العمارة الإسلامية تشغل حيزا واسعا في الزمان و
المكان فهي تمتد من القرن السابع الميلادي و حتى يومنا هذا (زمنيا) ، و
تمتد من الشرق الأقصى في آسيا حتى الأندلس غربا
(مكانيا) ، ومن أجل دراسة تاريخ العمارة
الإسلامية فقد اصطُلحَ على تقسيمات جغرافية وتاريخية ( زمنية و مكانية
).
و تضم العمارة الإسلامية العديد من المدارس المختلفة على امتداد العالم
ولعل من أهم هذه المدارس ( المدرسة الغربية الأندلسية )،( المدرسة
البصرية الشامية )،( المدرسة الإيرانية )،( المدرسة التركية ) و (
المدرسة الهندية ) ثم الشرق الأقصى، ولكل من هذه المدارس سماتها الخاصة
النابعة من ظروف البيئة و المجتمع و لكنها تدخل في إطار عام يشملها
جميعا .
من ناحية التقسيم الزماني هناك تواريخ هامة :
- مولد الرسول عليه الصلاة و السلام : سنة ( 570 م ) المعروف بعام
الفيل .
- الهجرة إلى المدينة المنورة : سنة (622م) وفيما بعد سيتخذ عمر بن
الخطاب رضي الله عنه هذا التاريخ كبداية للتقويم الهجري .
- الفترة منذ وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام و حتى تأسيس الدولة
الأموية كانت معروفة باسم عصر الخلفاء الراشدين و ينتهي هذا العصر
بتأسيس الدولة الأموية سنة ( 661 م ) و ينتهي حكم الأمويين سنة ( 750 م
). يلي ذلك حكم العباسيين في الدولة العباسية من ( 750 - 1258 م ) و هو
تاريخ دخول المغول إلى بغداد.
و من هنا سنبدأ معا بالحديث عن العصور الأولى لتطور العمارة الإسلامية
المبكرة في الدولة الأموية ثم الدولة العباسية، بعد ذلك سننتقل للحديث
عن عمارة مصر الإسلامية، حيث دخلها جيوش العرب سنة ( 640 -641 ) م .
معلومة : للتحويل من التاريخ الميلادي إلى التاريخ الهجري :
م = ( هـ + 622 ) - ( هـ/ 33 )
كما نعلم أن الإسلام قد ظهر في شبه جزيرة العرب ، في بيئة صحراوية يغلب
عليها طابع البداوة ، الأمر الذي دعا بعض رجال الدين إلى القول أن
الجزيرة العربية في هذا الوقت كانت تعاني من فراغ معماري يذكر في ذلك
الحين ، و ذلك رغم وجود آثار هامة لحضارات قديمة في شمال و جنوب شبه
الجزيرة العربية .
لكن في واقع الأمر لم يبدأ التطور الحقيقي للحضارة الإسلامية إلا بعد
أن قامت شعوب أخرى ذات حضارات قديمة مثل المصريين و الفرس و غيرهم
باعتناق الدين الإسلامي ليصبح دينا لهم ولا شك أن العمارة الإسلامية قد
ورثت الكثير من خبرات الحضارات القديمة السابقة لها ، مثلها في ذلك مثل
غيرها من مراحل التطور السابقة لتبدأ مرحلة جديدة لها أساليبها الخاصة
و أنواع مبانيها الجديدة و المميزة ، وكذلك لها أساليبها الإنشائية
التي تميزها ، بالإضافة إلى العناصر الزخرافية و الجمالية .
ويمكن القول أن النشاط المعماري في الدول الإسلامية بدأ مع هجرة الرسول
الكريم "عليه الصلاة و السلام" إلى المدينة المنورة لتأسيس دولة لها، و
ذلك حين بنى عليه السلام مسجده و منزله، و رغم بساطة البناء إلا أن
تصميم المسجد الأول في المدينة كان على أرجح الأقوال هو الأساس الذي
أثر على ما هو معروف باسم ( التصميم التقليدي للمسجد ) .
بالنسبة لتصميم مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم ، فهو بناء متسع طول
ضلعه 100 ذراع ، و في الجانب الشرقي 9 غرف أو 9 بيوت لزوجات الرسول
عليه السلام ، و في الجزء الشمالي حينما كانت القبلة نحو بيت المقدس
كان هناك صَدفة يقف تحتها المصلون للحماية من الشمس، و مع تحويل القبلة
أصبحت الصَدفة في الجهة الجنوبية في اتجاه مكة المكرمة ، و بذلك يتكون
التصميم التقليدي للمسجد من ( الفناء المكشوف و الأروقة ) ، و ذلك من
أقوال المؤرخين.

التاريخ الحقيقي لتطور العمارة الإسلامية من عصر الدولة الأموية و قد
اتخذ الأمويون دمشق عاصمة لهم، ومنطقة الشام ذات تراث معماري عريق ،
وبالتالي يبدأ ظهور نشاط معماري مميز في منطقة الشام ، وأقدم الآثار
الإسلامية التي نعرفها هي المبنى المعروف باسم " قبة الصخرة " في بيت
المقدس و المبنية في عصر الخليفة الأموي " عبد الملك بن مروان " حوالي
سنة ( 684 - 690 م ) أي في سنة ( 72 هـ ) وبها أقدم التسجيلات
التاريخية عن العمائر الإسلامية .
" قبة الصخرة " عبارة عن فناء مثمن منتظم و له أربعة مداخل في
الاتجاهات الأصلية الأربعة و يتوسط الفناء قبة قطرها حوالي ( 20 متر )
تعلو الصخرة، والقبة الخشبية مزدوجة و بها ( 16 نافذة ) محمولة على
عقود مدببة ، و ترتكز على ( 4 أكتاف ) بين كل كتفين ثلاثة أعمدة تشكل
الدائرة التي ترتكز عليها القبة و تحيط بالصخرة و التي تبلغ أبعادها
حوالي ( 13 × 18 م ) و متوسط ارتفاعها عن سطح الأرض حوالي ( 1.5 م ) ،
و بين الحائط الخارجي و الدائرة الخارجية يوجد مثمن يتكون من ثمان
أكتاف بين كل كتفين عموديين ، فيتكون بذلك ممران يحيطان بالدائرة
الداخلية و الممران مغطيان بسقف خشبي مائل إلى الخارج ، كما يزدان مبنى
قبة الصخرة من الداخل بزخارف الفسيفساء ، وهنا نرى أن التأثير البيزنطي
واضح في التكوين العام للمبنى و أيضا في التفاصيل الزخرفة بالفسيفساء ،
لكن التكوين يغلب عليه الطابع الإسلامي ، ونجد أن القبة الخشبية مغطاة
بصفائح من النحاس اللامع .
في حوالي سنة ( 707 م ) بنى الخليفة الأموي " الوليد بن عبد الملك "
الجامع الأموي الكبير في دمشق ، المبنى في مسقطه الأفقي مستطيل يتوسطه
فناء داخلي مكشوف يحيط به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة .
رواق القبلة في المسجد الأموي مقسم إلى ثلاثة أجزاء على محور القبلة
يوجد مجاز قاطع و مدخل رواق القبلة من الصحن مكون من ثلاثة عقود ( مدخل
ثلاثي ) و قد كانت الأسطح الداخلية للمسجد مكسوة بألواح من الرخام
وكذلك بالفسيفساء الملونة ، و من أشهر الأجزاء التي بقيت من زخارف
الفسيفساء الموجودة في المسجد الأموي ، الزخارف المعروفة باسم ( مصورة
نهر بردي ) .
المسجد الأموي له ثلاث مآذن ، مأذنتان في ركني حائط القبلة ( المأذنة
الغربية و مأذنة عيسى ) ، و في منتصف الحائط الشمالي مأذنة العروس -
هذه المأذنة مجددة و ليست من عصر الدولة الأموية .
سنجد أن عمارة المسجد الأموي في دمشق سيكون لها تأثير كبير في عمارة
المساجد على امتداد الحضارة الإسلامية .
من الآثار الهامة التي ترجع أيضا إلى عصر الدولة الأموية مبنى صغير
موجود على بعد حوالي ( 50 ميل ) شرق مدينة عمان ( الأردن ) - بادية
الشام - ، المبنى الصغير معروف باسم ( قصير عمر ) وكان من المرجح أنه
يستخدم كاستراحة عند الخروج للصيد في الصحراء ، المبنى عبارة عن صالة
أبعادها (7.5 × 8.5 م ) مقسومة إلى ثلاثة أقسام بواسطة عقدين مدببين و
السقف عبارة عن ثلاثة أقبية ترتكز على الحوائط وعلى العقود ، المدخل في
الجهة الشمالية ، و في الجهة الجانبية من الصالة توجد غرفة على جانبيها
غرفتان .. و في الجزء الشرقي للصالة يوجد مدخل يؤدي إلى حمام مكون من
ثلاثة أجزاء ، غرفة باردة مغطاة بقبو مستمر و غرفة دافئة مغطاة بقبو
متقاطع و الغرفة الساخنة مغطاة بقبة محمولة على مثلثات كروية .
حوائط ( قصير عمر ) من الداخل تزدان بزخارف الفرسكو ( و هو الرسم على
البياض قبل أن يجف ) ، و الرسوم الموجودة في قصير عمر لها أهمية خاصة
في تاريخ الفن الإسلامي ، فهي ترجع إلى القرن الأول الهجري و تزدان
بصور الأشخاص و الحيوانات و الطيور و قبة الغرفة الساخنة مزينة برسم
لدائرة الفلك.
يوجد في بادية الشام مبنى يشابه تماما بمبنى قصير عمر ، و هو المبنى
المعروف باسم ( حمام الصرح ) و هو أيضا يتكون من 3 غرف مغطاة بأقبية
مستمرة .
لكن الاختلاف أن : في قصير عمر الحوائط الجانبية على هيئة نصف دائرة
بينما في حمام الصرح الزوايا قائمة .
السمات العامة للعمارة الإسلامية المبكرة في عصر الدولة الأموية :
- نلحظ أن معظم آثار هذه الفترة تتركز في منطقة الشام ، بحكم أن
العاصمة في دمشق و بالتالي الاهتمام بمنطقة الشام .
- كذلك سيادة استخدام الحجر المنحوت كمادة بناء أساسية و ذلك لوفرة
الحجارة الجيدة الصالحة لأعمال البناء في منطقة الشام و الخبرات
المتوارثة في البناء بالحجر .
- استخدام العقود المحمولة على أعمدة رخامية ، و استخدام الأسقف
الخشبية المائلة .
- استخدام الأقبية و القباب في الأسقف و التي كانت تبنى من الحجر أو
الطوب ، و تحمل القباب على مناطق انتقالية عبارة عن مثلثات كروية ،
واستخدام أشكال مختلفة من العقود ( عقود نصف دائرية - عقود مدببة -
عقود مستقيمة ) .
- استخدام الشدادات لحمل العقود ( Beams ) .
- و من الملامح الهامة أيضا ، وضوح التقسيم الهندسي في المسقط الأفقي .
الزخارف المستخدمة من مواد مختلفة ابتداء من رسوم
الفرسكو وزخارف الفسيفساء و كسوة الحوائط ببلاطات الرخام ، و الزخارف
مزيج من تأثيرات البيزنطية و الفارسية و المصرية .. لكن التأثير القوى
و السائد هو البيزنطي .
كما تميزت هذه الفترة ببناء بعض القصور الصغيرة في الصحاري ، و كانت
مآذن الجوامع و المساجد عبارة عن أبراج مربعة طويلة .
إلى هنا نتوقف لنستكمل معاً في العدد القادم من
مجلة سطر المعرفة بقية التاريخ المعماري الإسلامي عبر العصور المتعاقبة
بإذن الله .