|
الختان
بين موازين الطب والشريعة
بقلم
د.محمد نزار الدقر
أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية
دمشق
|
التعريف اللغوي :
الختان بكسر الخاء اسم الفعل الخاتن ويسمى به موضع الختن أيضا ومنه الحديث الشريف ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ) والأقلف من لم يختتن. والقلفة والغزلة بمعنى واحد وهي الجلدة التي تقطع والتي تغطي الحشفة عادة ، ويسمى الختان في حق الأنثى (خفضا) .وختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة وأما ختان المرأة فهي جلدة كعرف الديك فوق الفرج تعرف بالبظر ، وهو عضو انتصابي عند المرأة مثل القضيب لكنه صغير الحجم ولا يخترق قناة البول.
الختان عبر التاريخ:
تشير المصادر التاريخية إلى أن بعض الأقوام القديمة قد عرفت الختان. وفي إنجيل برنابا إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان أول من اختتن وأنه فعله بعد توبته من أكل الشجرة ولعل ذريته من بعده تركوا سنته حتى أمر الله سبحانه نبيه إبراهيم عليه السلام بإحيائها .وقد وجدت ألواح طينية ترجع إلى الحضارتين البابلية والسومرية [3500 ق.م]ذكرت تفاصيل عن عملية الختان، كما وجدت لوحة في قبر عنخ آمون [2200 ق.م] تصف عملية الختان عند الفراعنة وتشير إلى أنهم طبقوا مرهما مخدرا على الحشفة قبل الشروع في إجرائها ، وأنهم كانوا يجرون الختان لغرض صحي.
واهتم اليهود بالختان واعتبر التلمود من لم يختتن من الوثنيين الأشرار فقد جاء في سفر التثنية: ( اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم) أما في النصرانية فالأصل فيها الختان ، وتشير النصوص من إنجيل برنابا إلى أن المسيح عليه السلام قد اختتن وأنه أمر أتباعه بالختان .
أما العرب في جاهليتهم فقد كانوا يختتنون اتباعا لسنة أبيهم إبراهيم . وقد ذكر القرطبي إجماع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن ، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان إبراهيم أول من اختتن ، وأول من رأى الشيب وأول من قص شاربه وأول من استحد )
وقد فصل ابن القيم في ختان النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقوال، ويرى أنها كلها تعتمد على أحاديث ضعيفة ، أو أنه ليس لها إسناد قائم أو أن في إسنادها عدة مجاهيل مع التناقض الكبير في متونها .فالقول الأول و هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا، فهو علاوة على ضعف إسناده، فهو يتناقض مع حديث صحيح اعتبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الختان من الفطرة، ذلك أن الابتلاء مع الصبر مما يضاعف أجر المبتلى و ثوابه، و الأليق بحال النبي صلى الله عليه وسلم ألا يُسلب هده الفضيلة . و القول الثاني أن الملك ختنه حين شق صدره لا يصح له إسناد مطلقا ، والأرجح القول الثالث و هو أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب و سماه محمدا و أقام له وليمة يوم سابعه.
الختان في السنة النبوية المطهرة :
دعا الإسلام إلى الختان دعوة صريحة وجعله على رأس خصال الفطرة البشرية ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(الفطرة خمس : الختان و الإستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط ) .
وجاءت دعوة الإسلام إلى الختان متوافقة والحنفية _ملة إبراهيم عليه السلام _ ،فكان الختان _كما أورد القرطبي عن عبد الله بن عباس _ من الكلمات التي ابتلى بها إبراهيمَ ربُّه بهن فأتمهن فجعله إماما للناس . كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد امتداحه لفعل إبراهيم هذا ، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اختتن إبراهيم بعدما مرت عليه ثمانون سنة ،اختتن بالقدوم ) .رواه البخاري ومسلم ، والقدوم هو آلة صغيرة ، وقيل هو موضع بالشام .
وعن موسى بن علي اللخمي عن أبيه أنه قال : ( أمر إبراهيم فاختتن بقدوم ، فاشتد عليه الوجع ،فأوحى الله عز وجل إليه ، عجلت قبل أن نأمرك بالآلة ، قال : يا رب كرهت أن أؤخر أمرك ) أخرجه البيهقي بسند حسن .
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الختان سنة للرجال ،مكرمة للنساء ) أخرجه أحمد في سنده والبيهقي وقال : حديث ضعيف منقطع.
وعن كثيم بن كليب عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألق عنك شعر الكفر و اختتن )
أخرجه أحمد وأبو داود ،وقال السيوطي بضعفه وفي إسناده مجهولان (نيل الأوطار )، وقد أورده ابن حجر في التخليص ولم يضعفه ولكن برواية : (من أسلم فاليختتن ) .
الحكم الفقهي في الختان :
يقول ابن القيم : اختلف الفقهاء في حكم الختان ، فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد : هو واجب ، وشدد مالك حتى قال: (من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته ). ونقل الكثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة حتى قال القاضي عياض : (الأختان عند مالك وعامة العلماء سنة ، لكن السنة عندهم يُأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب ). وقال الحسن البصري وأبو حنيفة : ( لا يجب بل هو سنة ) ، ونقل عنه قوله : (قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس _ الأسود والأبيض فما فتش أحدا ) .
وخلاصة القول : ذهب الشافعية وبعض المالكية بوجوب الختان للرجال والنساء .وذهب مالك وأصحابه بأنه سنة للرجال ، مستحب للنساء ، وذهب أحمد إلى أنه واجب في حق الرجال سنة للنساء ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه سنة ، لكن يأثم تاركه .. ويتابع ابن القيم : ( ولا يخرج الختان عن كونه واجبا أو سنة مؤكدة ، لكنه في حق الرجال أكد لغلظ القلفة ووقوعها على الإحليل فيجتمع تحتها ما بقي من البول ،ولا تتم الطهارة المطلوبة في كل وقت والواجبة في الصلاة إلا بإزالتها ) .
ويقول النووي : ( ويجب الختان لقوله تعالى : ( أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) ولو أنه لم يكن واجبا لما كشفت له العورة ،لأن كشف العورة محرم ، فلما كشفت له العورة دل على وجوبه ) .
ويعد ابن القيم المواضع التي يسقط فيها وجوب الختان : منها ( أن يولد الرجل ولا قلفة له ، وضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من التلف ، وأن يسلم الرجل كبيرا ويخشى على نفسه منه ، والموت فلا ينبغي ختان الميت باتفاق الأمة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم د أخبر أن الرجل يوم القيامة يبعث بغرلته غير مختون فليس ثمة فائدة من ختنه عند الموت ) .
وهنا يأتي دور الطب إذ يحدد أمراضا يحدد تمنع حاملها من أن يعمد إلى ختانه . منها إصابة الطفل بالتهاب الكبد الإنتاني (اليرقان) أو إذا أصابته بأحد الأمراض النزفية كالناعور أو نقص الفيتامين ك ، أو عندما يكون مصابا بأحد الأمراض المنتقلة بالجنس كالإفرنجي والإيدز ، ففي هذه الحالات يجب معالجة المولود حتى يتم شفاؤه أو إعداده بشكل يكفل سلامته قبل إجراء الختان .
وقد اتفق الجمهور على عدم ثبوت وقت معين للختان ، لكن من أوجبه من الفقهاء جعلوا البلوغ ( وقت الوجوب ) لأنه سن التكليف، لكن يستحب للولي أن يختن الصغير لأنه أرفق به.و قال النووي باستحباب الختان لسابع يوم من ولادته لما روي عن جابر رضي الله عنهما قال: ( عق رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الحسن و الحسين رضي الله عنهما و ختنهما لسبعة أيام )و إلا أن يكون ضعيفا لا يحتمله ، فيؤخره حتى يحتمله و يبقى الأمر على الندب إلى قبيل البلوغ، فإن لم يختتن حتى بلوغه وجب في حقه حينئذ. وفي هذا يقول ابن القيم : ( وعندي يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونا فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به ).
وقال النووي : ( وأما الرجل الكبير يسلم فالختان واجب على الفور إلا أن يكون ضعيفا لا يحتمله بحيث لو ختن خيف عليه فينتظر حتى يغلب الظن على سلامته ) .
يقول د.محمد علي البار أن الأبحاث الطبية أثبتت فائدة الختان العظمى في الطفولة المبكرة ابتداءً من يوم ولادته وحتى الأربعين يوماً من عمره على الأكثر ، وكلما تأخر الختان بعدها كثرت الالتهابات في القلفة والحشفة والمجاري البولية .
تابع
|