|
التواجد العربي..
في المراكز المؤثرة
بقلم
طارق حجي
|
أمضيت شهرا (خلال يناير وفبراير من العام الحالي) في الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من الجامعات السبع المعروفة باسم THE I.V.L LEAGUE والتي درج العرف علي اعتبارها اعرق سبع جامعات في الولايات المتحدة. وكانت محاضراتي بهذه الجامعات وأمام أربع جامعات أخرى وخمسة مراكز بحوث بإدارات دراسات الشرق الأوسط بهذه الجامعات و مراكز البحوث.
وليس هدف هذا المقال أن أوجز محاضراتي بهذه الجامعات أو أن القي الضوء علي الحوارات الطويلة التي أعقبتها فمجال ذلك كتاب تقوم بإعداده حاليا جامعة برنستون (إحدى الشقيقات السبع أما هدف هذا المقال فهو تسجيل انطباعات جانبية كانت هذه الرحلة هي سبب تشكيلها وتكاملها في ذهني كدروس مستفادة من رحلة حاضرت فيها أمام اكثر من ألف إنسان هم زبدة العقول الأمريكية المعنية بالشرق الأوسط والدراسات المتعلقة بشئونه التاريخية والمعاصرة والمستقبلية من جميع الجوانب وسائر زوايا البحث العلمي لاسيما في مجالات العلوم الاجتماعية.
أوجز زبدة هذه الدروس في بعض النقاط، ابدأها بالتواجد العربي في المراكز المؤثرة ونظرا لتواجدي بأكثر من عشرة من اكثر مراكز دراسات وبحوث الشرق الأوسط تأثيرا علي 'المطبخ الفكري' الذي يكون توجهات الولايات المتحدة بالنسبة لقضايا وشئون الشرق الأوسط ومن بينها مراكز تخصصت في مد وزارة الخارجية والبيت الأبيض بخبراء شئون الشرق الأوسط مثل دينيس روس وعشرات قبله فقد لاحظت انه رغم وجود أعداد كبيرة من العرب والهنود والأتراك والإيرانيين كأساتذة كبار وخبراء مرموقين في معظم هذه الجهات إلا أن تواجدهم يشبه تواجد الجزر المنعزلة عن بعضها في محيط واسع.
وفي المقابل، فإن وجود أساتذة أمريكيين يهود أو أساتذة إسرائيليين زائرين أو أساتذة غير يهود لكن علي درجة عالية من التعاطف مع إسرائيل يختلف تماما عن الوجود العربي بهذه الجامعات والمؤسسات فهم مترابطون بشكل قوي للغاية وبينهم صلات علمية و بحثية وشخصية بلا حدود.
ومن العبث أن اتهم هؤلاء بأي شئ، إذ أن من غير المعقول أن نتهم المجتهد علي اجتهاده ونهمل اتهام المقصر علي تقصيره. ولا اعتقد أنني أبالغ إذ أقول أن المجموعة الأولى (العربية) مشرذمة وتعمل كأفراد مستقلين وبدون هدف يتجاوز الأهداف الشخصية لكل منهم في مواجهة مجموعة تعمل كفريق متكامل ومتجانس وله أهداف عديدة علي المدى القصير والمتوسط والطويل ويستعملون أدوات ولغة العصر ويجيدون توظيف أدوات البحث العلمي في خدمة هدفهم الموحد ويتكلمون مع العالم الذي يعيشون معه بلغته ومفردات ثقافته وبنيته الحضارية لذلك فإنهم تمكنوا (ولا يزالون) من أن يكونوا قوة تأثير عظمي بل انهم يملكون إلي حد بعيد القدرة علي تشكيل التوجهات الأساسية للولايات المتحدة الأمريكية في كل ما يتعلق بشئون الشرق الأوسط.
والحديث هنا عن 'المؤامرة' سذاجة مفرطة، فنحن أمام أسلوب وتخطيط علمي كامل لا ينظر إليه علي أساس كونه 'مؤامرة' و إنما 'خطة عمل' لا يمكن عمل 'توازن استراتيجي مقابل لها' إلا بعمل الفريق أساليب البحث العلمي العصرية وتواصل الجهد واستعمال لغة ومفردات العصر وكل ذلك غير متوافر لدي معظم أفراد الجانب العربي باستثناءات قليلة لإفراد كان معظمهم من عرب إسرائيل أي من الفلسطينيين الذين لم يغادروا مدنهم منذ 1948 فقد وجدت أمثلة من بين هؤلاء لما يجب أن يكون عليه حال العرب المشرذمين في تلك الجامعات ومراكز البحوث والذين يشكلون عددا كبيرا من 'الجزر المنعزلة' وسط محيط واسع.
ومن ابرز هؤلاء الدكتور شبلي تلحمي وهو عربي من حيفا ويرأس قسم السادات بجامعة ميريلاند، والذي يلعب المباراة بأدواتها وبمهارة واضحة ولمصلحة الجانب العربي ومع تأثير واضح علي جهات صنع القرار ولا ينقصه إلا وجود مئات مثله ولكنهم للأسف غير موجودين، فالغالبية العظمي من العرب بهذه الأماكن إما 'سلبية' و إما تتكلم بديماجوجية قناة الجزيرة وما يماثلها من إذاعات 'لمعت' لدينا في الستينات وقادت ظاهرة تكوين العقل العربي ( عند البعض ) كظاهرة خطابية في المقام الأول.
ولاشك أنها مسئولية جامعة الدول العربية أن تدرس هذه الجزئية و أن تضع الأهداف والاستراتيجيات وبرامج العمل المطلوبة لإيجاد تأثير استراتيجي للتواجد العربي (المتوافر فعلا) بهذه الجهات علي ألا تكون قاعدة انطلاق ذلك استمرارا للديماجوجية التي مزقت صورتنا في الغرب وجعلت فرص التعاطف مع غيرنا اعلي واقوي بكثير لاستمرارنا في البعد عن البحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية بأدواته العصرية ولإصرارنا علي أن نكون 'جزرا منعزلة' تبارز العالم الخارجي بسيف الميكروفونات و مدفعية الديماجوجية التي قال نزار قباني عنها ذات يوم أنها (ما قتلت ذبابة) كما وصفها أيضا بأنها تشبه (منطق الطبلة والربابة)
***
وبالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي
قلت الكثير في هذا المجال ولا يمكن هنا حتى تلخيصه و إنما أردت فقط أن ابرز أهم رسالة كنت حريصا علي توضيحها وترسيخها في عقول الآلاف من الذين حضروا محاضراتي بأكثر من عشر جامعات ومؤسسات وفحوى هذه الرسالة أن الإسراع والتعجيل بحل مقبول و كريم ومرض للحد الأدنى من طموحات غالبية مواطني كل أطراف الصراع هو 'الجسر الوحيد' الذي ستعبر به المنطقة من (بر واقعها الراهن) إلي مرحلة مستقبلية يمكن خلالها بناء مجتمعات مدنية قوية ومزدهرة وعصرية وفي سلام اجتماعي وان هذا لن يحدث فقط في الجانب العربي و إنما أيضا في إسرائيل التي قد تكون ذات ' آلية ديموقراطية' بشكل ما بالنسبة لمواطنيها ولكنها ابعد ما تكون عن (المجتمع المدني) بالمعني الحقيقي فالسلام العادل هو (الآلية الوحيدة) للوصول لمجتمعات مدنية عصرية يكون لكل منها ذاتية الثقافية مع توافر (وعدم تعارض ذلك) مع آليات ا لمدنية العصرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي حديثي عن 'الأصولية' كعدو رئيسي للمجتمعات المدنية، فقد كان غضب بعض الحاضرين هائلا عندما كنت أتحدث عن مخاطر 'الأصولية اليهودية' كأحد ابرز أعداء السلام الشامل والعادل في المنطقة فالأذن الغربية اعتادت أن تسمع وتقرأ عن الأصولية غير اليهودية لان 'الصمت المتعمد' عن مخاطر وشذوذ الأصولية اليهودية لا يجد من يتحدث عنه في الولايات المتحدة الأمريكية بلغة العصر و أدواته وفي الأماكن المطلوب الحديث فيها عن مخاطر الأصولية اليهودية فالحديث عن هذه الأصولية وشذوذها لا يكون مجديا في مساجد نيوجرسي و لوس أنجلوس و إنما في جامعات أمريكا الكبرى ومراكز البحوث الهامة بها.
***
وقد كان الاقتصاد الأمريكي، وفترة حكم كلينتون من ابرز القضايا المثارة.. فالإنجاز الأعظم ليس هو حدوث الطفرة الاقتصادية الهائلة التي حدثت أبان سنين حكم كلينتون و إنما الإنجاز الأعظم أن عشرات الدراسات والإحصائيات تؤكد أن المستفيدين الأوائل من هذه الطفرة كانوا أبناء الطبقة الوسطي وما تحتها وان الفوائد الاقتصادية (وما ينجم عنها من فوائد اجتماعية) تعد ظاهرة لم تحدث واغلب الظن أنها لن تتكرر في المستقبل القريب فالحزب الجمهوري لا يحمل في بنيته من عناصر الاهتمام بالبعد الاجتماعي ما يحمله الحزب الديموقراطي بوجه عام وما عمل علي خدمته الرئيس كلينتون بوجه خاص.
أن معظم الحرفيين والمهنيين من أبناء هذه الطبقات قد ضاعفوا دخلهم خلال تلك السنوات، وهو ما لم يحدث للطبقات الأعلى التي ستكون إدارة الرئيس الجديد بوش في خدمتهم اكثر من كونها في خدمة الطبقات التي رأت أبان سنين حكم كلينتون من تحسن الظروف المعيشية ما لم يحدث في الولايات المتحدة منذ خمسين سنة علي الأقل. وبينما انشغل (ولا يزال) الجمهوريون بموضوع مونيكا وأثاث البيت الأبيض وموضوع العفو عن مارك ريتش فإن الملايين من أبناء الطبقة الوسطي (وما تحتها) كانت (ولا تزال) تتحدث عن آثار سنوات كلينتون الطيبة علي ظروفها المعيشية.
|