قضية العدد

 

 

 
الشيعة 
تنفرد العراق من بين الدول العربية بظاهرة الانقسام العرقي والطائفي في نفس الوقت، وإذا اعتبرنا أن الشيعة يمثلون نصف السكان من حيث الإحصاء العددي ويمثل الأكراد حوالي 20%، فإن السنة العرب يصبحون أقلية. والشيعة العراقيون لهم تاريخ طويل في التقارب الثقافي مع إيران ولديهم الأماكن المقدسة في مدينتي النجف وكربلاء لكل الشيعة، إلا أن الأصول العربية لشيعة العراق تمثل جزءا هاما من تكوينهم الفكري والسياسي كما يشعرون بشعور كبير من التفوق باعتبار أن المرجعية للفكر الشيعي هي في العراق وليست في إيران. وقد فجرت هذه القضية الأخيرة خلافات حادة مع قادة إيران خاصة بعد وصول الخميني للحكم والذي سعى باستمرار إلى ربط مرجعية الشيعة بقم وليست العراق.
وقد لعب الشيعة دورا بارزا في الثورات التي اندلعت ضد بريطانيا ضمن الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، كما شاركوا في الحكومات العراقية بعد ذلك.. وبعد سقوط الملكية في 1958 كانت العناصر الشيعية تمثل غالبية قيادات الحزب الشيوعي العراقي وكان لهم نصيبهم أيضا داخل حزب البعث، لكن هذا النصيب تراجع بدرجة كبيرة بعد وصول البعث للحكم في 1963 على أثر حملات التطهير والتصفية التي وقعت في صفوف الحزب كما تم بعدها القضاء على الحزب الشيوعي، مما أضعف الدور السياسي للشيعة. ولقد أخفقت كل المحاولات التي بذلك لبناء رؤية سياسية خاصة للشيعة وحدهم، كما نجح البعث في الحد من قيام معارضة شيعية للنظام، واهتمت الحكومات العراقية بترميم مدينتي النجف وكربلاء. وبقدر اعتزاز شيعة العراق بأصولهم العربية واستحواذهم على الأماكن المقدسة والمرجعية الأصلية للمذهب، بقدر عدم تجاوبهم مع الدعوات الإيرانية لتأليبهم ضد العراق. وقد ساعد على ذلك أن الأحوال المعيشية والاقتصادية لشيعة العراق في بداية الثورة الإيرانية كانت أفضل بكثير من تلك التي يعيشها الشعب الإيراني مما ساهم في تعميق الارتباط بالدولة العراقية وعدم التفكير في الانقلاب عليها. 
وطالما أنهم يمثلون الأغلبية فإنهم يشعرون بأحقيتهم بالمشاركة بنصيب أكبر في الحكم ولا يرون جدوى اقتصادية من الانفصال عن العراق، فقد احتلوا مراكز الصدارة التجارية في بغداد بعد هجرة اليهود العراقيين لإسرائيل في 1948 وما بعدها.
لكن في نهاية حرب الخليج اندلعت واحدة من أكبر الثورات الشيعية في تاريخ العراق الحديث. وقد شهدت أحداثا دموية في كلا الجانبين حيث قامت عناصر الشيعة بتصفية القيادات المحلية للبعث في المدن والقرى التي تم فرض السيطرة عليها وتصدت الحكومة بوسائل متنوعة للقضاء على الثورة والحد من تصعيدها واستعادة النظام في مناطق الشيعة الجنوبية.
وقد هيأت هذه التطورات الفرصة لبروز الهياكل السياسية للشيعة على الصعيد العلني ومحاولة التنسيق مع باقي فصائل المعارضة العراقية من جانب وتقديم نفسها كقوة سياسية متميزة داخل النسيج العراقي من جانب آخر. 
ورغم تعدد التنظيمات السياسية والحزبية للشيعة، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أكبر حزبين على النحو التالي: 
المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق:
تشكل هذا المجلس في 1982 بدفع من إيران وكان يهدف في البداية إلى أن يكون إطارا يضم كل الفصائل الشيعية العاملة في الحقل السياسي، لكنه تحول بعد ذلك إلى حزب منفصل بعكس التأكيد الإيراني في المقام الأول.
ويتزعم هذا الحزب حجة الإسلام محمد باقر الحكيم الذي يتخذ مقرا له في طهران، وأكثر ما يميز هذا الحزب هو اعتماده على الأشخاص أكثر من اعتماده على هيكل تنظيمي، الأمر الذي يجعل منه منظمه شخصية أكثر منه حركة سياسية، ومعظم الأعضاء المنتمين إليه من الفارين العراقيين إلى إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
وبرغم ذلك فإن المجلس يسعى لممارسة دوره كمنظمة عراقية ولا يقدم نفسه كشكل من أشكال الحركة الشيعية الإيرانية، ويسعى بعض أعضاؤه لتخفيف الهيمنة الإيرانية على شئون الحزب لامتلاك حرية الحركة مع باقي فصائل المعارضة.
ويتبع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية تشكيل عسكري باسم " لواء بدر" يضم حوالي 2000 جندي معظمهم من الشيعة لكن أغلب ضباطه من السنة، ويتمركز في إيران. وقد دخلت هذه القوات العراق أثناء الثورة في 1991 وينسب إليها عمليات التصفية التي تعرضت لها قيادات البعث والموالين للحكومة مما كان له دوره في انحياز السكان السنة للحكومة في ذلك الوقت. ويعد لواء بدر مصدر قلق لباقي المنظمات الشيعية بحكم الدور الذي يمكن ممارسته لترجيح كفة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في اضطرابات قادمة، لكنه من الواضح أن عامل الضعف الرئيسي سواء في المجلس أو في هذه القوات يتمثل في طغيان التأثير الإيراني عليهما. 

حزب الدعوة 
يعد حزب الدعوة الجناح العراقي لمجموعة من الأحزاب الإسلامية المرتبطة مع بعضها وتتخذ نفس الاسم في عدة دول عربية خاصة في الخليج ولبنان، وكان يتزعمه رجل الدين العراقي آيه الله باقر الصدر الذي أعدم في 1980 ضمن حملة تطهير واسعة للزعامات الشيعية.
ويدعو الحزب إلى إقامة دولة إسلامية في العراق، لكنه يختلف مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في عدم قبول النموذج الإيراني للزعامة الدينية، ويرى "أن دور رجال الدين ينحصر في تفسير الأمور الدينية على أن يتولى المسلمون من غير رجال الدين الأمور السياسية".
ويعد حزب الدعوة أقدم الأحزاب الدينية في العراق، ويميل إلى استخدام أساليب العنف والإرهاب في تنفيذ أغراضه، وبالنظر إلى ما يسببه من نفور لدى الفصائل السياسية الأخرى أو لدى الدول الداعمة للمعارضة، فقد ظهرت في داخله بعض العناصر التي تدعو إلى انتهاج سياسية ليبرالية توفق بين الإسلام والديموقراطية وتؤكد عدم وجود تعارض بينهما.
يضاف إلى الاتجاهين السابقين، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة اتجاه ثالث يمثل جناحا علمانيا يدعو إلى إقامة دولة ترتكز على النهج الديموقراطي ومن أبرز رموز هذا الاتجاه ليث كبة وأحمد الجلبى، ويرون أن يتم التعاون بينهم وبين الاتجاهات الدينية الأخرى في طائفتهم ضمن إطار ديموقراطي يصون حقوق الإنسان وبخاصة لغير المنتمين للمذهب الشيعي.

المعارضة السياسية الخارجية 
أتاحت هزيمة صدام حسين في حرب الخليج فرصة غير مسبوقة للتنسيق بين مختلف الاتجاهات المعارضة على اختلاف انتماءاتها العرقية أو الطائفية أو القومية والتي ضمت قيادات تقليدية معروفة إلى جانب عناصر عسكرية انشقت على صدام حسين في فترات مختلفة، حيث تعددت الاجتماعات في عامي 91، 92 بين هذه الاتجاهات بهدف تحقيق الآتي :
1 - العمل على وضع برنامج عملي لتغيير النظام العراقي مع التأكيد على وحدة الأراضي العراقية وإقامة نهج ديموقراطي يعبر عن مختلف الاتجاهات داخل الشعب العراقي.

2 - تنشيط العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية بهدف تأمين مصادر الدعم ووسائل الاتصال الجماهيري ومع القوى السياسية المتعاطفة معها على المستوى الدولي.

وقد انعقد في منتصف يوليو 1992 مؤتمر للمعارضة العراقية في العاصمة النمساوية فيينا، أعلن خلاله عن تشكيل منظمة موحدة أطلق عليها اسم المجلس الوطني العراقي الذي كلف بوضع ميثاق وطني يحدد خطوات العمل في المرحلة القادمة.
وفى نوفمبر1992 شاركت غالبية الفصائل الشيعية والكردية في مؤتمر مماثل عقد في مدينة أربيل الخاضعة لسيطرة الأكراد.
غير أنه مع طول الفترة واتساع التناقضات بين الفصائل المختلفة، فقد خفت معدلات التنسيق بين هذه الفصائل وأصبحت حركتها تعبيرا عن اتجاهات فردية أو اتجاهات الدول التي تستضيفها أكثر منها تعبيرا عن حركة وطنية شاملة.

كذلك فإن هذه المنظمات والتي يتجاوز عددها العشرون منظمة لا تملك امتدادا لها داخل العراق، باستثناء المنظمات الكردية للظروف المعروفة. ومن المرجح نجاح أجهزة الحكم في اختراقها، وإن كان من الثابت أنه كلما زاد التنسيق فيما بينها كلما كان الهيكل السياسي العراقي أكثر ميلا للحلول الوسط بين المجموعات الطائفية والعرقية والابتعاد بالعلاقات بين القوى المختلفة عن أشكال المعادلة الصفرية التي تطالب بالحصول على كل شئ أو لا شئ. ولاشك أن الفترة الأولى التي شهدت معدلات عالية من التنسيق بين هذه الفصائل قد أتاحت لأول مرة لكل منها فرصة التعرف على أفكار الأطراف الأخرى وكيفية التوفيق لصالح بناء عراق أكثر ليبرالية.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com