لا شك في أن اسوأ ما فعله البشر خلال
تاريخهم هو تحويلهم المال من وسيلة لقضاء حاجاتهم المادية والكيانية عن
طريق تسهيل تبادل السلع والخدمات إلى غاية قائمة بذاتها، تتجاوز الهدف
الأساسي، إن لم نقل تلغيه تماما لدى قلة من الناس الأثرياء، مما يؤدي
إلى جعله الغاية الوحيدة لمعظمهم، أي للفقراء.
وهذا هو الحاصل فعلا، الآن، وفي سائر المجتمعات البشرية بغض النظر عن
أنظمتها السياسية، لأنها كلها، وخصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، الذي
لم يلعب المال دورا أساسيا في العلاقات بين مواطنيه، باتت خاضعة
لأساليب اقتصادية واحدة، وان اختلفت طرق تطبيقها شكليا، لا جوهريا، بين
بلد وآخر.
من المؤكد أن هذه الأساليب، والفكر الذي ينهض وراءها، ليست جديدة، بل
هي موجودة منذ أن وجد البشر، وتحديدا منذ أن وجد كائن بشري يريد أن
يستغل جهود وأتعاب سواه، أو أن يحصل على ما يملكه غيره أو على أكثر مما
يملكه هذا الغير، وذلك باستخدام قوة ما، مادية ـ عسكرية أو مالية ـ
اقتصادية، ولأسباب لم يعدم الدماغ البشري يوما وسائل ابتكارها. ولكن
الجديد، والذي يمكن التأكيد على انه الصفة التي غلبت على هذا القرن
العشرين، هو "تشريع" تلك الأساليب أو جعلها من المسلمات التي لا نقاش
فيها، مما أدى إلى اعتبار النظام العالمي الجديد، أي خلاصة تلك
الأساليب الاقتصادية الخالية من أي فكر نبيل أو مبدأ إنساني، قمة من
قمم التطور وان كان في رأينا وفي رأي الكثيرين قمة من قمم التخلف.
فالمجتمعات البشرية اليوم تتألف من قلة من ذوي الثراء الفاحش وكثرة من
شبه المعدمين. أما الطبقة الوسط، التي كانت لفترة قصيرة جدا من التاريخ
البشري عاملا من عوامل الاستقرار الاجتماعي، لأنها كانت الأكثرية التي
توسطت الاقليتين، فهي تتبخر ولا يستبعد أن تشكل بداية القرن الواحد
والعشرين نهايتها المحتومة، إذا استمر النظام العالمي الجديد ووسائله
الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
فالطبقة الوسطى التي يتمتع أفرادها بدخل مالي يفوق إلى حد مقبول
حاجاتهم المادية والكيانية إلى الغذاء واللباس والمسكن والتربية
والتثقف والترفيه، الخ.. تستطيع أن تبقي المال مجرد وسيلة لقضاء تلك
الحاجات، وان تستخدم الفائض في الإنفاق على أمور غير أساسية ولكنها غير
متعارضة مع أي مبدأ إنساني أو أخلاقي، كالهوايات والسياحة وما شابه.
ولكن الحال ليست كذلك بالنسبة إلى ذوي الثراء الفاحش، والمعدمين.
فحاجات الأثرياء تشكل جزءا لا يذكر من مداخيلهم ولذلك يكرسون حياتهم
وكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة في جمع مال لا يحتاجون إليه فعلا، وغير
قادرين على إنفاقه كله أصلا، ويصير كل منهم خصما ومنافسا، أي عدوا
للآخر، وتصبح علاقاتهم الاجتماعية، المفروضة عليهم بسبب انتمائهم إلى
فئة واحدة، مجرد كذب ونفاق ومحاباة وجوه وتنافس على امتلاك ما يسترون
به عوراتهم الجسدية والروحية من ملابس وجواهر وقصور وسيارات ويخوت
وجزر. أما هواياتهم الباهظة التكاليف ففي طليعتها حفلات المجون وتعاطي
المخدرات وارتياد كازينوهات القمار حيث ينفق كل منهم في ليلة واحدة
أكثر مما يجنيه العامل المكافح طوال حياته.
وحياة العمال والموظفين والفلاحين الذين يشكلون الأكثرية الساحقة في كل
مجتمع هي عالم آخر. فمنهم يتكون الوطن، ومن جهودهم وأتعابهم تتكون
الثروة الوطنية، ولكنهم لا ينالون منها إلا ما يسد الرمق. فهم يبدأون
حياتهم العملية في العشرين، ويحاولون إنشاء عائلة وامتلاك مسكن. وما أن
ينتهوا من دفع أقساط المنزل وتأمين معيشة أولادهم وتربيتهم وتثقيفهم
وإعدادهم لبدء حياتهم العملية وإنشاء عائلاتهم، حتى يكونوا قد اشرفوا
على سن التقاعد، هذا طبعا إذا سار كل شيء على ما يرام ولم يفقد احدهم
عمله أو وظيفته، ولم يعترضه حادث صحي أو كارثة طبيعية.
أما الدولة بنظامها السياسي الديمقراطي الاقتصادي الحر فهي الشرطي الذي
ينظم سير أموال العمال والموظفين وجهودهم وأتعابهم في الطريق ذات
الاتجاه الواحد والمنتهية في خزائن الاقتصاديين الأحرار. فالجهود
والأتعاب يذهب معظمها إلى أرباب العمل لان البدل الذي يدفعونه للعمال
يشكل جزءا لا يذكر من قيمتها الحقيقية وما تضيفه إلى ثرواتهم، أما
الرواتب نفسها فتقتطع الضريبة منها قبل أن يقبضها أصحابها، وينتهي
معظمها كلما انفق عامل أو موظف أو فلاح مبلغا ما على حاجة من حاجاته.
والمصير نفسه ينتظر أموال الضرائب عندما تنفقها الدولة. ففي الاقتصاد
الحر طرق متعددة ولكنها كلها ذات اتجاه واحد وتلتقي عند نهاية واحدة هي
خزائن الاقتصاديين الأحرار وحساباتهم المصرفية.
ويبدو أن كل ذلك لا يكفيهم، فتراهم يبتكرون أساليب جديدة للنصب والسرقة
والاحتيال، وترى النظام العالمي الجديد وشرطته المنتشرين في سائر بقاع
الأرض "يشرعون" تلك الأساليب ويعملون على إقناع البشر بأنها من صميم
الاقتصاد الحر الذي لا سبيل إلى تحقيق سعادتهم ورفاهيتهم من دونه.
إن تعبير "غسل" الأموال أو "تنظيفها" ليس قديما، وعمليات الغسل
والتنظيف ارتبطت أساسا بمهربي المخدرات والمجوهرات، وبدأت طبعا في
الولايات المتحدة مثل سواها من أساليب استخدام النظام الاقتصادي الحر.
إذ كانوا وما يزالون يعمدون إلى إخراج الأموال من البلد الذي يشكل مركز
نشاطهم إلى بلد آخر ثم إعادتها باعتبارها أموالا مكتسبة في الخارج.
وهكذا تصبح "نظيفة" أي "شرعية" ويصير بالامكان استخدامها في أعمال
اقتصادية أو مشاريع تجارية. وتختلف مدة "سياحة" تلك الأموال، أي مدة
تعريضها للغسل والتنظيف باختلاف كمية القذارة والأوساخ عليها. وقد
يحتاج بعضها إلى جولة على أكثر من بلد واحد. ويقوم بتلك العمليات
اختصاصيون يلعبون دور الوسيط بين المهربين والمصارف، وبكامل علم
المصارف ومدرائها وبموافقة مبادئ الاقتصاد الحر والحكومات الساهرة على
تطبيقه، وذلك بحجة عدم الحاجة إلى التدقيق في الأموال المكتسبة في
الخارج.
ولكن عمليات الغسل والتنظيف توسعت لتشمل مجالات أخرى فرجال السياسة
يستخدمونها لتنظيف أموال الرشوة والعمولات والسمسرات التي يتقاضونها،
وكذلك يفعل كبار موظفي الحكومة. أما الاقتصاديون الأحرار فهي وسيلتهم
المضمونة عندما يشعرون أنهم على حافة الإفلاس.
ولعل اكبر وأحدث عملية غسل هي التي قام بها رجل الأعمال الاسترالي
المدعو كريستوفر سكايس. ولا شك أن القراء يعلمون تفاصيلها، لان وسائل
الأعلام قامت بتغطية إخبارها يوما بيوم، وان كانت وسائل القانون
الاسترالي والدولي قد عجزت عن منعها. فقد قام هذا الاقتصادي الحر
بتهريب مئات الملايين من الدولارات التي استدانها في استراليا إلى
مصارف أجنبية وحسابات عائلية، وقام بتهريب نفسه إلى جزيرة مايوركا
الأسبانية حيث تمارض وادعى أن القصر الفخم الذي يقيم فيه ولقمة الخبز
التي يأكلها هي مساعدات من أصدقاء له. وما أن صدر قرار المحكمة
الأسبانية برد طلب الحكومة الاسترالية باسترداده حتى استعاد صحته
وعافيته مما دفع البعض إلى ترشيحه للاشتراك في الألعاب الاولمبية
القادمة في اتلانتا من أعمال الولايات المتحدة. ولكنه لا يزال يدعي انه
يعيش على نفقة أصدقائه الذي سيساعدونه على استعادة نشاطه الاقتصادي
بإنشاء مجمع سياحي في الجزيرة اياها، بتكاليف تبلغ مئات الملايين من
الدولارات. وهو لا يعلن أسماء هؤلاء الأصدقاء، ربما لأنه يخشى أن يتدفق
طالبو المساعدات على أبوابهم فتتخبط مبادئ الاقتصاد الحر الذي يقال لنا
صباحا ومساءا أن المصلحة فيه تأتي قبل الصداقة وقبل أي نوع آخر من
العلاقات الإنسانية حتى العائلية منها.
أما الأموال الموهومة فهي دليل آخر
على ما تفتقت عنه عقول الاقتصاديين الأحرار من أساليب جني الأرباح بأقل
جهد ممكن وبوسائل لا علاقة لها بالاقتصاد نفسه من حيث كونه وسيلة لقضاء
حاجات البشر. فإلى جانب الأسهم والسندات المطروحة للتداول ظهرت في
أسواق البورصة مادة جديدة للبيع والشراء هي العقود الطويلة الأجل أو
العقود المسبقة. وهذه العقود تتناول المواد الخام كالبترول والمعادن
والمحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية.
وقد يمتد بعضها إلى أكثر من خمس أو عشر سنوات قادمة، أي أن محصول القمح
مثلا في مزرعة ما يمكن التعاقد عليه حتى قبل خمس سنوات أو أكثر من قيام
المزارع بعمليات البذر والعناية والحصاد وكذلك المال بالنسبة إلى
البترول والمعادن وسائر المنتجات الصناعية التي يمكن التعاقد عليها قبل
أن توجد فعليا أو قبل أن تستخرج من باطن الأرض أو تصنع، أي أن هذه
المواد تعطي قيمة مالية وهمية حتى قبل وجودها وقبل أن تصبح قابلة
للتداول فعلا.
أن التعاقد شأن ضروري في الاقتصاد. فالمنتج يحتاج إلى تكوين صورة
تقريبية عما تحتاجه السوق قبل أن يقرر الكمية التي سينتجها. وهذه
العملية يجب أن تتم في مدة قصيرة نسبيا (من ثلاثة اشهر إلى سنة) ثم
يعاد تقييمها بعد مدة مماثلة، إذا كان الاقتصاد على علاقة حقيقية
بالبشر المستهلكين أو إذا كان يعكس فعلا ما يسمى بالعرض والطلب. ولكن
الحاصل فعلا أن العقود الطويلة الأجل والعقود المسبقة تقطع كل علاقة
بين الاقتصاد والبشر المستهلكين، وتجعل العرض والطلب، وبالتالي تحديد
الأسعار، وقفا على التجار المتنافسين على حيازة العقود لا على المنتجين
(العارضين الفعليين) ولا على المستهلكين (الطالبين الفعليين). وتزداد
الحال سوءا عندما تطرح تلك العقود نفسها في أسواق البورصة حيث يصير
العرض والطلب عرضا وطلبا لبيع وشراء العقود لا السلع نفسها. لان العقد
يمكن تداوله عشرات المرات قبل أن يأتي تاريخ تنفيذه، أي قبل أن تصير
السلع المتعاقد عليها موجودة فعلا وقابلة للبيع والشراء، وبالتالي
الاستهلاك.
لقد تعرض واحد من اشهر واعرق المصارف البريطانية للإفلاس منذ عدة
أسابيع، وذلك نتيجة المضاربات التي قام بها احد موظفي فرعه في سنغافورة
وأدت إلى خسارة مليار من الجنيهات الإسترلينية. والملفت هنا أن القسم
الأكبر من تلك المضاربات قد جرى على عقود مسبقة لا على أسهم وسندات.
وحيث أن قيمة تلك العقود هي قيمة وهمية، أو بحسب التعبير الفلسفي
موجودة بالقوة لا بالفعل، فان خبراء الاقتصاد الحر والمحاسبة استطاعوا
تحديد قيمة الخسارة والخاسرين ولكنهم عجزوا عن تحديد كمية الربح أو
الرابحين، وهذا ليس بالأمر الغريب لان الاقتصاد الحر وأساليبه وفنونه
تجعل كل شيء ممكنا، وخصوصا وجود ربح لا بد أن تقابله خسارة ووجود خسارة
يمكن أن لا يقابلها ربح. ولكن المأساة هنا أن الربح الذي يتحقق في
الحال الأولى يعود كله إلى الاقتصاديين الأحرار، أما الخسارة فتقع في
الحاليين على رؤوس وجيوب معظم المواطنين من عمال وفلاحين وموظفين، وهم
هنا آلاف البريطانيين الذين فقدوا كل مدخراتهم المودعة في ذلك المصرف.
وهذا واحد من الأسباب الكثيرة التي تجعلنا نكره الاقتصاد الحر فهذه
الخسارة بالنسبة إلى أربابه وخبرائه وفلاسفته ومنظريه ليست سوى أرقام
تجمع وتطرح وتضرب وتقسم. ولكنها بالنسبة إلينا تمثل أكثر من ذلك بكثير.
إنها خسارة كل ساعة من ملايين ساعات العمل التي قضاها هؤلاء العمال
والموظفون، وكل حبة من ملايين حبات العرق التي تساقطت من جباهم فيما
كانوا يعملون، وكل إحساس من ملايين الأحاسيس التي ساورتهم وهم يبذلون
جهودهم من اجل تأمين معيشة أفضل لعائلاتهم.
إن الاقتصاد الحر الذي يسمح لشخص واحد، بغض النظر عن الأسباب والمبررات
والأخطاء، أن يلغي في يوم واحد كل تلك الساعات والحبات والأحاسيس، وأن
يستبدلها بمشاعر خيبة الأمل والحزن لفقدان كل شيء، هو باعتقادنا أمر
تجب إعادة النظر فيه وبأسرع وقت ممكن..