|
بوابة الفصل الأخير من
استراتيجية الصراع
بقلم
ماهر عبد الرحمن
|
هناك ما يمكن تسميته بسياسة "الجزء
الغامض" التي يحاول الكيان الصهيوني أن يجعل منها سمة تنسحب على مختلف
مراحل مشروعه السياسي والعسكري في المنطقة.
فسّر بن جوريون ذلك مرةً حين قال إن القتال من أجل قرار التقسيم الذي
صدر في العام 1947 عن الأمم المتحدة، كان ضرورياً لقيام "إسرائيل"
الراهنة (على أرض فلسطين التاريخية) بكل امتداداتها الجغرافية، فقد كان
"الجزء الغامض"من التفكير الصهيوني آنذاك هو جوهر السعي الصهيوني، وكان
إخفاؤه خلف ستائر الدبلوماسية والتكتيك السياسي المناورة الأساس لجعله
حقيقة واقعة فيما بعد. ثم تكررت هذه السياسة في محطة أساسية ثانية حين
أعلنت "إسرائيل" قبولها بالقرار 194 الخاص بحق عودة اللاجئين
الفلسطينيين كي تحصل على اعتراف الأمم المتحدة بها كـ "دولة" فيما كانت
دوائرها تعد خطة تهويد شاملة للأرض الفلسطينية تتضمن تفكيك البني
الديموجرافية الفلسطينية "النقية" ومصادرة مساحات واسعة من أراضي
الجليل، واختبار وسائل مختلفة ـ بما فيها المجازر والترهيب ـ لدفع مزيد
من الفلسطينيين المتبقين للنزوح عن ديارهم.
السياسة ذاتها كانت على الدوام تتبدى أيضاً في إدارة المعركة العسكرية
والسياسية المباشرة في الصراع العربي الصهيوني وأحداثه المفصلية… ففي
أعقاب حرب 1967، قال الكيان الصهيوني إنه لن يبقى في الكثير من الأرض
التي احتلتها قواته. وأعاد الموقف نفسه بعد عقد ونيف في حدثين الأول هو
الاجتياح الصهيوني الأول لجنوب لبنان عام 1978 حيث أطلق الصهاينة
مناورة أن هذا الاجتياح هو إجراء تكتيكي مؤقت لتحطيم بؤر الفدائيين
التي تهدد أمن "الشمال"، والثاني العملية المسماة "سلامة الجليل" التي
أشاعت "إسرائيل" أنها لن تتجاوز أكثر من أربعين كيلو متراً، بيد أن
القوات الصهيونية وصلت إلى العمق اللبناني وهددت الحدود السورية وحاصرت
العاصمة بيروت، فكان "الجزء الغامض" أبعد بكثير من المعلن، ولعل حقائقه
هي التي تحكم الآن طبائع المواجهة وتحدد اتجاهاتها.
واليوم، تقول حكومة العدو الصهيوني كل شيء عن أهدافها، ولكنها أيضاً لا
تقول شيئاً.. إنها لا تقول شيئاً بشأن أهداف عملياتها العسكرية
المباشرة ضد الشعب الفلسطيني وانتفاضته على الرغم من أن القادة
الصهاينة يسخون بالتعريفات والتسميات كـ "حقل الأشواك" و"الباب الدوار"
و"أورانيم" ويتكلمون كثيراً بالوضوح الخادع ـ بأن الهدف العسكري هو
إيجاد آلية فاعلة لـ "الردع" أو "ردع العنف الفلسطيني".. كما أنها لا
تقول شيئاً فيما يتعلق بحقيقة الهدف السياسي ومشروعه، في وقت تفصح فيه
المؤشرات والملامح عن عناوين كثيرة لهذا الهدف.
ثمة ما يمكن وصفه بالشكلانية الإخبارية في قراءة "الجزء الغامض" في
المشروع السياسي الصهيوني بمرحلته الراهنة، فالتحليلات تمشي على السطح
لتذهب إلى استنتاج الاحتمالات السياسية الإسرائيلية الظاهرة فيرى
أكثرها رواجاً، الصورة على النحو التالي:
ـ "صحيح أن شارون لا يملك اليوم مشروعاً سياسياً، أو أنه يستبعد
المشروع السياسي مؤقتاً حتى يحقق البديل العسكري الصهيوني مهمته ـ لكن
الكيان الصهيوني يريد أن يدفع بمجمل الموقف نحو تسوية مشابهة في
قواعدها لقواعد وأسلوب اتفاق أوسلو، ولكن على أساس خطة 42 بالمئة من
الأرض التي سبق أن اقترحها شارون قبل بلوغه مكتب رئاسة الوزراء في
الكيان الصهيوني".
وهناك تصور ثان بأن ما تضمره العقلية الصهيونية وترى فيه الحل الأمثل
هو صيغة ما لكيان أو لـ "دولة" مرهونة سيادتها بالاشتراطات
الاستراتيجية الإسرائيلية على أن تكون في حدود قطاع غزة، وعلى أساس
الطرح الصهيوني السياسي مؤخراً والذي أشير إليه بتعبير "غزة أولاً".
ويمكن أن نضيف إلى ذلك قراءة ثالثة رائجة تصل إلى الاستنتاج أن النقطة
الأبعد في المخطط الصهيوني وبغية حربه الحقيقية هي دفع الفلسطينيين إلى
الاستسلام لخيار إسرائيلي بحكم ذاتي فلسطيني مصغر.
ثم، أخيراً، هناك التصور الذي راج لفترة، والذي يحذر من خطة عسكرية ـ
سياسية تستهدف القيام بعملية "ترانسفير" واسعة للفلسطينيين من الضفة
والقطاع، أو كبديل عن ذلك تفكيك التشكيلات الديموجرافية الفلسطينية
بشكل يلغي أو يحد من امتلاكها مكونات اجتماعية لها هوية سياسية وتأثير
سياسي وسياق وطني على المدى البعيد، وبحيث تمر هذه الخطة تحت ظلال
عملية عسكرية واسعة تنفذ ضربات قاسمة وسريعة في الجسد الفلسطيني وقواه
المقاتلة وبناها المختلفة.
لعل مجمل الاحتمالات السابقة تشكل مجتمعة حيزاً كبيراً من خيارات الحلم
الاستراتيجي الإسرائيلي لجهة الحل الاستراتيجي الإسرائيلي أيضاً في
الضفة والقطاع، إن لم نقل إنها تتقاطع مع مساحة واسعة من المعطيات
القائمة في هذا الاتجاه، فضلاً عن أن الكثير من المؤشرات، الإسرائيلية
المصدر تؤكد تواجد جزء كبير من هذه الاحتمالات في السيناريو السياسي
للحكومة الصهيونية الراهنة في مواجهة انتفاضة شعب فلسطين وخياراته
القائمة.
لكن السؤال الذي نريد أن نطرحه هنا، هو حول قيمة كل تلك الاستنتاجات
التوصيفية، ومعنى أن تُدرك وتُقدم على أنها قراءة دقيقة "للجزء الغامض"
من المخطط الميداني والسياسي الإسرائيلية.
لقد تحول الإعلام العربي ـ في معظمه ـ إلى ما يشبه مراسلاً حربياً (إن
جاز التعبير) ينقل أخبار المواجهة ويقدمها أحياناً كتصورات واستنتاجات
لما ستؤول إليه حال الصراع، إلى جانب نقل الاحتمالات السياسية عن
المصادر الإسرائيلية على أنها تطورات واحتمالات مستقبل الصراع الأكثر
رجاحةً.
مقصد القول ومنتهاه أن المسألة ليست دائماً في توليف وإعداد حكاية
تتضمن عناصرها معطيات الحدث وحقائقه واحتمالاته ـ أي بالأسلوب الصحافي
الأمريكي المولع بتعبير وأجواء الحكاية "story" حتى حين يتعلق الأمر
بإيقاعات الفعل السياسي. ففي هذه الشكلانية والحرفية الحكائية والأسلوب
الارتجالي في ملاحقة التطورات تضيعُ الأبعاد ويختفي الجوهر لصالح
المظهر حتى وإن حاول ذلك الأخير أن يكتسي عمقاً ما.
من هنا فإن توصيف المواجهة كتصارع تفاوضي سياسي والنظر إليها بوصفها
اختبارات قوى أجندات سياسية ـ من الجانب الصهيوني على الأقل ـ أخرجَ
وما زال يخرج الكثير من القراءات عن حقيقة أن هناك حالة حرب تستهدف
الحضور الفلسطيني برمته ـ وهذه المسألة سنأتي على مناقشتها بالتفاصيل
لاحقاً.
إن للصراع الدائر بين الانتفاضة والكيان الصهيوني الآن حكايته الخاصة،
لكن أهم ما فيها لا يكمن في أحداثها المباشرة، وإنما بما يفهمه
الفلسطينيون ويدركه الإسرائيليون عن معنى الانتصار أو الهزيمة في هذه
المرحلة من المواجهة، وفي هذه المرحلة بالتحديد.
من المتيسر والممكن أن نُقدم حكاية المواجهة ـ بعناصرها المختلفة
ومعطياتها ـ في إطارها الظاهري..
ففي المشهد يقف شارون على رأس الترسانة العسكرية الصهيونية وهو يفكر
بأن تدابير الحكومة الإسرائيلية العسكرية السابقة أصابت الجيش بعطب
إضافي بدلاً من أن تسهم في خنق وتحطيم انتفاضة الأقصى، ولذلك فهو يخرج
أجندته من جيبه العسكري ويستعرض أهم نقاط وعوامل مخططه الميداني.
ـ يجب مواصلة العمل بأسلوب "الرد العنيف" (التعبير الذي أطلقه الصهاينة
على خطة توسيع مجال الهجمات العسكرية وتفعيل تأثيرها على الشعب
الفلسطيني).
ـ اللجوء إلى أسلوب الضربات المتتالية والسريعة والقاصمة باستهداف
الأجزاء الحيوية من طاقة المواجهة لدى الشعب الفلسطيني. والاستعداد،
على المدى القريب لرفع وتيرة عمليات التوغل داخل الأراضي والتجمعات
الفلسطينية، مع المحافظة على أن تأتي الهجمات العسكرية الصهيونية
بأسلوب السلسلة بمجموعات، دون فارق زمني.
ـ لابدَ أن تتزامن الخطوات السابقة مع عمليات استهداف نشطاء الانتفاضة،
ومع تشديد الحصار وتفعيل لجان المستوطنين المقاتلة، ومع كل ما يؤدي إلى
إضعاف الروح المعنوية الشعبية التي تشكل أهم عوامل استمرار الانتفاضة.
ـ وعلى هذه الصفحة الميدانية من أجندة شارون سوف تكون هناك ملاحظة
مكتوبة بخط أحمر بما يشبه النصيحة، تقول "جزئ حربك" ـ أي لتكن هذه
العمليات والهجمات العسكرية الصهيونية بمختلف الأسلحة على مراحل
متتالية تمكن من تحقيق هدف الاستنزاف الذي يسهم في تحقيقه انفراد
"إسرائيل" بالفلسطينيين وسط تواطؤ دولي وصمت عربي مطبق. (ولابد من
القول هنا إن العدو الصهيوني ينجح حتى الآن في هذا المخطط، فلعل أحداً
لم يتنبه إلى أنه لو جرى جمع الضربات العسكرية الصهيونية بكثافتها
وشدتها منذ 28 أيلول الماضي، لشكلت ما قوامه شهران من وقائع الحرب
العالمية الثانية!).
تلي هذه الورقة في أجندة شارون ورقة سياسية ودبلوماسية تتضمن في
مقدمتها أن المشروع العسكري الإسرائيلي ما زال لديه القدرة للتقدم على
الأرض دون أن ينسحب عنه الغطاء الدولي أو يتعرض لنقمة دولية، وذلك
بالطبع نتيجة للدعم السياسي الأمريكي اللامحدود بتفرعاته الدبلوماسية
والإعلامية. وعند هذه النقطة ستكون هناك عبارة مشطوبة في الأجندة وهي
تقول، "احرص على أن لا يكون شكل الفعل العسكري محرجاً للولايات
المتحدة"، إذ من الواضح أن الكيان الصهيوني أصبح أكثر اطمئناناً
لاستعداد الولايات المتحدة للذهاب في تغطية هجماته ودمويته إلى نهاية
الشوط، خاصة بعد التصريح الأخير لجورج بوش الذي أدان الفلسطينيين
والسلطة الفلسطينية بعد سلسلة من العمليات العسكرية الصهيونية
الكثيفة.. ومع أن هذا ليس سابقة في السياسة الأمريكية، إلا أن صيغة
الإدانة ووصف الشعب الفلسطيني وانتفاضته بالإرهاب الذي لا تفعل السلطة
حياله شيئاً، شكل أسطع ضوء أخضر أمريكي للحرب الصهيونية على الشعب
الفلسطيني.
في أجندة شارون السياسية أيضاً، ما يرى أنه عوامل مساعدة لمخططه
العسكري الميداني، ومن أهمها حال الانحسار العربي وجمود المواقف عند
حدود الشعارات، وتراوح المواقف العربية ما بين النأي بالنفس عن الصراع،
وبين الحضور بدور الوسيط الذي لا انتماء له لهذه المواجهة، وبين
المساهمة بشكل غير مباشر في الحصار الصهيوني للخيارات الوطنية
والسياسية الفلسطينية من خلال التزام عدم مقاطعة "إسرائيل"، ورفض البعض
ـ المتصل بها ـ مبدأ قطع الاتصالات السياسية الذي جرى إقراراه في قمة
عمان (استخدم هذا الفهم كي تجري حماية معاهدات السلام الموقعة مع
"إسرائيل" وتخليص أطرافها العربية من حال الحرج في ظل الانتفاضة)، وبين
ضخ الجهد السياسي باتجاه أميركا وحسب، كي تقوم الأخيرة بإقناع شارون
بوقف النار.
أما الاحتمالات السياسية للمشروع الصهيوني السياسي فهي لا تبدو واضحة
على أجندة شارون وشقها السياسي. ولا نعني هنا أنه ليست ثمة تصور سياسي
لمستقبل الضفة والقطاع في هذه الأجندة، ولكن من الواضح أن الحكومة
الصهيونية لا تولي أهمية لجهة طرح تصور يحمل عنوان مشروع سياسي، وذلك
لسبب أساسي يتجسد في نقطتين:
النقطة الأولى، أن حكومة العدو ترى تداخلاً كبيراً ما بين البديل
العسكري والمشروع السياسي المحتمل، أي أن المشروع السياسي هو العسكري
بذاته، والمشروع العسكري يفضي إلى الشكل السياسي المبتغى من قبل هذه
الحكومة.
النقطة الثانية، ـ كما يراها شارون ـ إن هذه المواجهة ليست معركة قابلة
للخسارة.. لأنها أولاً ليست معركة كسابقاتها في سياق الصراع، بقدر ما
هي تكثيف هو الأكبر في حكاية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني وفي الحسم
النهائي للفصل الأخير من المواجهة على تحديد المستقبل السياسي للضفة
والقطاع نهائياً. بل يمكن القول أكثر من ذلك أن العدو الصهيوني ينظر
إلى هذه المواجهة بوصفها أشبه بحرب فاصلة ستحدد نتيجتها مسار الصراع
على نحوٍ لا سابق له.
تلك هي الحكاية الظاهرة للعيان في صورة المواجهة، ولكنها ليست بمجملها
الجزء الغامض، أو لعلها لا تتضمنه تماماً. فوراء كل هذه التفاصيل
والأحداث يستحضر الكيان الصهيوني إرهابييه الأوائل وروح تعاقد علمانية
وحاخامته قبل 53 عاماً ـ لكنه ـ مدفوعاً بهاجس الخوف على الوجود، يسرع
إلى إطلاق طلقته الأخيرة، ويتعجل الوصول إلى الفصل الأخير، أو بوابة
الفصل الأخير من استراتيجية الصراع، وفي عقليته يتجسد الهدف ـ الجزء
الخفي من المواجهة: الانتصار نهائياً على الحضور والوجود الفلسطيني
وإنهاء كل حقائقه الوطنية وخياراته السياسية.
ويدرك شعب الانتفاضة بفطرته السليمة هذا البعد للمشروع الصهيوني، وذلك
هو سر قتاله العظيم وإرادته الصلبة التي لم يفت الحصار والقتل الصهيوني
من عضدها.. بيد أن للانتفاضة أيضاً جزءها الغامض ميدانياً وسياسياً
وهذا ما لا يعرفه الإسرائيليون، وما سيكون مفاجأتهم
|