|
الاغتراب الداخلي للتشكيل العربي
بقلم
طلال معلا
|
ارتبط التشكيل العربي ببيئته
ومجتمعه, وخيال وثقافة الذين عبر عنهم رغم عديد المشاكل التي كانت تعيق
الجهد المعرفي لهذا المحمل التعبيري في مخاطبة الواقع المادي والنظري,
ورغم صراع المبدعين مع ذاتهم من جهة ومع آليات المخاطبة المتردية التي
فرضت على الفنون التشكيلية لأسباب يتسلق الجهل ليكون أولها وينأى الجهد
التقني ليكون أخرها, وفي كل الأحوال فإن التكاليف الفكرية والنظرية
كانت باهظة في جدارية الطموح التي خططتها آمال المستغلين في كافة مناحي
الفنون التشكيلية منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم.
في مجتمع يعاني من صراعات متنوعة حول الوجود والتنمية الاجتماعية
والسياسية, وانعدام الاتصال المعرفي (وقد حققت اليوم وسائل الاتصال
الفراغي والفضائي بعض هذا الاتصال), وفي ظل فشل التجمعات المهنية
والأكاديمية العربية, وتقلص الأنشطة النوعية الجماعية ووقوعها في مطب
المنهج المرسوم من قبل المؤسسة الثقافية الرسمية لزج الإبداع في آليات
رسمية معقدة, وفي غياب الهياكل المعرفية لأدوات النقد الفني والمؤسسات
البحثية و التوثيقية الأهلية نعيد ما قاله الباحث نور الدين افاية منذ
العام 1989بالمغرب (يمكن القول بأن الفنون التشكيلية العربية تعاني من
مشكلة اعتراف داخل البنية الفكرية العربية, فهذه الفنون بالرغم من مرور
عقود كثيرة على دخولها إلى المجال الثقافي العربي فإنها مازالت تبحث عن
شرعية فعلية تسمح لها بالانتقال والتفاعل والتداول).
قد يكون الزميل افاية وضع يده على موضع حساس في بنية تلقي الظاهرة في
السياق الثقافي والإعلامي العام.. كل ذلك إلى جانب جهل بصري شامل يوتر
المشكلة ويدفع بها لأن تكون مثار جدال دائم بين الطليعة وطليعتها التي
تصرح في أفضل الأوقات بابتعادها عن فهم التشكيل وأدواته وان كانت تمتلك
مفاتيح نظرية لقراءة تاريخ الحركات الفنية المتطابقة أو الموازية
للمذاهب الأدبية والشعرية وفي سياق عام يفقد الكثير من خصوصية اللغة
البصرية ومفرداتها الإصلاحية, والتي وان كانت لا تؤطر مشكلة المشاكل في
السابق, إلا أن الانتقال إلى عصر الصورة وتدفقها بما يغطي مساحة الزمن
الحاضر يجعل من التجاوب أمرا ضروريا للارتقاء بالحس العام وبما يجعل
البنية الثقافية العربية تتفاعل أكثر مع الاحتياج النقدي التشكيلي
لممارسات المحامل البصرية المختلفة في الأزمان المتنوعة وحقول النشاط
المتآلفة أو المتخالفة وهي ترسم بنية الإبداع العربي في إطار المؤسسة
الاجتماعية المحيطة به ووفق السياق التاريخي والثقافي والمرجعيات
المتنوعة للجماليات العربية بعيدا عن التهم التي تقارن بين الفنون في
إطار التبعية والانسحاق أمام الخطاب المعرفي الغربي وإنكار فهم الظاهرة
على المبدعين المتميزين في عالمنا العربي الذين يسعون بكامل جهدهم
لتأصيل علاقتهم بمنتجهم الفني عبر توسيع ساحات الاشتغال البحثي وتخير
السبل المعرفية التي يمكن أن تنقل تنظيراتهم البصرية إلى أجيال
المستقبل بعين واعية وانتماء يعكس الإحساس الإنساني.
لقد اعتدنا سماع النواح الإعلامي في انطباعات بعض المتسرعين بأحكامهم
على معرض هنا وتظاهرة هناك, بالهجوم على المبدع حينا, والتهكم على تيار
أو جماعة أو جمعية حينا آخر, وشيوع مبدأ التفاضل في التنكيل بالمشهد
التشكيلي العام وبما يؤكد المسار المتداعي لغياب النقد الجاد الذي كان
يحق له أن يهندس تفاصيل الإبداع العربي عبر مسار تكاملي بعيد عن
التلفيق وابتزاز الأزمات وفوضى الكتابة غير المسئولة, إلا أن الالتهاء
بعبثية الموقف البصري والتشكيلي قاد مؤخرا إلى نفي فاضح للخصائص
الفكرية والثقافية للفنان التشكيلي وهو يتجاوز بحيوية مواقع تخلفه
التشكيلي لإنجاز مشروعه المستقل اعتمادا على التراكم والخبرة الحيوية
في قراءة موقعة الحداثوي, ليس انطلاقا من فهم (أزماتي) للمصطلح وإنما
عبر تحطيم الأطر المختلفة التي تحول بينه وبين الفن واتجاهاته في عصر
يختلف فيه كل شيء ولا يعود لقضية المرجعية المحملية البصرية أي دور في
تعريف الفن ضمن إطاره التقليدي.
أزمة تنظير :
ليس هذا وحسب, بل إن الادعاء يتطابق كليا في التشكيل العربي مع غيره في
قرن من العطاء يشكل توضيحا لأزمة روحية عاشها المنظر التشكيلي وخاصة
فيما يتعلق بإطلاعه على كافة تفاصيل ما يحدث في الغرب مثلا وبأدق
الملامح والتوجهات والإحداثيات المعرفية بينما يجهل ما يحصل حوله, أو
في الدول الشقيقة لدولته والمتلاصقة حدوديا معها على اقل تقدير, يذكر
الباحث سمير غريب في مقال منشور له العام 1997 في مجلة عالم الفكر:
(ربما نكون مقصرين في حق أنفسنا لأننا لا نعرف كفنانين ونقاد عرب كل
تفاصيل أو عناصر لوحة الفن العربي المعاصر أو الحداثي, لا يعرف
الفنانون والنقاد في مصر ماذا يحدث في ساحة الفنون التشكيلية في ليبيا
والسودان المجاورتين لمصر, ولهما حدود مشتركة معها).
ولعل ما يؤخر نتائج المنافسة التي يلعبها التنظير العربي في إبقاء
مسامير التبعية عميقة في جسد التشكيل له ما يناقضه فيما ينطبق على حالة
الفن الأمريكي الذي ابتدعه النقد (فن بلا جذور لشعب بلا جذور) حسب رأي
المؤرخ الفرنسي ذي الأصل الإيطالي جيوفاني ليستا, الأمر الذي اتاح
لأمريكا التخلص من عقدة التبعية والنقض تجاه أوروبا رغم أن أوروبا لم
تقف يوما عن الصراع فيما بينها لبناء مجدها الروحي والبصري.
صحيح أن الحركة التشكيلية العربية عانت من أزماتها الداخلية, ومن
الأزمات التي ولدتها علاقتها بمختلف التيارات الإبداعية أو نقاط التماس
فيما بينها وبين راهنها المتنوع الذي قاد المبدعين إلى احباطات عمقت
الأزمة إلى درجة بلغت فيها إمكانيات التحول أمرا ميئوسا منه فيما انعكس
على الهجرات التشكيلية العربية باتجاه الغرب, في الوقت الذي آلت إليه
الحرفية التنظيمية في المؤسسة الثقافية العربية لبناء وتأسيس أنشطة
نوعية ستفرض لاحقا سلطتها الانتقائية على القرار التشكيلي العربي الذي
يطمح لابتداع أنشطة عالمية ودولية تحقق للفن العربي سمعة حسنة من جهة
وتشرع أبوابها لاستقبال النقاد والمنظرين والإعلاميين المتخصصين في
الغرب أسوة بالتظاهرات المماثلة في اليابان وجنوب شرق أسيا والصين في
جهة أخرى.
تنطوي السلطة الجديدة على طموحات تتمثل بإعادة تنظيم وتركيب الواقع
التشكيلي العربي ونشر المفاهيم المعاصرة المحققة حول الفنون التشكيلية
بأفكار الذاتية كفعل خلاق والاعتماد على منح حق الوجود في هذه المحافل
للمبدعين المشتغلين في إطار الأفكار والمفاهيم المتوافقة والالتزام
بالشروط الجديدة, ولا يدعي احد ـ حتى الآن ـ بالإشارة إلى الصراع الخفي
بين شروط العرض التقليدية وبنية الذوق العام المتوافق معها وشروط العرض
الجماعية الواقعة في نسق الفصل التاريخي بين شفافية الذات وكثافة الحيز
الجديد باعتباره ممارسة فكرية متآلفة ومدارات التحقق الجديد في تفكيك
تلك الذات استجابة لحقائق العصر والانتهاء إلى تدميرها برعاية العقل
العلمي الذي أعلن مقولاته في تفكيك الذات منذ ستينيات القرن المنصرم
وتوجيه الأفكار نحو كونية ستتطابق والحياة لبناء مواضيع تحقق الارتباط
بالمكان والزمان الملائمين, وبمقدار الاستجابة لهذه الشروط فإن قيودا
ستبنى وفلسفات وإيديولوجيات ستنتشر لتحل الفرد مكان الذات ولتعلي من
شأن العزلة بالتوغل في وسائط التقنية ومناهج الارتباط بها وطروحاتها
التعبيرية التي تأتي الصورة في أعلى رأسها الهرمي لإدخال الأفكار
والأحاسيس في إطار الفعل البصري.
غربة في محيطه :
كل الدراسات تشير في عمق مؤداها إلى أن التشكيل العربي مازال يعيش غربة
قاسية في محيطه العام, وبما تمليه الوقائع العامة للقبول الاجتماعي له
فيما يتعلق بجانب عصيانه على الانخراط في الفعل الوقائعي اليومي بتغطية
حوار الحاجة للفنون خارج البكائية على الراهن المتردي والصمت تجاه
الماضي واعتبار المستقبل ملجأ الرؤى الانتصارية للفعل التشكيلي العربي
الذي يبحث ـ حتى اليوم ـ عن عتبة ينطلق منها بكامل أطروحته المعرفية
خارج المصطلحات الجاهزة التي تعيق تشكيله لكينونته في إطار العصر وما
يحققه من خلخلة في لغة التعبير البصرية, لإنتاج أفكار تجيب عن أسئلة
الإنسان العربي الجديد الذي ضاق ذرعا بالحيز المجهز سلفا لحراكه
الانفعالي, الذي يقلص الرغبة بتنظيم عملية التجديد والتحديث والتطوير
على اختلاف معانيها.
إذ يشكل تقنين وتشريط الحيز أو الفضاء المتاح تقنينا للحرية في إنجاز
ركائز التفكير الإيحائية وتبقى الحركة رغم ضيق مجالها مهددة بالعبث
والتشتت وغلبة التمرد على القيم واضطهاد الذات الحضارية بنفيها غالبا
وتجاوزها إلى مقولات تنفي الفنان عن النواة المركزية الشخصية وهويته,
بصنع قيم موازية لا تتعدى كونها إلصاقية, إن لم تكن افنائية, للسعي إلى
قامة الإبداع, والاحتفاظ بالذاكرة كمرجع للتناسق والتناغم يؤكد
الاحتياج الجمالي والمعرفي.
ما يستخلصه الفن من الظواهر المختلفة للفكر في حركته التصاعدية
والتناحرية هو إنشاء المفاهيم التي تعني التأسيس, وتعني بناء المنهج
الذي يهدف لوضع التصورات النظرية للعالم المحيط بنا بتنظيم علاقتنا به
وتسمية الحالات والاتجاهات والإطلاع على مختلف التحركات الداخلية
والخارجية للعمل الفني ورصد التجاوزات والاختراقات التي يقوم بها
المبدع العربي في إطار ظرفه الخاص الذي يعيق أن يلعب دوره كاملا ـ
نظريا وعمليا ـ في بناء صرح الخيال وتشكيل الحياة والالتصاق أكثر
بالترتيبات التحررية من قيود الشعارات التي فرضتها المراحل السياسية
المختلفة والتأسيس لعلاقة صحيحة بين الفن ومفاهيمه, الموضوع وسبل
إدراكه, الفنان والمتلقي, الإدراك وتفاصيله وبالتالي الوقوف على
الأسباب المجهولة التي تجعل المبدع يتجاوز وعيه ووعي عصره ومجتمعه
لاكتشاف أسباب ولادة المستقبل على نحو ما يأتي عليه, وأسباب الانتماء
لحضارة قد لا ترضي المتحضرين فيها ولا تروي عطشهم لاستثمار التاريخ
والتجارب الإنسانية المختلفة عبر فهم الذوبان فيها وعدم التمايز.
إذ من البديهي أن نطلق صفة الهذيان على الفوضى وذلك حين يعني التحضر
إقامة المؤسسات التي تعنى بالتوثيق والدراسة والتأريخ والتحليل وغير
ذلك مما يجعل المؤسسة شبكة من العلاقات المؤسسة على بعضها تستثمر تاريخ
الإبداع وحاضره باعتبار المبدع جزءا خاصا من إبداع عام تتحقق في
العلاقة بينهما فكرة التطوير المنسجمة مع دوائر التطور الذهني والنفسي
والفكري للمجتمع.
وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن إيحاء مباشرا يستخلص من التوجهات
الفلسفية العامة للنظم والظروف الاجتماعية والسياسية للشعوب المختلفة
ومنها المجتمع العربي بخصوبة امتداده وتنوعه والتي لا يمكن اعتبارها رد
فعل مطلق على الشعوب المنتجة للأشكال الثقافية الأشد تعقيدا وحضورا في
ساحات الاشتغال المعرفي رغم الخطاب المتغير في التجاذب الفلسفي والروحي
القائم بعد سقوط الأفكار التي بشر بها القرن العشرون وانتفاء الصفة
القانونية عن الاطلاقيات الأيديولوجية ومعايير الاستنساخ الثقافي
والفني بما فيها ثقافة العلوم العامة التي باتت تبرز إلى مقدمة الظواهر
المعرفية بربط الإنتاج التقني بالتنظيمات العقلية للمعارف الإنسانية
وبتحقيق الظاهرة الافتراضية على تلك الحقيقة, ليس من وجهة تجريدية
وحسب, بل إلى ما يتعدى ذلك فيما يتحقق عمليا بتغير ركائز القيم
الجمالية التبادلية وكافة الصياغات التي ولدت مرجعيات التلقي التشكيلي
في قرن من الحوار المتوازي بين المبدع ونصوص الحرية المتاحة له.
لقد حاول التشكيل العربي في ضوء هذه المتفصلات, وعلى مدى قرن كامل أن
يبني ما يمكن أن يثبت خطوات المبدع على أعتاب القرن الجديد, وكل ما
نأمل أن يحققه النقد من إجابات على التساؤلات الأولى التي طرحها على
نفسه أولا وعلى الفنون العربية ثانيا وبما سيضيف من تفاصيل لقراءة هذا
الإرث البصري المنحدر من المبدع العربي قبل أي أمر أخر.
|