ثبت أن الهجرة هي سنة حياتية رافقت
كل العصور البشرية وقد أدت نتائجها إلى ثورات إصلاحية وتغييرات جوهرية
في المجتمعات المنحرفة، واستحداث مجتمعات جديدة و أعمار الأرض
وإصلاحها.
وهكذا بقيت هذه السنّة تتأصّل في النفس البشرية التي ظلت توّاقة إلى
اكتشاف العالم الجديد عبر الرحلات الفردية والجماعية. وفي العصور
المتأخرة نشر الإنسان وسائل استكشافه عبر البحار والمحيطات ليوسع من
رقعة استعمار الأرض ففي بدايات القرن السادس عشر الميلادي بدأت الهجرة
إلى ما سمي بـ ( العالم الجديد ) اعني القارتين الأميركيتين واستراليا
وقد بدأت هذه الهجرات بنوع من حب الاستطلاع على يد الرحالة ( كولومبس )
ثم توالت موجات الهجرة إلى هذا العالم وتكوين المدن والحواضر الحالية
ولم تنقطع هذه المواجهة عن التوافد إلى هذه البلدان حيث تستقبل هذه
البلدان سنوياً الآلاف من المهاجرين الجدد من كل بلدان الأرض.
الهجرة الداخلية:
الهجرات الداخلية والتي تمثلت في الهجرة من الريف إلى المدينة والهجرة
من المدن الصغيرة إلى العواصم والمدن الكبيرة مما خلق عدة مشاكل
اقتصادية واجتماعية وسكانية ألقت بأعبائها على المجتمع بأكمله، فحصل
نقص حاد في القطاع الزراعي وتضخّم سكاني ملحوظ وبطالة متفشية في المدن
وتركز الكفاءات في المدن وقلتها في الريف والمدن الأخرى، كما أوجد هذا
النوع من الهجرات تفكك في التركيبة الاجتماعية التي يتميز بها المجتمع
المسلم خاصة..
فالعلاقات بين سكان المدن الحديثة تتجه نحو الفردية والنفعية وضعف
التماسك الاجتماعي، وتفقد بالتالي العادات والتقاليد والأعراف كثيرا من
قوتها .
كما أن هذه الهجرة قد اتخذت طابعاً آخر في الانتقال غير المنظم وغير
المدروس بين الدول الإسلامية، فهاجر الكثير من سكان الدول الفقيرة إلى
البلدان الغنية بالموارد الاقتصادية مما شكل ضغطاً على هذه الدول
-والتي غالباً ما تكون صغيرة المساحة - ورغم أن هناك من الإيجابيات في
هذه الهجرة إلاّ أنها تترك آثارها السلبية على البلدان الفقيرة خصوصاً
إذا كانت نسبة أصحاب الكفاءات هي الأعلى بين المهاجرين إلى البلدان
الأخرى وقد توقفت هذه الهجرة تقريباً بعد الإجراءات والقوانين الحديثة
كما هو الأمر عليه في بلدان الخليج الغنية بالبترول..
يعيش الآن قرابة نصف سكان العالم تقريباً في مناطق حضرية، وفي العالم
411 مدينة يعيش في كل منها أكثر من مليون نسمة. وحوالي 160 ألفاً
ينتقلون من المناطق الريفية إلى المدن كل يوم. وتتزايد في مدن كثيرة
الأحياء الفقيرة ومدن الأكواخ. ويؤدي تلوث الهواء أكثر من 1.1بليون
شخص، ويؤدي بحياة نصف مليون سنوياً.
الهجرة الخارجية:
أما المشكلة الكبيرة التي مُني بها المجتمع الإسلامي فهي الهجرة إلى
العالم الغربي لأسباب سياسية واقتصادية ونتيجة للكوارث والحروب
والاضطهاد التي غالباً ما تعصف بالبلاد الإسلامية فيضطر الكثــــيرون
إلى ترك بلدانهم والإقامة في أوروبا وأمريكا واستراليا طلباً لتحسين
وضعهم الاقتصادي أو طلب اللجوء السياسي في البلدان التي تمنحهم حق
الإقامة فيها، ورغم أن هؤلاء المهاجرون لم يكن بنيتهم الإقامة الدائمة
بادئ الأمر إلا أن الكثيرين منهم يأخذهم الاندماج بهذه المجتمعات
لتنقطع صلاتهم بالوطن الأم تدريجياً خصوصاً وان هناك برامج خاصة معدة
لهذا الغرض وقد ارتبطت هذه الحالة بالمهاجرين من أوائل القرن العشرين
حتى السبعينيات منه بينما جاء عقد الثمانينات بثورة الاتصالات التي
قرّبت المسافات بين المهاجرين الجدد وأوطانهم التي نزحوا عنها وبذلك
قلّت إمكانية ذوبانهم بالكامل في مجتمعات دول اللجوء وتشكلت جمعيات
وهيئات لرعاية هؤلاء اللاجئين في البلدان التي يقيمون فيها أو في البلد
الأم، وأخذت المؤتمرات تعقد بين الحين والآخر مما أعطى لهؤلاء
المهاجرين خصوصيتهم وتثبيت هويتهم.
مع تردّي الأوضاع المعيشية وازديادها سوءاً في بلادنا يوماً بعد أخر،
تزداد الصعوبات الحياتية لعموم المواطنين ولفئة الشباب خصوصاً، فتزداد
معها مشكلات الشابات والشباب على وجه الخصوص، كونهم يتعرضون يومياً
أكثر من غيرهم, لمختلف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.. إلخ،
إذ أن فرص العمل ضمن البلد باتت قليلة جداً، فكثرت معها حالات الحاجة
والحرمان حتى من مستلزمات العيش الضرورية والأساسية، ما يجبر مجموعات
كبيرة من الشباب في مقتبل عمرهم, على ترك ديارهم وأهلهم والنزوح إلى
كبريات المدن أو الهجرة إلى خارج البلاد هرباً من الفقر وبحثاً عن حياة
أفضل ومستقبل أضمن، وذلك بعد أن يكونوا قد اجتازوا بصعوبة مآزق حياتية
جمّة أجبرتهم على اتخاذ قرارهم القاضي بالهجرة الاضطرارية.
ونلاحظ "أن الهجرة لا تقتصر على هجرة فرد أو مجموعة أفراد، بل بدأت
كذلك، وتحولت إلى هجرة عائلية فجماعية ،وهي اليوم تسجّل أعدادا مرتفعة،
لكنها لا تثير رعبا أو خوفا، بقدر ما تحتاج إلى رعاية وضبط وتوجيه.
مثال: هجرة العرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية تمت نتيجة لموجتين
متميزتين، الموجة الأولى بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر وكانت تضم
أفرادا من عدة طبقات وتخصصات، كان هدفهم السعي وراء حياة أفضل وفرص عمل
غير متوفرة في الوطن الأم. وكان معظمهم رجالا في بداية حياتهم. أما
الموجة الثانية من المهاجرين فكانت مدفوعة إلى جانب الأسباب الأنفة
الذكر إلى حد ما بسبب عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط بعد
انتهاء الحرب العالمية الثانية واستمرت هذه الموجة حتى يومنا هذا.
فالمهاجر العربي أصبح متأرجحا بين التمسك بالتقاليد الذي نشأ عليها منذ
الصغر وبين الانفتاح وتبني تقاليد المجتمع الجديد الذي يعيش فيه. إنها
مشكلة تواجه كل مهاجر حتى يومنا هذا. ولكن الأسباب الدافعة للهجرة من
الوطن الأم والجاذبة للهجرة إلى الوطن الجديد كانت من القوة بحيث دفعت
المهاجر العربي إلى التكيف وتحمل المشاق ليوفر لنفسه ولعائلته حياة
أفضل وظروف اقتصادية واجتماعية وعلمية تساعدهم على التقدم والاستقرار
أهم المشكلات التي تواجه الشباب في مجتمعاتهم و تدفعهم للجوء للهجرة :
1) الفقر الذي يشكل تحدياً أساسياً في عملية تحقيق التنمية.
2) الزيادة المطردة في عدد السكان بالمنطقة العربية مقارنة بالموارد
الطبيعية المتاحة وغياب التخطيط السليم للموارد البشرية.
ارتفاع نسبة تعداد الشباب في المجتمع العربي على الرغم من أنه يمثل
مؤشراً إيجابياً للثروة البشرية ، إلا أنه في نفس الوقت يشكل تحدياً
جدياً يتمثل في إيجاد البيئة الصالحة لتنشئتهم وتأهيلهم وتوفير فرص
العمل المناسبة لهم
3) الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية وخاصة المائية والأرضية
والطاقة.
4) العولمة وآثارها التي قد تحد من إمكانية تحقيق التنمية المستديمة في
المنطقة العربية ، والحاجة إلى ترتيب المنطقة العربية لأوضاعها
الاقتصادية والمؤسسية وإيجاد تكتل إقليمي عربي قوي مبني على المقومات
الثقافية والحضارية والاقتصادية للمنطقة .
5) التطلع للتكنولوجيات الحديثة و البحث عن أحدث التقنيات لمواكبة
التطور.
من الضروري وضع سياسة اقتصادية - اجتماعية تتوجه إلى فئة من المواطنين
العاديين الذين يحلمون بترك بلادهم والتوجه إلى بلاد الله الواسعة،
والذين يمثلون جزءاً لا يستهان به من هذا الشعب، لأن المعروف أن
الإنسان العادي والذي يقضي يومه ركضا وراء الرغيف، لا يستطيع التجاوب
مع ما يقدم له من نظريات، وبرامج وموازنات وأرقام ومشاريع لا تقدم له
حلولاً عملية مباشرة. لذلك يجب العمل على تغيير هذا النمط وتوفير
الظروف والشروط المناسبة لهذا الإنسان العادي مما يجعل منه إنسانا آخر
بعدما يستعيد أحلامه وتفاؤله وإرادته وحريته لكي يعطي أحسن ما عنده من
إمكانيات. هكذا تبطل المعاناة، وتتوقف هجرة الشباب، ويستقر المقيم في
وطنه، ويعود المغترب إلى بلده ليساهم من خلال استثماراته في تنشيط
الدورة الاقتصادية .
المشكلة تبقى بحاجة إلى رادع ذاتي أيضاً، إذ ينبغي على الإنسان - الفرد
الذي يلقى الصعوبات الاقتصادية ويجد نفسه مُجبراً على الهجرة، أن يفكر
ويحاسب نفسه أولاً ثم يعرض أفكاره على الآخرين، قبل أن ينوي على الرحيل
الذي هو بحد ذاته قرار مؤذٍ للفرد والجماعة، فالبحث عن المهرب الفردي
لم يشكل في أي يوم من الأيام مخرجاً لا للفرد ولا للجماعة، بل نحن
بحاجة إلى حلول اقتصادية عامة وجماعية، وهذا لن يتحقق إلا من خلال
الأداء الجماعي على طريق العمل اليومي، في سبيل حياة أفضل ومن أجل
الديمقراطية وحقوق الإنسان لتحسين واقع الحال هذا .