الفن المعماري

 
العمارة الإسلامية

 بقلم
مهندسة : ياسمين زكي

العمارة الإسلامية تشغل حيزا واسعا في الزمان و المكان فهي تمتد من القرن السابع الميلادي و حتى يومنا هذا (زمنيا) ، و تمتد من الشرق الأقصى في آسيا حتى الأندلس غربا (مكانيا) ، ومن أجل دراسة تاريخ العمارة الإسلامية فقد اصطُلحَ على تقسيمات جغرافية وتاريخية ( زمنية و مكانية ).
و تضم العمارة الإسلامية العديد من المدارس المختلفة على امتداد العالم ولعل من أهم هذه المدارس ( المدرسة الغربية الأندلسية )،( المدرسة البصرية الشامية )،( المدرسة الإيرانية )،( المدرسة التركية ) و ( المدرسة الهندية ) ثم الشرق الأقصى، ولكل من هذه المدارس سماتها الخاصة النابعة من ظروف البيئة و المجتمع و لكنها تدخل في إطار عام يشملها جميعا .
من ناحية التقسيم الزماني هناك تواريخ هامة :
- مولد الرسول عليه الصلاة و السلام : سنة ( 570 م ) المعروف بعام الفيل .
- الهجرة إلى المدينة المنورة : سنة (622م) وفيما بعد سيتخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا التاريخ كبداية للتقويم الهجري .
- الفترة منذ وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام و حتى تأسيس الدولة الأموية كانت معروفة باسم عصر الخلفاء الراشدين و ينتهي هذا العصر بتأسيس الدولة الأموية سنة ( 661 م ) و ينتهي حكم الأمويين سنة ( 750 م ). يلي ذلك حكم العباسيين في الدولة العباسية من ( 750 - 1258 م ) و هو تاريخ دخول المغول إلى بغداد.
و من هنا سنبدأ معا بالحديث عن العصور الأولى لتطور العمارة الإسلامية المبكرة في الدولة الأموية ثم الدولة العباسية، بعد ذلك سننتقل للحديث عن عمارة مصر الإسلامية، حيث دخلها جيوش العرب سنة ( 640 -641 ) م .
معلومة : للتحويل من التاريخ الميلادي إلى التاريخ الهجري :
م = ( هـ + 622 ) - ( هـ/ 33 )

كما نعلم أن الإسلام قد ظهر في شبه جزيرة العرب ، في بيئة صحراوية يغلب عليها طابع البداوة ، الأمر الذي دعا بعض رجال الدين إلى القول أن الجزيرة العربية في هذا الوقت كانت تعاني من فراغ معماري يذكر في ذلك الحين ، و ذلك رغم وجود آثار هامة لحضارات قديمة في شمال و جنوب شبه الجزيرة العربية .
لكن في واقع الأمر لم يبدأ التطور الحقيقي للحضارة الإسلامية إلا بعد أن قامت شعوب أخرى ذات حضارات قديمة مثل المصريين و الفرس و غيرهم باعتناق الدين الإسلامي ليصبح دينا لهم ولا شك أن العمارة الإسلامية قد ورثت الكثير من خبرات الحضارات القديمة السابقة لها ، مثلها في ذلك مثل غيرها من مراحل التطور السابقة لتبدأ مرحلة جديدة لها أساليبها الخاصة و أنواع مبانيها الجديدة و المميزة ، وكذلك لها أساليبها الإنشائية التي تميزها ، بالإضافة إلى العناصر الزخرافية و الجمالية .
ويمكن القول أن النشاط المعماري في الدول الإسلامية بدأ مع هجرة الرسول الكريم "عليه الصلاة و السلام" إلى المدينة المنورة لتأسيس دولة لها، و ذلك حين بنى عليه السلام مسجده و منزله، و رغم بساطة البناء إلا أن تصميم المسجد الأول في المدينة كان على أرجح الأقوال هو الأساس الذي أثر على ما هو معروف باسم ( التصميم التقليدي للمسجد ) .
بالنسبة لتصميم مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم ، فهو بناء متسع طول ضلعه 100 ذراع ، و في الجانب الشرقي 9 غرف أو 9 بيوت لزوجات الرسول عليه السلام ، و في الجزء الشمالي حينما كانت القبلة نحو بيت المقدس كان هناك صَدفة يقف تحتها المصلون للحماية من الشمس، و مع تحويل القبلة أصبحت الصَدفة في الجهة الجنوبية في اتجاه مكة المكرمة ، و بذلك يتكون التصميم التقليدي للمسجد من ( الفناء المكشوف و الأروقة ) ، و ذلك من أقوال المؤرخين.


التاريخ الحقيقي لتطور العمارة الإسلامية من عصر الدولة الأموية و قد اتخذ الأمويون دمشق عاصمة لهم، ومنطقة الشام ذات تراث معماري عريق ، وبالتالي يبدأ ظهور نشاط معماري مميز في منطقة الشام ، وأقدم الآثار الإسلامية التي نعرفها هي المبنى المعروف باسم " قبة الصخرة " في بيت المقدس و المبنية في عصر الخليفة الأموي " عبد الملك بن مروان " حوالي سنة ( 684 - 690 م ) أي في سنة ( 72 هـ ) وبها أقدم التسجيلات التاريخية عن العمائر الإسلامية .
" قبة الصخرة " عبارة عن فناء مثمن منتظم و له أربعة مداخل في الاتجاهات الأصلية الأربعة و يتوسط الفناء قبة قطرها حوالي ( 20 متر ) تعلو الصخرة، والقبة الخشبية مزدوجة و بها ( 16 نافذة ) محمولة على عقود مدببة ، و ترتكز على ( 4 أكتاف ) بين كل كتفين ثلاثة أعمدة تشكل الدائرة التي ترتكز عليها القبة و تحيط بالصخرة و التي تبلغ أبعادها حوالي ( 13 × 18 م ) و متوسط ارتفاعها عن سطح الأرض حوالي ( 1.5 م ) ، و بين الحائط الخارجي و الدائرة الخارجية يوجد مثمن يتكون من ثمان أكتاف بين كل كتفين عموديين ، فيتكون بذلك ممران يحيطان بالدائرة الداخلية و الممران مغطيان بسقف خشبي مائل إلى الخارج ، كما يزدان مبنى قبة الصخرة من الداخل بزخارف الفسيفساء ، وهنا نرى أن التأثير البيزنطي واضح في التكوين العام للمبنى و أيضا في التفاصيل الزخرفة بالفسيفساء ، لكن التكوين يغلب عليه الطابع الإسلامي ، ونجد أن القبة الخشبية مغطاة بصفائح من النحاس اللامع .
في حوالي سنة ( 707 م ) بنى الخليفة الأموي " الوليد بن عبد الملك " الجامع الأموي الكبير في دمشق ، المبنى في مسقطه الأفقي مستطيل يتوسطه فناء داخلي مكشوف يحيط به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة .
رواق القبلة في المسجد الأموي مقسم إلى ثلاثة أجزاء على محور القبلة يوجد مجاز قاطع و مدخل رواق القبلة من الصحن مكون من ثلاثة عقود ( مدخل ثلاثي ) و قد كانت الأسطح الداخلية للمسجد مكسوة بألواح من الرخام وكذلك بالفسيفساء الملونة ، و من أشهر الأجزاء التي بقيت من زخارف الفسيفساء الموجودة في المسجد الأموي ، الزخارف المعروفة باسم ( مصورة نهر بردي ) .
المسجد الأموي له ثلاث مآذن ، مأذنتان في ركني حائط القبلة ( المأذنة الغربية و مأذنة عيسى ) ، و في منتصف الحائط الشمالي مأذنة العروس - هذه المأذنة مجددة و ليست من عصر الدولة الأموية .
سنجد أن عمارة المسجد الأموي في دمشق سيكون لها تأثير كبير في عمارة المساجد على امتداد الحضارة الإسلامية .
من الآثار الهامة التي ترجع أيضا إلى عصر الدولة الأموية مبنى صغير موجود على بعد حوالي ( 50 ميل ) شرق مدينة عمان ( الأردن ) - بادية الشام - ، المبنى الصغير معروف باسم ( قصير عمر ) وكان من المرجح أنه يستخدم كاستراحة عند الخروج للصيد في الصحراء ، المبنى عبارة عن صالة أبعادها (7.5 × 8.5 م ) مقسومة إلى ثلاثة أقسام بواسطة عقدين مدببين و السقف عبارة عن ثلاثة أقبية ترتكز على الحوائط وعلى العقود ، المدخل في الجهة الشمالية ، و في الجهة الجانبية من الصالة توجد غرفة على جانبيها غرفتان .. و في الجزء الشرقي للصالة يوجد مدخل يؤدي إلى حمام مكون من ثلاثة أجزاء ، غرفة باردة مغطاة بقبو مستمر و غرفة دافئة مغطاة بقبو متقاطع و الغرفة الساخنة مغطاة بقبة محمولة على مثلثات كروية .
حوائط ( قصير عمر ) من الداخل تزدان بزخارف الفرسكو ( و هو الرسم على البياض قبل أن يجف ) ، و الرسوم الموجودة في قصير عمر لها أهمية خاصة في تاريخ الفن الإسلامي ، فهي ترجع إلى القرن الأول الهجري و تزدان بصور الأشخاص و الحيوانات و الطيور و قبة الغرفة الساخنة مزينة برسم لدائرة الفلك.
يوجد في بادية الشام مبنى يشابه تماما بمبنى قصير عمر ، و هو المبنى المعروف باسم ( حمام الصرح ) و هو أيضا يتكون من 3 غرف مغطاة بأقبية مستمرة .
لكن الاختلاف أن : في قصير عمر الحوائط الجانبية على هيئة نصف دائرة بينما في حمام الصرح الزوايا قائمة .

السمات العامة للعمارة الإسلامية المبكرة في عصر الدولة الأموية :
- نلحظ أن معظم آثار هذه الفترة تتركز في منطقة الشام ، بحكم أن العاصمة في دمشق و بالتالي الاهتمام بمنطقة الشام .
- كذلك سيادة استخدام الحجر المنحوت كمادة بناء أساسية و ذلك لوفرة الحجارة الجيدة الصالحة لأعمال البناء في منطقة الشام و الخبرات المتوارثة في البناء بالحجر .
- استخدام العقود المحمولة على أعمدة رخامية ، و استخدام الأسقف الخشبية المائلة .
- استخدام الأقبية و القباب في الأسقف و التي كانت تبنى من الحجر أو الطوب ، و تحمل القباب على مناطق انتقالية عبارة عن مثلثات كروية ، واستخدام أشكال مختلفة من العقود ( عقود نصف دائرية - عقود مدببة - عقود مستقيمة ) .
- استخدام الشدادات لحمل العقود ( Beams ) .
- و من الملامح الهامة أيضا ، وضوح التقسيم الهندسي في المسقط الأفقي .

الزخارف المستخدمة من مواد مختلفة ابتداء من رسوم الفرسكو وزخارف الفسيفساء و كسوة الحوائط ببلاطات الرخام ، و الزخارف مزيج من تأثيرات البيزنطية و الفارسية و المصرية .. لكن التأثير القوى و السائد هو البيزنطي .
كما تميزت هذه الفترة ببناء بعض القصور الصغيرة في الصحاري ، و كانت مآذن الجوامع و المساجد عبارة عن أبراج مربعة طويلة .

إلى هنا نتوقف لنستكمل معاً في العدد القادم من مجلة سطر المعرفة بقية التاريخ المعماري الإسلامي عبر العصور المتعاقبة بإذن الله .


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com