الأكراد
خضع معظم الأكراد طوال الخمسة قرون الأخيرة لسلطة الدولة العثمانية بصورة اسمية فقط، بينما خضع الباقي للحكم الفارسي. وقد ظل الأكراد يسعون إلى الاعتراف بشخصيتهم الثقافية ورفض الاندماج في هويات ثقافية أخرى في الدول التي ينتمون إليها، وقد ساعدت الطبيعة الجبلية الوعرة في مناطق تواجدهم على تخفيف قبضة السلطة المركزية عليهم. ولقد تلقوا وعدا بالحكم الذاتي في معاهدة سيفر التي عقدت بين السلطان العثماني وقوات الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، لكن بعد سقوط السلطان العثماني وقيام الدولة التركية الحديثة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، لم تبرز هذه المسألة مرة أخرى على الصعيد الدولي.
وبعد تولى بريطانيا شئون العراق وفقا لسياسة الانتداب، تفجرت صراعات بينها وبين تركيا حول إقليم الموصل والمناطق التي ينتشر فيها الأكراد، ولم تحسم إلا في عام 1925 بضم الموصل نهائيا للعراق وتفضيل الأكراد الخضوع للحماية البريطانية باعتبارهم جزءا من الدولة العراقية. لكن سعى الأكراد المستمر للحفاظ على هويتهم قد ولد علاقات مضطربة وغير مستقرة مع حكومة بغداد، إلا أن ظهور البترول في الأقاليم الشمالية للعراق قد ساعد في تأكيد الوحدة الجغرافية للدولة ومقاومة النزعات الانفصالية للأكراد ضمانا لاستمرار السيطرة البريطانية على الثروة البترولية الوليدة في العراق. وفى هذا السياق، تصدت الطائرات البريطانية للقضاء على حركات العصيان الكردي في أعوام 1932 وفى 1943، كما لجأت الإدارة البريطانية إلى استخدام أساليب الاستمالة لمنع القبائل الكردية من التجاوب مع الثورات الكردية في منطقة كردستان التركية، أو محاولات السوفييت لإقامة كيان سياسي للقومية الكردية تحت اسم جمهورية مهاب والتي أقاموها في شمال إيران ولجأ إليها الملك مصطفى البرزانى الزعيم الثوري الكردي ووالد مسعود البرزانى والذي اعترف به الاتحاد السوفيتي في عام 1947 كأبرز زعيم وطني كردى، ولم يعد مصطفى البرزانى إلى العراق إلا بعد سقوط الملكية في العراق عام 1958.
ولكن سرعان ما عاد إلى النضال من جديد من أجل تحقيق المطالب السياسية للأكراد، ففي عام 1960 سعى الحزب الوطني الكردستانى بزعامة البرزانى لإقامة حكم ذاتي للأكراد في المناطق الشمالية، لكن الحكومة شنت حملة عسكرية في العام التالي مباشرة كانت بمثابة المفجر للصراع المرير الذي استمر حتى يومنا هذا.
وبالرغم من أن هذه الفترات قد تخللتها اتفاقيات هدنة أو محاولات للاحتواء إلا أن المشكلة بقيت دون حل.
وفي عام 1970 تم التوصل إلى اتفاق للحكم الذاتي أدى إلى هدوء الموقف بين الجانبين لسنوات قليلة لكن المعارك تجددت في 1974 بعد اشتداد الصراع بين العراق وإيران التي كانت تقدم الدعم الكامل لأكراد العراق، ولكن بغداد نجحت في سحق التمرد الكردي بعد توقف الدعم الإيراني على أثر توقيع اتفاقية الجزائر بين البلدين في عام 1975، ثم تجدد الصراع مرة أخرى في عام 1976 وتصاعد في عام 1980 في أعقاب نشوب الحرب العراقية الإيرانية التي وجد الأكراد فيها فرصتهم لإعلان الحكم الذاتي بناء على الأمر الواقع وبدعم من إيران.
وبعد انتهاء الحرب مع إيران في أغسطس 1988، شن صدام حسين حملة عنيفة ضد الأكراد أسفرت عن فرار حوالي ربع مليون كردى إلى داخل الأراضي الإيرانية والتركية.
وتكررت نفس العملية في أعقاب انتهاء حرب الخليج في ضوء إعلان زعماء الأكراد الثورة ضد بغداد، لكن التواجد الكثيف للحلفاء في شمال العراق وإعلان منطقة آمنة للأكراد لظروف إنسانية قد دفعت بالزعامات الكردية لفرض سيطرتهم على عدد من المدن والقرى التي كانت تخضع لسيطرة القيادات المحلية للبعث العراقي. وفى يونيو 1992 تم إجراء انتخابات لتشكيل برلمان في منطقة كردستان العراقية تقاسم الحزبان الرئيسيان الفوز بمقاعده في أول سابقة من نوعها في العراق.
والواقع أن الأكراد قد ظلوا حتى وقت قريب غير قادرين على بلورة استراتيجية متناسقة بشأن الأهداف السياسية التي يسعون إلى تحقيقها، ولم يظهر في أي مرحلة ما يمكن أن نسميه الكفاح المشترك للشعب الكردي المنتشر في أكثر من دولة. فقد نجحت الأنظمة القائمة والقوى الدولية المتحكمة في النظام العالمي في الفصل بين قضايا الأكراد وجعلها قضايا متعددة في كل دولة على حدة وليست قضية موحدة. وتبدو هذه الحقيقة في المعركة الدائرة حاليا في تركيا، ففي الوقت الذي تتصدى فيه القوات التركية بعنف للثورة الكردية في كردستان التركية، تظهر تعاطفا مع أكراد العراق وتسعى لاستمالة زعمائهم والحيلولة دون اتخاذ الأراضي العراقية عمقا لأكراد تركيا وملجأ للهروب إليها. ويتكرر نفس السيناريو مع إيران سواء في عهد الشاه أو عهد الحكم الإسلامي.
وفى الوقت الذي سعى فيه أكراد العراق لفرض الأمر الواقع بعد هزيمة صدام حسين العسكرية في حرب الخليج، كان جانب من زعمائهم يتفاوضون مع صدام حسين الذي أوهمهم بإمكانية الاستجابة لمطالبهم بشأن إحياء اتفاق سنة 1970 بينما قدموا أنفسهم كجزء لا يتجزأ من المعارضة العراقية ضد صدام حسين. وبعد فشل المفاوضات بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد، تم دعوة زعماء المعارضة لعقد مؤتمر لهم في مدينة أربيل التي يسيطر عليها زعماء الأكراد في عام 1993 تأكيدا للتضافر والتحالف القائم بين كافة القوى المعارضة وإن كانت القيادات القومية في المعارضة امتنعت عن المشاركة في هذا المؤتمر الذي اقتصر على ممثلي الشيعة والأكراد.
ويشير هذا النهج إلى ميل الزعامات الكردية إلى الإمساك بكل الخيوط في نفس الوقت وطلب الدعم من أي مصدر. ولقد شاركت كل من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في توظيف هؤلاء الزعماء والقضية الكردية بوجه عام لصالح أهدافهم.
وتنقسم المعارضة الكردية الحالية إلى عدة فصائل وجماعات عشائرية متنافسة وعدد كبير من الأحزاب الصغيرة تتفاوت في انتماءاتها الأيديولوجية بين القومية والشيوعية والأصولية الإسلامية، لكن أبرز هذه الفصائل التي تلعب دورا مؤثرا في توجيه الحركة الكردية تتمثل في حزبين رئيسيين هما :
1 - الحزب الديمقراطي الكردستانى، وهو أكبر الفصائل الكردية وأكثرها نشاطا ويتزعمه مسعود البرزانى نجل الملك مصطفى البرزانى ويحمل دائما تقاليد قبلية، ويحظى بتأييد العشائر في شمال وشمال غرب كردستان العراقية.
2 - الاتحاد الوطني الكردستانى، ويتميز بأنه أكثر مرونة بل وانتهازية ويتزعمه جلال الطلباني الذي كان عضو في حزب البرزانى ثم انشق عليه قبل وفاة الملك مصطفى البرزانى، ويحظى بتأييد سكان المدن وغالبية المثقفين الأكراد ويضعف نفوذه في أوساط القبائل.
ولقد سعت هذه الأحزاب دون استثناء وعلى فترات مختلفة إلى طلب الدعم والمساعدة من قوى خارجية.
فكما أوضحنا أضعف الاتحاد السوفيتي الملك مصطفى البرزانى في الأربعينيات، وتولى شاه إيران وبريطانيا والولايات المتحدة تقديم الدعم اللازم لثورات الأكراد في الستينيات والسبعينيات، ولعبت إسرائيل أيضا دورا هاما في التحريض وإشعال هذه الثورات.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة التي أعقبت دخول قوات صدام حسين لأربيل وفرض سيطرة البرزانى على المدن الرئيسية مسارعة الولايات المتحدة بتوصيل حوالي ألفين من العناصر الكردية المتعاونة معها إلى جزيرة جوام في المحيط الهندي تمهيدا لنقلهم إلى الولايات المتحدة حفاظا على حياتهم.
ويمكن القول إن الأكراد لم يملكوا مصيرهم بأيديهم في أية مرحلة، فقد كانوا دائما ضحايا لهذه التدخلات الخارجية التي كانت تخذلهم عندما تتغير الظروف السياسية مع العراق، وهم يتفهمون ذلك ويقبلونه على أسس مرحلية طمعا في توسيع الحكم الذاتي في مناطقهم كلما تسنح الظروف، لكن في الوقت نفسه فإن طبيعة التوازنات الإقليمية السائدة وتشتت الأكراد بين أربع دول في المنطقة هي العراق وإيران وتركيا وسوريا كانت السبب في تجنب طرح دعوى الاستقلال بصورة صريحة من جانب أكراد العراق.
ولقد أعلن جلال الطلبانى على سبيل المثال في تصريح له بتاريخ 27 يوليو 1992 بأن كردستان العراقية لا يمكنها الارتباط إلا بدولتين في العالم هما العراق وتركيا، وإذا ما بقى صدام حسين في السلطة فعليهم الارتباط بتركيا، أي أن المشكلة هنا هي في صدام حسين وليست الارتباط بالعراق.
وفى الجانب المقابل فإن ثمة فصائل عراقية أخرى في المعارضة تتطلع إلى مشاركة قوية للأكراد في الوضع السياسي العراقي. ففي مقال لكنعان مكية أحد أبرز المثقفين الشيعة والمقيم حاليا في الولايات المتحدة نشرته جريدة الحياة في 18 سبتمبر 1994، أشار إلى أنه كان "يرشح مسعود برزاني لقيادة عملية أعمار العراق بعد صدام"، وبغض النظر عن الانتقادات التي وجهها الكاتب بعد ذلك لمسعود برزانى بسبب تعاونه مع صدام إلا انه يعكس نوع التفكير الذي يعتنقه بعض المثقفين في ظل الظروف الراهنة.
ولقد كانت استجابة الدول المعنية تأكيدا لنظرتها المصلحية وتحكمها في علاقاتها بالأكراد. فلقد منحت تركيا جوازي سفر تركيين لزعيمي الأكراد البرزانى والطلبانى لتمكنهما من زيارة واشنطن في يوليو 1952 ضمن وفد المعارضة العراقية، وهى أي تركيا تسعى لاحتواء التأثيرات السلبية المحتملة للوضع الكردي والاحتفاظ بعنصر التأثير في مجريات الأحداث بينما تعلن رفضها القاطع لأي شكل من أشكال الانفصال للأكراد ولكنها تتطلع مستقبلا إلى أدوات حركة نشطة في التعامل مع الأكراد بعد سقوط صدام.
وكانت السياسات الإيرانية وقت الشاه وبعد سقوطه ترمى باستمرار لاستخدام ورقة الأكراد لحصار صدام حسين والضغط عليه، بل أكثر من ذلك فقد تم توظيفهم بالتنسيق مع الولايات المتحدة ضمن تفاعلات الصراع العربي الإسرائيلي حيث كان تنشيطهم يستهدف أحيانا أشغال النظام العراقي وجذب اهتمامه بهدف تخفيف الضغط على سوريا وإفساح المجال أمامها للمضي في التفاوض مع إسرائيل، والعكس كان يجرى أي تقييد حركة الأكراد لإطلاق حرية العراق في الضغط على النظام السوري بسبب مفاوضاته مع إسرائيل.
ولا يخفى أيضا الأنشطة الإسرائيلية في الشمال العراقي كوسيلة لاختراق العراق نفسها وإقامة علاقات مع المعارضة العراقية بل وفرض رقابة في الشرق على سوريا.
وتلعب العوامل الداخلية والإقليمية والدولية دورها في بلورة اختيارات الحركة الكردية في هذه المرحلة:
فمن ناحية، يمثل الضعف الحالي للنظام العراقي والسيطرة الفعلية لقوات التحالف في المناطق الشمالية، والصعوبات التي تحول دون اندماج الأكراد في المؤسسة السياسية العراقية أو الذوبان في المجتمع العراقي إضافة إلى تقبل العالم في ظل المتغيرات الحالية للقوميات الوليدة، تمثل كلها عوامل مشجعة للحركة الكردية في مطالبتها بقدر من الاستقلالية والتميز.
لكن في الجانب الآخر فإن هذا القدر من الاستقلالية والتميز يصعب أن يصل إلى حد قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق وفصله كلية عن جسم الدولة العراقية ارتباطا بالعوامل التالية :
أولا : توزع الشعب الكردي على عدد من الدول كلها تقاوم بشراسة أية نزعات انفصالية للأكراد. وبالرغم من أن الأكراد أنفسهم لم يظهروا ميلا في غالبية مراحل كفاحهم السابق للدفاع عن كيان كردى موحد يعبر عن الأكراد كافة ، إلا أن جميع الدول المعنية ترفض من حيث المبدأ إتاحة الفرصة أمام كل مجموعة على حدة لتحقيق الاستقلال، حتى لا تنعكس على أمنها ووحدتها الداخلية. وربما كانت إسرائيل أكثر الدول الدافعة للانفصال بينما تعمل إيران على توسيع المطالب الكردية كمدخل يمكن استخدامه لصالح الشيعة في الجنوب.
ثانيا : عدم قدرة إقليم كردستان العراقي على إقامة كيان اقتصادي منفصل برغم ما يملكه من ثروة بترولية والتي تعتمد في مرافقها الأساسية على مناطق عراقية خارج منطقة كردستان، ولن يخسر العراق كثيرا من وضع اقتصادي سئ إذا خسر بترول الشمال الذي يحتوى على احتياطات تصل إلى 15 بليون برميل، بينما تبلغ احتياطاته في الجنوب حوالي 80 بليون برميل، كما يمكن لأي حكومة في بغداد أن تمارس ضغوطا اقتصادية عنيفة ضد الشمال، يضاف إلى ذلك أن هوية منطقة كركوك تعد من أعمق نقاط الخلاف بين بغداد والأكراد والتي يصعب التسليم بتبعيتها للشمال في أية مفاوضات حول الحكم الذاتي.
ثالثا : الموقف العربي المساند لوحدة الأراضي العراقية، والذي يمكن أن يمارس تأثيره من خلال التفاهم المباشر مع تركيا أو التحالف السوري الإيراني أو التنسيق مع الولايات المتحدة إلى جانب التحكم في مصادر الدعم للمعارضة العراقية التي تضم الأكراد، أو لأي حكومة تقوم في العراق بعد صدام حسين.
رابعا : أن أيا من القوى السياسية الفاعلة في عراق ما بعد صدام لا يمكنها قبول تسليم حوالي ثلث العراق والاكتفاء بما سيتبقى في المنطقة الوسطى والجنوبية، وأن أي تفكير في انفصال الأكراد سيفجر من جديد الصراعات الداخلية التي يصعب احتواؤها بل وقد يقود إلى صراعات تمس استقرار المنطقة ككل سواء في الشرق العربي أو الخليج بما تجره من تدخلات دولية وإقليمية جديدة.
وبالتالي فإنه يبدو أن أنسب الاختيارات المطروحة أمام الأكراد يتمثل في إقامة حكم ذاتي موسع في المناطق الشمالية دون الانفصال، على أنه قد يكون من الضروري أن تستمر الزعامات الكردية في التنسيق مع مختلف فصائل المعارضة ضمانا لفاعلية المقاومة ضد النظام القائم والمشاركة في ترتيبات ما بعد صدام ضمن برنامج سياسي تقبله مختلف فصائل وأقسام الشعب العراقي.
وفى هذه الحالة فإن اختيارات الحكومة المركزية في بغداد يمكن أن تنحصر في اختيارين أساسيين:
أولهما : محاولة الحفاظ على المناطق الكردية بالقوة وهو ما يحتاج إلى حشد عسكري شبه دائم وتركيز الجهد على الأمن الداخلي في الشمال، وهو ما يحد من فرص تحقيق الاستقرار في الجهة الجنوبية التي تغلب فيها الشيعة.. وسيظل الأكراد في ضوء ذلك مصدر تهديد لاستقرار الحكومة المركزية ويقود ذلك إلى توسيع عمليات الاختراق والأنشطة الإرهابية كرد فعل مباشر للسياسات القمعية وبدفع من الأطراف الخارجية أيضا.
الثاني : يستهدف استمرار وحدة الأراضي العراقية مع كسب ولاء الأكراد من خلال إقامة حكم ذاتي واسع أو الأخذ بنظام الدولة الفيدرالية ارتباطا بعملية تحول واسعة نحو الليبرالية في الدولة ككل. وبالرغم من أن هذا الاتجاه وما يقترن به من تغليب الصيغة التمثيلية يمكن أن يتيح دورا أكبر للشيعة في الحكم، فإن الفئة الأخيرة قد تقبل به بصورة مؤقتة ثم سريعا ما قد تعود للدفاع عن حقول البترول في كركوك والدخول في مساومات صعبة - لكنها ليست مستحيلة - حول نفس القضايا من جديد.
تابع