع القوى السياسية الفاعلة في العراق .

تشمل هذه القوى كلا من النظام السياسي القائم في بغداد، والأكراد في الشمال، والشيعة في الجنوب ثم تعرض سريعا لأوضاع المعارضة العراقية في الخارج.

النظام السياسي القائم :
نجح الرئيس صدام حسين منذ هزيمته العسكرية في حرب الخليج في الاحتفاظ بالسلطة وتجاوز كل الأزمات التي تعرض لها نظامه سواء من جانب قوى داخلية أو بفعل تدخلات خارجية ويمكن إرجاع هذا الإنجاز إلى مجموعة العوامل التالية : 
أولا : النظام الصارم الذي ينتهجه الرئيس العراقي في تأمين حكمه، والذي يرتكز أساسا على مجموعة من الدوائر التي تبدأ بدائرة الانتماءات العائلية التي تتحكم وتهيمن على مفاتيح السلطة والقوة في العراق سواء في المؤسسات الأمنية أو العسكرية أو التنفيذية، وانتهاء بالتحكم في العمليات التجارية والاقتصادية. وتشمل تلك الدائرة الأخيرة الأبناء والإخوة الأشقاء وغير الأشقاء، وسائر علاقات الرحم، على أن هذه الدائرة تخضع أيضا للرقابة والملاحقة ولا يسمح لأي منها بالتمرد على النظام الذي وضعه صدام حسين نفسه، والمثال على ذلك وضح في حسين كامل زوج ابنته وفى التغييرات الدورية التي تحدث في مواقع السلطة الرئيسية.
ويلي هذه الدائرة مجموعة الحراسة الخاصة والتي تعتمد في اختيارها على مبدأ الولاء الكامل لشخص صدام حسين، ثم قوات الحرس الجمهوري التي تمثل حاليا أداة الحكم في قمع أي تمرد في الداخل، عسكريا كان أو شعبيا وتحظى بامتيازات خاصة ومختلفة عما يحصل عليه باقي أفراد القوات المسلحة إلى جانب تملكها لقدرات قتالية متميزة، ثم القيادات القومية والمحلية لحزب البعث والذين يشاركون في كل شئ بدءا بالرقابة والملاحقة لكل من يعبر عن رأيه، وانتهاء بعمليات الاتجار في قوت الشعب وأنشطة الفساد في كل نوع.

ثانيا : تحول حزب البعث من دور تقديم المرجعية الأيديولوجية للنظام إلى أداة قمع في الداخل، حيث لم يعد البعد الأيديولوجي ذا أهمية تذكر سوى في الأجهزة الإعلامية وإصدار البيانات الموجهة للخارج ولا يسمعها أحد. وبالتالي فقد تحول الحزب إلى مجرد حلقة من الحلقات الأمنية التي أقامها صدام و" مسخ قوة " لكيان يفترض فيه أنه كيان أيديولوجي قادر على تصحيح خطوات النظام أو ربطها باتجاهات قومية كان يتبناها الحزب في الماضي.

ثالثا : إن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعانى منها الشعب العراقي أصبحت في حد ذاتها وسيلة في يد النظام لتأمين سلطانه وإقراره بعد أن تحولت العلاقات الداخلية بين الحاكم والمحكوم إلى علاقات "منع ومنح"، وبقدر ما تستخدم هذه الضغوط في مقاومة أية اتجاهات معارضة حتى على مستوى المناطق والقرى البعيدة في شكل حرمان من المخصصات، أو تنفيذ مشروعات تؤثر على مواردهم الاقتصادية مثل تجفيف مئات الهكتارات في الجنوب الذي يسكنه الشيعة، فقد أدت من جانب آخر إلى ظهور فئات جديدة أثرت ثراء فاحشا من عمليات التهريب وتجارة السوق السوداء، وتعتمد أساسا على تأييد بعض العناصر في قمة السلطة. 

رابعا : بدا لأول وهلة أن قوات التحالف التي انتصرت في حرب الخليج بزعامة الولايات المتحدة قد اهتمت أساسا بالعراق الدولة أكثر من اهتماماتها بصدام حسين أو قضية استمراره برغم العداء الصريح العلني لصدام، وتعاون هذه القوى مع فصائل المعارضة العراقية الخارجية. إلا أن الاهتمام الأكبر قد تركز على تكبيل العراق الدولة بأوسع نطاق من القيود التي تحبط أية احتمالات لاستعادة دوره الإقليمي أو قوته الذاتية. وقد بدا أن هذه السياسة يخدمها استمرار صدام حسين أكثر من أي نظام آخر قد يأتي برضاء الحلفاء ويسعى منذ اليوم الأول للتخلص من هذه الضغوط بل ويسعى إلى الحصول على الدعم اللازم لضمان بقائه.

خامسا : عدم وجود قوة سياسية داخل العراق حتى الآن تقدر على إسقاط صدام حسين وإحداث التغيير المطلوب، وكما سيتضح فيما بعد فإن النزعات الانفصالية للأكراد والتعصب المذهبي للشيعة وتخوف السنة من الاثنين يساهم في مجمله في توفير عوامل الاستمرار والسيطرة لنظام صدام حسين.
وفى ضوء اطمئنان صدام حسين إلى قدرته على البقاء في الحكم، فقد اتجه منذ اليوم الأول لهزيمته في الحرب إلى تحقيق مجموعة من الأهداف نوجزها في الآتي : 

1 - محاولة فرض سيطرته على كل العراق والعمل على تخفيف أو إنهاء الحصار، أو محاولة اختراقه مع إعلان اعتراضه في أكثر من مناسبة على مناطق الحظر الجوى في الشمال والجنوب إما بصورة رسمية في شكل رسائل للأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو من خلال عمل عسكري مباشر يدرك تماما ما قد يرتبه من رد فعل عنيف من جانب قوات التحالف.
وقد كان رفضه للإنذار الرباعي الذي وجهته له كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا في ديسمبر 1991 بضرورة الالتزام بمقتضيات الحظر في هذه المناطق سببا في سلسلة من الغارات الجوية استمرت حتى اليوم الأول لتسلم كلينتون السلطة في الولايات المتحدة. 
وكان مجرد توجيه أجهزة الرادار العراقية لطائرات الحلفاء أو اعتراضها بطائرات عراقية دافعا لضربات مماثلة تكررت أكثر من مرة، وكان آخرها إظهار التصميم على مد الحظر الجوى إلى خط عرض 33 وإجبار القيادة العراقية على قبوله بنفس الأسلوب. 
ومن جانب آخر فقد تصدت القوات العراقية بإجراءات بالغة العنف لثورات الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب بهدف تأكيد سلطة الدولة في هذه المناطق في عام 1991 ويندرج التدخل العسكري في أربيل تحت نفس الدافع.

2 - العمل على إعادة بناء القوات المسلحة العراقية ليس في مجال الأسلحة التقليدية فقط، والتي أمكن بالفعل إعادة تنظيمها وتسليحها، بل امتد هذا الجهد إلى أسلحة الدمار الشامل، وقد عكست الأزمات المتكررة مع بعثات التفتيش إصرار الجانب العراقي على التهرب من قرار مجلس الأمن الخاص بتدمير هذه الأسلحة سواء بإخفائها أو تهريب بعض المعدات اللازمة لها. 
ومن المعروف أن العراق يملك حتى الآن النسبة الأكبر من العلماء والفنيين في العالم العربي العاملين في مجال النشاط الذرى، كما يحتفظ بعديد من المنشآت والمخابئ والأنفاق التي يقوم بتخزين أسلحة الدمار الشامل فيها بما في ذلك الصواريخ والأسلحة الكيماوية، أو البيولوجية. 

3 - الإبقاء على الدور الإقليمي للعراق واستثماره في بعض المواقف، فمازال العراق يرفض الاعتراف بالحدود التي أقرتها الأمم المتحدة مع الكويت ويعبر عن عدائه لدول الخليج من وقت لآخر. وخلال الحرب الأهلية في اليمن عام 1994 كان راديو بغداد يحرض على مواصلة القتال خلال عمليات التفاوض والتسوية ويدعو إلى إحياء المحور العراقي/اليمنى للإطاحة بالسعودية. 
وفى سعيه لتحقيق الأهداف السابقة سواء في مجال تأمين الحكم وتكرار تهديداته لاستقرار الدول المجاورة، لم يقدم النظام العراقي أية دلائل جدية يمكن أن تساعد على تخفيف معاناة الشعب العراقي أو تحسين ظروفه المعيشية، وقد أصبح هذا الشعب بحق ضحية النظام وأسير طموحاته. تابع


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com