المحور السياسي

 

كيسينجر وقيامة المومياء

بقلم
محمد أحمد النابلسي

 مع وصول اليمين الجمهوري المتطرف إلى البيت الأبيض بصحبة جورج ووكر بوش خرجت مومياء هنري كيسينجر من تابوتها. حيث في مرحلة أولى استعادت المومياء دورها الراديكالي الداعي صراحة للعودة إلى النظام الاستعماري.

لقد كان كيسينجر أول الأمريكيين المهددين باحتلال منابع النفط. والعودة الانتقائية للنظام الكولونيالي.
وتعاظم دور كيسينجر مع تسارع وتيرة الأزمات الأميركية بسبب 11 أيلول. فالركود الاقتصادي والتهرب من العولمة والإصرار الأميركي على الوصاية النفطية وانفجار المعارضة والفضائح في وجه ووكر بوش كانت كلها أزمات متوقعة. لكنها تفجرت بصورة متزامنة بسبب ذلك الثلاثاء.

هذه التراكمية دفعت بوش الابن للتورط في أفغانستان. وهو وحده يعرف حجم هذه الورطة وتهديداتها. فقد بدأت جرائم الحرب الأفغانية تتكشف. ولاحت في الأفق خلافات التحالف الهش الذي تمثله حكومة قرضاي الأميركية. أيضاً بدأت تتصاعد وتيرة العمليات ضد القوات الأميركية في ذلك البلد الذي لا يملك سوى فقره وذكريات حروبه وصراعاته القبلية. ولعل أكثر ما يخيف بوش في الورطة الأفغانية هو نمط حياة القرن السادس عشر الذي يعيشه الأفغان.

كيسينجر من القلائل الذين يفهمون هذه الهواجس. إذ سبق له أن عايشها في الأزمة الفيتنامية. وهو يعلم جيداً كيف يتظاهر الرؤساء بالقوة ويعرضون عضلاتهم في الوقت الذي يبحثون فيه عمن ينقذهم من ورطتهم. وها هو كيسينجر يحاول القيام بدور المنقذ. إذ بدأ يوجه الأنظار بعكس التيار السائد (ضرب العراق) بإعلانه مع فريقه بأن السعودية هي دولة معادية لأميركا وحاضنة للإرهاب. وتسويق هذه الشائعة يفتح الباب الخلفي، للهروب من ضرب العراق أمام بوش الابن.

و
يتابع كيسينجر خطته الإنقاذية عبر قنوات متعددة. إذ بدأ يتحدّث في مجالسه الخاصة – بقصد التسريب الصحفي – عن ضرورة دعم صدام حسين بوصفه القوة المحلية الوحيدة القادرة على مجابهة الخطر الإيراني. وعبر قناة أخرى تم تسريب خبر تهريب السعوديين لمبالغ تتراوح بين 150 و 200 مليار دولار من السوق الأميركية. ولتهويل الخبر يتطوع اليهودي الأخر جورج شوروش ليقول بأن تهريب السعوديين لهذه المبالغ، في الظروف المأزومة الحالية، يعادل إعلان الحرب على أميركا.

وهكذا بين المصلحة في تعويم النظام العراقي وعدم المصلحة في أذيته بسبب الأعداء السعوديين. يقدم كيسينجر مخرجاً لبوش الابن من ورطته. وهو مخرج سيكون ممهداً بعد انتخابات نوفمبر القادمة.

كيسينجر يعرف أن خطوط النفط عبر البلدان النامية لم تكن آمنة يوماً. وعليه لا يمكن الاعتماد على نفط القوقاز وأفغانستان والسودان وغيرهما. وسيبقى نفط الخليج الأكثر أمناً للأميركيين ومصالحهم. ومن هنا ضرورة انتقاء حليف خليجي قوي. وإثارة الغيرة بين المرشحين للتحالف. فإذا ما استوعب بوش دروس الأستاذ كيسينجر فإن عليه أن يهدد السعودية بالعراق وأن يستغل الاختناق العراقي للحصول على شروط أفضل.

ولكن هل يضمن هؤلاء مجتمعون أننا سوف نستمر في تخويف وتخوين وتكفير بعضنا البعض
؟. أو أن نعاود خوض حرب دموية مع إيران. الشارع العربي لم يعد مستعداً لتقبل هذه الشائعات بعد أن دفع أثماناً باهظة لشائعات شبيهة سابقة.

مع ذلك سيعمل كيسينجر جاهداً لتكرار مصالحة نيكسون للصين عبر مصالحة بوش للعراق. وإذا كانت صداقة نيكسون الصينية حلفاً مضاداً للسوفيت فإن الصداقة مع العراق هي حلف ضد إيران.

لكن السؤال الذي يحتاج لإجابة عاجلة هو: هل نسي كيسينجر موقف العرب من حلف بغداد
؟ أم أنه يعتقد أن مثل هذا الموقف لم يعد محتملاً ؟.

مهما يكن فإن كيسينجر في طريقه للدعوة إلى حلف بغداد جديد ولكن بصيغة شرق أوسطية ؟!.

شخصياً أنتمي إلى فئة معارضي مثل هذا الحلف. وهذه الفئة مثقلة بالإنهاك العراقي وحاملة للهم الفلسطيني. وهي أيضاً رافضة للانحياز الأميركي ولمعاداة العرب إجمالاً.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com