ظواهر

 

ظاهرة تشغيل الأطفال

بقلم
مهندس :احمد رضا زكي

 تعد ظاهرة عمالة الصغار من الظواهر المستحدثة التي بدأت طريقها إلى مجتمعنا العربي لتصبح مشكلة تضاف إلى مشكلاتنا المستعصية التي تحتاج إلى حل حاسم وسريع، فالمشكلة تتفاقم يوما بعد يوم بلا ضابط ولا رابط، ويدل على ذلك الإحصاءات الرسمية للعمالة والتي توضح ارتفاع نسبة أعداد الأطفال العاملين ولا سيما في المرحلة العمرية من 6 إلى 12 سنة .
في الآونة الأخيرة بدأت تنتشر وتتوسع في المجتمع العربي ظاهرة تشغيل الأطفال التي أصبحت تترك أثارا سلبية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، ولقد أخذ هذا الاستغلال أشكالا عديدة أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين جسديا ونفسانيا للقيام بها ، علما أن العديد من الاتفاقيات الدولية قد جرمت بدورها الاستغلال الاقتصادي للأطفال ومنها (اتفاقية حقوق الطفل) .
لذا فإن هذه الزيادة المضطردة تدعو إلى الانتباه إليها ليس فقط لأنها مشكلة إنسانية بل لأنها تمس أطفالنا وهم عتادنا إلى المستقبل، وتضيف أعداد جديدة إلى الأميين، حيث أن هؤلاء الأطفال هم الفئة المتسربة من التعليم، وتزيد أعداد الأفراد ذوي البنية الضعيفة لما لها من آثار صحية تنعكس على الأطفال لكونهم يعيشون في بيئة صحية غير سليمة لا تتناسب مع أعمارهم الصغيرة، بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية والنفسية التي تسببها هذه الظاهرة الخطيرة.
و في مصر على سبيل المثال تم سن قانون تشريعي يمنع العمالة للأطفال حتى سن 12 عام، و رغم ذلك نجد أن الواقع تغلب على القانون في أحوال كثيرة، و نجد العمالة الصغيرة لا تزال منتشرة.

لذا يجب أن نتعرف على مفهوم عمالة الأطفال لدى علماء علم الاجتماع و الباحثين و القائمين على الدراسات السكانية و القوى العاملة :
مفهوم عمالة الأطفال
تنقسم إلى قسمين الأول سلبي والثاني إيجابي:
مصطلح عمالة الأطفال السلبي: هو العمل الذي يضع أعباء ثقيلة على الطفل، العمل الذي يهدد سلامته وصحته ورفاهيته، العمل الذي يستفيد من ضعف الطفل وعدم قدرته عن الدفاع عن حقوقه، العمل الذي يستغل عمالة الأطفال كعمالة رخيصة بديلة عن عمل الكبار، العمل الذي يستخدم وجود الأطفال وألا يساهم في تنميتهم، العمل الذي يعيق تعليم الطفل وتدريبه ويغير حياته ومستقبله.
مصطلح عمالة الأطفال الإيجابي: يتضمن هذا التعريف كافة الأعمال التطوعية أو حتى المأجورة التي يقوم الطفل بها والمناسبة لعمره وقدراته، ويمكن أن يكون لها أثارا إيجابية تنعكس على نموه العقلي والجسمي والذهني، وخاصة إذا قام به الطفل باستمتاع والحفاظ على حقوقه الأساسية لأن من خلال العمل يتعلم الطفل المسؤولية والتعاون والتسامح.
لا بد من النظر بعين الاعتبار إلى أن عمالة الأطفال ليست بسبب اقتصادي فقط وإنما لوجود قضايا ثانوية أخرى منها الطبقة الاجتماعية التي ينتمي لها الطفل، وفي بعض المجتمعات النامية دائما يقولون أن الأطفال الفقراء لهم الحق أن يعملوا لأنهم فقراء علما انه لا يوجد أحد يعترف بحق هؤلاء الأطفال بالأجر المناسب للطاقة التي يبذلونها.
فالمستوى الثقافي و الاجتماعي للأسرة يؤثر بشكل مباشر على تواجد هذه الظاهرة الخطيرة في المجتمعات، و مشكلة الفقر و التي تحتل قمة المؤثرات في المجتمعات الفقيرة و النامية، حيث لا يستطيع رب الأسرة إعالة أسرته فيتم السماح للأبناء ( الأطفال ) بالعمل للمساعدة في زيادة دخل الأسرة، و أحيانا إجبارهم على العمل ، أيضا نجد أن قلة المدارس و سوء التوزيع الخدمي في المجاورات و كذلك غياب التعليم الإلزامي يزيد من تفشي هذه الظاهرة . النظام التعليمي السائد الذي يسبب ترك المدرسة مثل سوء معاملة المعلمين أو الخوف منهم ، عدم الرغبة بالدراسة ، عدم المقدرة على النجاح في الدراسة ، قد يكون توقيت الدراسة غير متناسب مع أوقات عمل الأطفال ( كما في الزراعة مثلا) قد يكون موقع المدرسة بعيدا بالنسبة للأطفال ، الفتيات بشكل خاص، وقد يضاعف من هذه المشكلة فقدان تسهيلات نقل الأطفال في المناطق النائية . . بالإضافة إلى العنصرية و التي تنتشر في الكثير من البلاد . و الاستعمار له دور كبير في انتشار هذه الظاهرة تبعا للأزمات الاقتصادية التي تنتج عنه و الأعباء المادية و النفسية ( كما في المجتمع الفلسطيني )، وما سيكون عليه الحال في المجتمع العراقي إن استمرت الاحتلال لها.
و عن الحديث عن هذه المشكلة في فلسطين، وجدت دراسة إحصائية توضح مدى انتشار هذه الظاهرة هناك : يقدر عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من 5-17 سنة في الأراضي الفلسطينية عام 1998 حوالي 1.25900 طفل أي بنسبة 34.6% من مجموع السكان . أي ما يعادل حوالي 43.90 طفلا كما أن من بينهم حوالي 82.8% يعملون وعددهم 24900 والباقي يبحثون عن عمل ومستعدون له وعددهم 7260 طفل وذلك بالاستناد إلى منهجية مسح القوى العاملة في فلسطين لسنة 1999م ، و بالطبع نعلم الأسباب الرئيسية لتفشي الظاهرة في فلسطين و يأتي على رأسها الاحتلال كما ذكرنا سابقا .
من خلال قراءتي في إحدى الصحف اليومية ، قرأت مقالا يتحدث حول نفس الموضوع و لكن بالنسبة لأطفال البرازيل و كيف أن هؤلاء الأطفال - و يطلقون عليهم أطفال الشوارع - أنه يتم معاملتهم معاملة الكلاب الضالة، يتم ضربهم و إزاحتهم بالأقدام و سبهم و يصل الأمر أحيانا إلى قتلهم ! و كيف أنهم يعانون من مشاكل صحية و نفسية و اقتصادية ، و معاناة كبيرة من التزايد المستمر لأعداد الأطفال العاملين دون السن القانون و كذلك الأطفال المتسكعون في الشوارع .
النتائج السلبية الملحوظة و التي تترتب على عمالة الأطفال بالنسبة لهؤلاء الأطفال:
نتاج فكري و معرفي، حيث ينتج عن ترك الدراسة قلة المعرفة و بازدياد العمل و البعد عن المذاكرة تتأثر قدرتهم على القراءة و الكتابة و الحساب و اللغة، بالإضافة إلى انهيار الجانب الإبداعي. و نتاج بدني و جسدي حيث تتأثر صحة الطفل و تتدهور سريعا، من حيث ضعف البصر و السمع تدريجيا، و حدوث كدمات و جروح و إصابات لا تجد لها العلاج و الرعاية المناسبة.
النتاج الشعوري لدى الطفل، حيث يحرم من أهم حقوقه و أبسطها وهى الأمان والرعاية الأسرية، فيضطر أحيانا للمبيت خارج المنزل ( في ورشة العمل ) ولا ينعم بما يتمتع به غيره من الأطفال من ملبس نظيف و مسكن نظيف و مأكل صحي فهو يفقد بذلك حقوقه الأساسية كإنسان، كذلك المعاملة السيئة و التي يتعرض لها الطفل من صاحب العمل و الذي يتعامل بقسوة و شدة مع الطفل يسبب مشكلات نفسية عديدة لدى الأطفال، و يؤثر ذلك تبعيا في أخلاقهم و سلوكهم حيث تتولد بعد ذلك ظاهرات أخرى كالعنف في الأطفال.
و إذا تطرقنا إلى القوانين والتشريعات الدولية و كذلك منظمة حقوق الإنسان نجد أن : تنص القوانين والتشريعات الدولية والمحلية الخاصة بتشغيل الأطفال على منع تشغيل الأطفال أكثر من ست ساعات عمل يوميا للأطفال الذين أعمارهم 15 عاما فأكثر.
أما الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ذلك فلا يجوز تشغيلهم بأي حال من الأحوال ومع هذا لا يتم التقييد بتلك القوانين في أغلب الأحيان ولقد أبرزت النتائج أن 57.2% من الأطفال العاملين يعملون أكثر من 6 ساعات عمل يوميا ، إضافة إلى عدم حصول هؤلاء الأطفال على أجر مناسب للطاقة التي يبذلونها .
من تقرير لمنظمة الأمم المتحدة، حذَّرت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الأمومة والطفولة اليونيسيف في 17/6/2000 م من تزايد ظاهرة عمالة الأطفال وسوء استغلالهم في مناطق كثيرة على مستوى العالم، خاصة في الدول النامية في قارتي آسيا وإفريقيا، مشيرة إلى أن منظمة العمل الدولية لا تزال تقاوم هذه الظاهرة بشدة.
وكشف تقرير وَزَّعَه المقر الإقليمي لليونيسيف في القاهرة يوم 17/6/2000م أنه طبقًا لإحصائيات منظمة العمل الدولية، فإن 250 مليون طفل بين سن الخامسة إلى الرابعة عشرة يعملون في الدول النامية بمعدل طفل بين كل أربعة أطفال، وأن نصف هؤلاء الأطفال يعملون طوال اليوم.
وأوضح التقرير أن مشكلة عمالة وتشغيل الأطفال مشكلة عالمية تُشَكِّل انتهاكًا خطيرًا لحقوق الطفل، وأنه بالرغم من أن أنواع العمل وظروفه تختلف من مكان إلى آخر إلا أن هناك الكثير من الأطفال يعملون في أوضاع استغلالية خطيرة، ويحرمون من فرص التعليم، ومن التمتع بالنمو السليم. وأرجع التقرير تشغيل الأطفال إلى تفشي الفقر والحرمان من حق التعليم، الأمر الذي يؤدي إلى وقوع الطفل في شَرَك العمل للمحافظة على البقاء.
وذكر التقرير أن ما يتراوح بين 150 إلى 200 مليون طفل - معظمهم من البنات - يعملون دون أجر لدى عائلاتهم. ويشكل الأطفال العاملون في آسيا نسبة 60% ، وفي إفريقيا نسبة 32%، وفي أمريكا اللاتينية نسبة 7%.
بينما تشير بعض التقارير إلى أن بعض المناطق تكاد تخلو من هذه الظاهرة مثل أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا، كما لا يوجد لها وجود على الإطلاق في مناطق أخرى من العالم مثل اليابان والصين إلا أنه يجب النظر بحذر إلى الإحصاءات التي تتعرض لمثل هذه الظاهرة نظرا لعدم توحيد أسلوب الإحصاء المستخدم على مستوى العالم، فالإحصاءات تختلف فيما بينها من حيث بداية المرحلة العمرية، فبعض الدول تبدأ إحصاءها من مرحلة الست سنوات والبعض الآخر يبدأها من سبع سنوات أو ثماني سنوات كما تختلف أيضا في المرحلة التي تنتهي عندها ذلك الإحصاء فينتهي أحيانا عند 12 عاما أو 15 عاما.
و من هنا وضعت خطة كمحاولة جديدة من قِبل البرنامج الدولي التابع لمنظمة العمل الدولية للقضاء علي ظاهرة عمل الأطفال من مقرة في جنيف من أجل حماية هؤلاء الأطفال العاملين خاصة في الدول النامية‏.
وهذه الخطوة تتمثل في مبادرة تهدف إلي الإسراع بتحرير ملايين الأطفال العاملين من أسوأ أشكال العمالة في مهن تتسم بالخطورة أما علي حياتهم أو علي صحتهم ، وقد بدأت هذه المبادرة في ثلاثة بلدان هي‏:‏ تنزانيا‏,‏ ونيبال‏,‏ والسلفادور في فترة زمنية لا تتجاوز ‏10‏ سنوات للقضاء علي أسوأ أشكال عمالة الأطفال في هذه الدول تمهيدا إلي القضاء نهائيا علي عمالة الأطفال ـ بكل أنواعها ـ في هذه البلدان ‏.‏
وأسوأ أشكال العمالة التي تقصدها المبادرة هي المهن الخطيرة التي يضطر الأطفال ـ لسبب أو لآخر ـ لامتهانها مثل‏:‏ العمل في المناجم‏,‏ والمحاجر‏,‏ ومصانع الاسمنت‏,‏ والزجاج‏,‏ ومحارق الفخار‏,‏ والبلاستيك لما تشكله هذه المهن من خطورة علي صحة هؤلاء الأطفال والتي قد تؤدي بدورها بحياتهم‏.‏
وهذه المبادرة تتضمن برامج ملزمة لهذه البلدان بوقف استخدام الأطفال فورا في هذه المهن والأعمال،‏ ومن ثَم توقيع عقوبة في حالة الخروج عن هذه البرامج‏.‏
ولأن فكرة المبادرة جديدة‏‏ فانه من المتوقع انضمام العديد من الدول لها خلال العامين المقبلين حيث أن هناك العديد من البلدان التي أيدت ورحبت بهذه المبادرة‏.‏
علينا أن ندعو للقيام بإعداد دراسات تتجه نحو تحقيق أهداف مدروسة، و ذلك بوضع تصور ابتدائي للمشكلة وعمل مسح شامل عن جميع الدراسات و الإحصاءات السابقة و النظر للمشكلة نظرة واقعية غير مبالغة أو ناقصة، و دراسة واقع الظاهرة من خلال التشريعات و القوانين، و التعرف على الآثار السلبية الناجمة عن تلك الظاهرة بجميع أبعادها، تحديد طبيعة الاستغلال الواقع على هؤلاء الصغار مهما كان هذا الاستغلال نابعا من الأسرة أو صاحب العمل أو نوعية العمل نفسه أو المجتمع ككل ، دراسة متطلبات التنمية ووسائل زيادة دخل الأسرة و كذلك دراسة نظم التعليم و الظروف البيئية المحيطة .


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com