المحور الثقافي

 

المـــــركزيّة الغربيـــــّة
إشكالية التكوّن والتمركز حول الذات
 

للمفكر والناقد العراقي
الدكتور عبد الله إبراهيم

الثقافة والتمركز: من واقع المطابقة إلى أفق الاختلاف تكشف النظرة النقديّة الفاحصة، لمعطيات الثقافة العربية الحديثة، معضلةٌ مكينةٌ تستوطن نسيجها الداخلي، ألا وهي "مماثلة" الثقافة الغربية، و"مطابقة" تصوراتها، فحيثما اتجهت تلك النظرة في حقول التفكير المتعددة، لا تجد أمامها - على مستوى الرؤى والمناهج والمفاهيم- سوى ضروب من "التماثل" و"التطابق" مع ثقافة الآخر، التي فرضت حضورها وهيمنتها في المعطى الثقافي العربي الحديث مباشرة، وتجاوزت ذلك، إلى حد أصبحت فيه على صلة وثيقة بالتصورات التي تنتج ذلك المعطى، سواء تم الأمر استناداً إلى مبدأ القبول أو إلى مبدأ الرفض ورد الفعل. ويعود ذلك،فيما يعود، إلى سببين رئيسيين: أولهما يتصل بهيمنة "المركزية الغربية" ومحدداتها الثقافية والأيديولوجية، وهي تمارس اختزالاً للثقافات غير الغربية، باعتبارها الثقافة الكونية الشاملة، وثانيهما: الاستجابة السلبية لمعطيات تلك المركزية. وهو أمر يتعلّق بواقع الثقافة العربية الحديثة التي رهنت ذاتها بعلاقات امتثالية للثقافة الغربية، ولم تفلح في بلورة أطر عامة فاعلة تمكّنها من الحوار المتفاعل مع الثقافات الأخرى. وفيما ينبغي أن تنقد وتفكك المركزية الغربية بهدف تحليل أسباب التمركز وممارساته الاقصائية بحق الثقافات الأخرى، فإنه، وهذا هو الأهم، ينبغي التدقيق في الأسباب التي جعلت الثقافة العربية الحديثة، تتصف بالاستجابة السلبية للثقافة الغربية، ذلك أنّ تلك الاستجابة، بمظهرها السلبي الراهن، تشير إلى حالة ضمور خطيرة في مكونات الثقافة العربية، بما يجعلها تندرج في علاقات ولاء وامتثال لغيرها، بعيداً عن واقعها التاريخي والاجتماعي الذي يقصى ويستبعد، وتحل مكانه سلسلة متصلة من أفعال المحاكاة والتقليد، بما فيها تبنّي جملة من المفاهيم والمناهج والموضوعات المشروطة بأبعاد تاريخية مختلفة. والواقع، فإن النقد، ينبغي - في رأينا - أن ينصرف إلى هذين السببين، مع تأكيد صارم وعميق على الأخير لأنه متصل مباشرة بالثقافة العربية،لأن نقداً يتغيّا وضع فواصل رمزية بين الثقافات بهدف تفاعلها الخلاق، وليس إذعان بعضها لبعض، هو السبيل الذي يفضي إلى نوع من "الاختلاف" الثقافي بدل "المطابقة" الثقافية. وليس المقصود ب"الاختلاف" هنا، الدعوة إلى ال"القطيعة" مع الآخر، والاستهانة به، واختزاله إلى مكوّن هامشي، ذلك أن القطيعة لن تحقق إلاّ العزلة والانغلاق، والاعتصام بالذات ومطابقتها على نحو نرجسيّ مرضي لا يمكّنها أبداً من أن تتشكل على نحو سليم ومتفاعل ومتطور. إنّ الأمر يوجب تنمية عوامل اختلاف جوهرية واعية وجديدة تعمل على تغذية "الذات الثقافية" بطابعها المنشغل بوقائعه وموضوعاته المتصلة بالبعد التاريخي لتلك الذات، وألاّ يصار إلى اختزال تلك الوقائع إلى مجرد مفاهيم ترافق رؤى ثقافية أخرى لها شروطها التاريخية المختلفة، نقصد بذلك، الاختلاف الذي يبحث بنفسه عن الحلول الممكنة للصعاب التي تواجه أسئلته الخاصة، ولكن في الوقت نفسه، الدخول في حوار متكافئ مع الآخر إلى مكوّن فاعل وليس إلى مكوّن مهيمن، وعلى هذا فليس ثمة اختلاف، دون وعي بأهمية الاختلاف نفسه. إنّ اختلافاً مشروطاً بالوعي، يمكن أن يسهم بتغذية الثقافة العربية الحديثة بوجهة نظر جدية، وبمنظور يقوم على التواصل مع الثقافات الأخر، من خلال إيجاد نسق يعين الثقافية العربية على فهم ذاتها و غيرها،بما يدفعها من واقع "المطابقة" إلى أفق "الاختلاف". وإذا كان واقع "المطابقة" يفضح تبعية الثقافة العربية يفضح تبعية الثقافة العربية وولائيتها لثقافة الآخر، أكثر من انصرافها إلى واقعها التاريخي، فإن أرضية "الاختلاف" غير ممهّدة، وبحاجة إلى توافر أسباب كثيرة ليصبح "الاختلاف" أمراً مشروعاً وقائماً بالفعل. ومن ذلك نقد أنظمة التمركز الداخلية في الثقافة نفسها، بما فيها المفاهيم الخاصة بالمجتمع والسلطة والمعرفة والدين والفكر والاقتصاد وغيرها. وبما أنّ "الاختلاف" ضرورة تتصل بدائرة التكون الثقافي العربي الحديث، فهو مشروط بمحددات تنظم أهدافه وغاياته. وفي مقدمة ذلك إعادة نظر نقدية للعلاقة التي تربط الثقافة العربية الحديثة بأصولها الموروثة من جهة، وبالثقافة الغربية من جهة ثانية، وتشكيل منطقة تفكير لا تتقاطع فيها تلك المؤثراتولا تتعارض. ولا تذوب مكوناتها في مكونات غيرها، ولا تتداخل رؤى هذه برؤى تلك،والأهم من ذلك أن تعلن عن أسئلتها الخاصة التي تترتب مقدماتها وبراهينها في ضوء حاجات الإنسان والواقع التاريخي، وليس استجابة لمقترحات خاصة بسياقات وأنساق ثقافية آتية من الماضي أو من الثقافات الأخرى. إنّ الاختلاف المقصود هنا، يوفر حرية نسبية في ممارسة التفكير دون شعور بإثم الانفصال عن الماضي، ولا خشية التناقض مع الآخر، فهذه المخاوف والتوجّسات أنتجتها ثقافة المطابقة، وهي مخاوف وتوجسات تنهار دفعة واحدة إذا انتظمت الثقافة على أسس نقدية واعية وواضحة. ومردّ الحاجة إلى "الاختلاف" رسوخ ثنائيات ضدية خطيرة في صلب الثقافة العربية الحديثة، منها على سبيل المثال: الأصالة والمعاصرة، الذات والآخر، الماضي والحاضر.... الخ. وقد مارست تلك المفاهيم فعلاً مباشراً في الفكر انقسم الوعي بسببه إلى قسمين متضادين ومتناحرين، بحيث أصبحت تلك المفاهيم "مرجعيات" ثابتة ونهائية، توجه عمل الفكر وتحدّد مجالاته، وتقوّم نتائجه. وكل منهما يعتصم بذاته في نسج براهين تؤكد صوابه، وتسفّه أمر المفهوم المضاد. وانشطر التفكير العربي الحديث فعلاً إلى تيارين يقصي أحدهما الآخر، ويدّعي احتكار الحقيقة، ويؤصّل ذاته بمرجعية لا علاقة مباشرة له بها، مستخدماً الحجج السجالية في إثبات دعواه وإبطال دعوى غيره. فثمة تيار يذهب إلى أنه لا سيبل إلا الإندماج التام والكلي في ثقافة الآخر، وثمة تيار يقول إنه لا سبيل إلاّ الاعتصام بالذات والاصطدام بالآخر. التيار الأول يدعو إلى الذوبان في الغرب، بحيث نصبح جزءاً منه "لفظاً ومعنى وحقيقة وشكلاً"وبحيث ينبغي علينا أن نُشعر الغربي، بأننا "نرى الأشياء كما يراها، ونقوّم الأشياء كما يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها". وهذا تيار واسع له أنصاره ومفاهيمه ورؤاه وقد شاع وعرف في الثقافة العربية منذ مطلع القرن العشرين، وسعى بدعواه العقلانية إلى مطابقة الآخر رافعاً شعار التنوير على غرار ما حصل في أوروبا في العصر الحديث، وذلك في نوع من "المطابقة" لا يخفى. أما التيار الثاني، فيعلن أنّ هدفه هو إيجاد هوية ثقافية صافية ونقية، تنهل عناصرها من الماضي، الذي هو بالنسبة له، ذخيرة المعرفة الحقيقية، ومورد اليقين الذي لا ينضب، والمجال الذي ينبغي أن يتأصل فيه كل شيء، ومن أجل إنجاز هذه المهمة، فلا بد من القيام بعمل مزدوج، من جهة ينبغي بعث الموروث وإحياء مكوّناته، ومن جهة أخرى الاصطدام بالآخر، وفك العقدة التاريخية بين الأنا والآخر، قلب الموازين وتبادل الأدوار "والسيطرة على الوعي الغربي" "وتفكيك طغيانه"، ورده إلى حدوده الطبيعية والثقافية". و"القضاء على أسطورته الثقافية" ذلك هو السبيل لإنشاء كيان ذاتي أصيل. وإذا كان التيار الأول يرهن عملية تحديث الفكر العربي في الاندماج بالغرب، والتماهي معه بوصفه مصدراً مشعاً للحقيقة النهائية المطلقة، دون الأخذ بالاعتبار اختلاف السياقات الثقافية والتاريخية، التي تميّز حاضر الغرب عن حاضر غيره، فإنّ التيار الثاني يبحث عن الصفاء المطلق الذي يستعير مكوّناته من الماضي شرط الإجهاز على الآخر. وواقع الحال، فإذا أخذ الأمر من منظور المعرفة، فلا خلاف بين التيارين من حيث النتائج النهائية للأهداف والمقاصد التي يعلنانها، فالذات الآنية كائن هلامي، وأمشاج متناثرة، لا تتبلور وتتكوّن إلاّ من خلال الإندماج في الآخر بالنسبة للتيار الأول، وهي بذات الصفات لا قيمة لها، إن لم تبعث فيها عناصر محتجبة في التاريخ البعيد، بانتظار أن تحقن بها، وذلك يقتضي إزالة الآخر لأنه يحول دون ذلك الاتصال الحي بذلك النسغ الأصيل. وعلى هذا، فالتيار الأول يعتبر الثقافة الغربية الجوهر الوحيد في العالم، وكل الثقافات أعراض، فيما يقرر الثاني أنّ الجوهر الوحيد هو ثقافة الأصول وكل ما عداها أعراض. لأنها ثقافة جذب واستقطاب وتمركز، فيما ثقافة طرد واستبعاد وإقصاء. إنّ التيار الأول يتطابق مع الآخر ويفكر فيه وبه، وينسب إلى نفسه إشكاليات الآخر الثقافية، ويتبنّى مقولاته ومفاهيمه،ووجهات نظره في كل شيء، فيما يتطابق التيار الثاني مع نفسه، ويعتصم بذاته في نوع من التجريد المطلق، الذي تجاوز راهنيه الحياة سعياً وراء لاهوت جديد تتطابق فيه المقدمات مع النتائج بمعزل عن المتغيرات التي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.
أردنا، ونحن نضع تحت الأنظار موقفين متباينين فيما يخص واقع الثقافة المطابقة، أن نؤكد على طبيعة النتائج التي ستتمخض عنها تلك المواقف، في واقع ثقافي تمور فيه التناقضات بكل أشكالها، فالأخذ بالخيار الأول هو في نهاية المطاف تفويض لنسق ثقافي محمل بجملة من الشحنات الوجدانية والدينية والنفسية والفكرية والاجتماعية بما يستبدل به مجموعة من الأنساق الثقافية التي لها محمولاتها الخاصة ورهن ذاك بهذا. وهو خيار وإن ادّعى التحديث فإنه لا يسهم فيه كطرف فاعل إنما كطرف منفعل، يتلقّى ما يصل إليه دون إمكانية تمثّل حقيقي. أما الأخذ بالثاني فهو تكريس الحاضر من أجل بنية ثقافية تتصل بنموذج فكري تجاوزه الواقع نفسه. فتحوّل ذلك النموذج إلى سلسلة مفاهيم تمارس سلطتها في الذهن فقط، ولا تجد في الواقع التاريخي إمكانية حقيقية لتطبيق النموذج. ولهذا فإن هذا التيار يرهن الحاضر بالمفهوم الذي جرده الزمن من زخمه، فيصادر ذلك الواقع من أجل البرهنة على صواب المفهوم. ومهما يكن، فلابد من التأكيف على أن الاعتصام بالذات والتطابق معها، لا يقل خطراً عن التماهي بالآخر والتطابق معه.
إنّ الأول مبعثه التعصب والانغلاق، والثاني الحيرة والضياع، وكل منهما موقف ولائي وامتثالي وغير نقدي ولن يفضي إلاّ إلى مزيد من العزلة عن الآخر أو الذوبان فيه. ووسط تنازع هذين الموقفين اللذين يشطران واقع الثقافة العربية الحديثة، يظهر "الاختلاف" الذي كان مغيّباً، على أنه الوسيلة لتعميق الرؤى الذاتية من جانب، والحوار مع الآخر، والتفاعل معه من جانب آخر، وجعل الحاضر موجهاً ومنطلقاً للتصورات الفكرية وموضوعاً للبحث والتحليل، وتجاوز السجال إلى الحوار، ونقد الذات الامتثالية، والدعوة إلى ذات هي مجموع ذوات كفؤة وقادرة على إنتاج الفعل والتفاعل مع الآخر على نفس المستوى من المقدرة والامكانية.
إنّ تدشين أرضية صالحة للاختلاف في الرؤية والمنهج، توجب بطبيعة الحال، استئناف النظر مجدداً، اعتماداً على وعي نقدي، بكل طبقات الثقافة العربية التي تراكمت خلال العصور التي مرت، وإلى جانب ذلك استئناف النظر أيضاً بمعطيات الثقافة المعاصرة، بمصادرها الكثيرة، الغريبة منها على الخصوص، وبدون منظور نقدي_ حواري، يصعب تصور ظهور اختلاف حقيقي، فالاختلاف - كما أشرنا - انفصال إجرائي عن الآخر، بما يمكّن من رؤيته بوضوح كافٍ، وهو انفصال رمزي عن الذات بما يجعل مراقبة أفعالها ممكنة. فالنقد إذن هو الممارسة التي يمكن اعتبارها دعامة الاختلاف الشرعية. ونقد "المركزية الغربية"، كما هو معروض في هذا الكتاب، إنما يتصل أساساً بواقع الثقافة العربية الحاضرة، ثقافة المطابقة، وهو نقد اقتضاه بالدرجة الأولى حضور الثقافة الغربية وهيمنتها في معطيات الثقافة العربية. وهو نقد لا يعني بأي تقديم بدائل جاهزة، وليس في مقدوره استبدال معطّى بآخر، لأنه نقد لا يقرّ بالمفاضلة، إنما هو ممارسة فكرية تحليلية كشفية استنطاقية، غايتها توفير سياقات تمكّن من إظهار تناقضات الفكر المتمركز حول نفسه، وإبراز تعارضاته الداخلية، ومصادراته، واختزالاته للثقافات الأخرى.
وتنبغي الإشارة أيضاً إلى أن النقد هنا، لا يؤمن بتغليب مرجعية على أخرى، وهو لا يدعي القدرة على الإجهاز فوراً على كتلة ضخمة ومتصلبة من الممارسات المتمركز سواء أكان ذلك على مستوى العلاقات الواقعية أم العلاقات الخطابية. فالنقد هنا أبعد ما يكون عن كل هذا، فلا يصار أبداً الإجهاز على ظاهرة من خلال إبداء الرغبة في ذلك، ف"التفكير الرغبوي" انفصالي، بطبيعته، عن موضوعاته، لأنه يكيّف نظرياً مسار الوقائع للرغبة دون الأخذ بالاعتبار الهوّة التي تفصل الرغبة عن موضوعها، إنما يريد النقد أن يمارس فعله عبر الدخول إلى صلب ظاهرة ثقافية كبيرة، والتفكير فيها، ولكن ليس التفكير بها، فهو إذن نوع من العمل المنهجي الذي يتصل بموضوعه وينفصل عنه في الوقت نفسه، إنه يتصل بالمركزية الغربية على مستوى اشتغال مفاهيمها وفروضها وقضاياها وإشكالياتها بهدف استكناه طبيعتها الداخلية، وخلق "ألفة" نقدية من التواصل مع ركائزها وآلية عملها، ولكنه انفصال واضح عنها، لأنه يهدف إلى ضبط مصادرتها وإقصاءاتها، وإبراز تناقضاتها الضمنية، وبعبارة أخرى، فالنقد هنا، لا يقبل لنفسه، إنما هو مدفوع للوقوف تفصيلاً على التشكّلات الداخلية لتلك الظاهرة، والارتباطات الخفيّة بين المفاهيم المكوّنة لظاهرة التمركز، ووصف شحن الغلواء التي تمور بها، دون أن يعني ذلك -بأي شكل من الأشكال - انتقال تلك الشحن إليه هو، إنه يريد أن يتجاوز التذلل والولاء، فيُدخل موضوعه في سياق نقدي شامل، دون إدعاء أية حقيقة وأي يقين، كما أنه لا يصدر عن مرجعيات تجريدية ثابتة ترتبط بهذه الثقافة أو تلك. في الواقع إنه ممارسة نقدية تنتمي إلى ذاتها، غايتها معرفية، تتوغل في تلافيف الظاهرة، وتضيء الأنوار في العتمة الداخلية لها، لتظهر أمام الأنظار طبيعة الظاهرة، وآلية الممارسات التي تقوم بها، سواء في إنتاج ذات تدّعي النقاء أو في اختزال الآخرين إلى نمط يوافق منظور تلك الذات. والهدف من ذلك، توسيع مديات الوعي فيما يخص طبيعة الظواهر الثقافية القائمة في عالمنا المعاصر، وتخصيب تشعّباته، وإعطاء أهمية للبعد التاريخي للثقافات دون أسرها في نطاق النزعات التاريخية.إنه، في نهاية المطاف، ممارسة حرة واعية بشرط حريتها، وهو تفكير في موضوع التمركز، من أجل إبطال نزعة التمركز و وتكسير مقوماتها الداخلية، وفصل الوقائع المختلطة ببعضها، والمنتجة في ظروف تاريخية متصلة ب"الذات" و"الآخر"، وهو نقد لا يتقصّد إيجاد قطيعة بين الاثنين، إنما ترتيب العلاقة بينهما على وفق أسس حوارية وتفاعلية وتواصلية، بهدف إيجاد معرفة جديدة تقوم على مبدأ الاختلاف الرمزي عن الذات المتمركزة وخرافاتها، والآخر المتمركز ومصادراته، ولا يمكن أن تكون "معرفة الآخر" معرفة مفيدة إلاّ إذا تمّ التفكير فيها نقدياً، والاشتغال بها بعيداً عن سيطرة مفاهيم الإذعان والولاء والتبعية،وبعيداً أيضاً عن أحاسيس الطهرانية الذاتية وتقديس الأنا. وأخيراً فإنّ من الأهداف الأساسية لهذا النقد، تغيير مسار التلقي، الذي نقصد به الطريق الذي تأخذه الأفكار الأخرى للدخول في وعي الذات، إنما تتشكّل ضمن الذات الثقافية وهي حاملة معها دلالاتها، دون أن تخضع لمراجعة، بحيث تحتفظ بمحمولاتها وسياقاتها الأصلية، وهو ما يحدث انقساماً شديداً في الذات الثقافية، لأنها لم تكيّف تلك العناصر، بحيث تصبح مكوّنات في هذه الذات، وما يحصل أنّ تلك العناصر، ستمارس أفعالها كأنها ضمن نسقها الثقافي الأصلي، وهذا يقود إلى تعريض مكوّنات الذات إلى انهيارات داخلية، لأن تلك العناصر نضّدت جنباً إلى جنب، ولم تركّب محمولاتها وفقاً للشروط التاريخية للذات الثقافية. ووظيفة النقد هنا، أن يسهم في تغيير مسار التلقي، ويقترح كيفيات لاندراج عناصر الثقافات الأخرى في الذات الثقافية، فالثقافة العربية أصبحت حقل صدامات لا نهائية بين المفاهيم والمقولات والرؤى والتصورات، وذلك سببه، فيما نرى، عدم الاهتمام بمسار تلقي الأفكار الذي يؤدي إلى أن تحافظ المكونات الغريبة على نفسها دون الإنصهار في نسق الثقافة الجديد الذي يحتضنها، وهذا الأمر يتصل بموضوع التمركز، فالأفكار تمارس أفعالها المتمركزة إذا لم تندمج في أطر الثقافة الأخرى على أنها مكوّنات فاعلة فيها. لأن التمركز ظاهرة ثقافية، وباعتبار التمايز بين الطبيعي والثقافي، فإنّ كل خروج على ما هو طبيعي يندرج في مجال الثقافي، وعلى هذا ينبغي استبعاد العامل الطبيعي من شبكة التمركز. ولأنّ التمركز متصل بالمنظور الثقافي للإنسان في رؤيته لذاته ولغيره. وهو نسق ثقافي محمّل بمعانٍ ثقافية (دينية، فكرية، عرقية) تكونت تحت شروط تاريخية معينة، إلاّ أن ذلك النسق سرعان ما تعالى على بعده التاريخي، فاختزل أصوله ومقوماته إلى مجموعة من المفاهيم المجردة التي تتجاوز ذلك البعد إلى نوع من اللاهوت غير التاريخي. ويمكن اعتبار التمركز تكثّف مجموعة من الرؤى في مجال شعوري محدد، يؤدي إلى تشكيل كتلة متجانسة من التصورات المتصلبة، التي تنتج الذات المفكرة، ومعطياتها الثقافية، على أنها الأفضل، استناداً إلى معنى محدد للهوية، قوامه الثبات، والديمومة، والتطابق، بحيث تكون الذات هي المرجعية الفاعلة في أي فعل، سواء باستكشاف أبعاد نفسها أو بمعرفة الآخر، ولا يقتصر الأمر في التمركز على إنتاج ذات مطلقة النقاء، وخالية من الشوائب التاريخية، إنما - وهذا هو الوجه الآخر لكل تمركز - لا بد أن يتأدى عن ذلك تركيب صورة مشوهة للآخر، وبين الذات الصافية والآخر الملتبس بالتشوه الثقافي (الديني والفكري والعرقي)، ينتج التمركز إيديولوجيا إقصائية استبعادية ضد الآخر، وإيديولوجيا طهرانية مقدسة خاصة بالذات. فينقسم الوعي معرفياً على ذاته، لكنه إيديولوجيّاً يمارس فعله المزدوج بوصفه كتلة موحدة لها منظور واحد. إنّ النقد هو الذي يكشف هذه التناقضات الكامنة في صلب الثقافة المتمركزة حول ذاتها، وهو الذي يدفع بها إلى أن تفصح عن إظهار أخطار التمركز، إنما يهيئ الأمر لهوية ثقافية جديدة قائمة على مسار متحوّل ومتجدد ومتشعّب الموارد من المنظورات والمكوّنات الثقافية المنتجة أو المعاد إنتاجها في ضوء الشروط التاريخية للذات الثقافية، وبما أنّ هوية التمركز تظهر مجردة عن بعدها التاريخي بوصفها هوية قارة وكونية في آن واحد، فإنّ الهوية الثقافية التي تقوم على الاختلاف لا تقر بالثبات ولا الشمول وتحرص على بعدها التاريخي، وفيما تصطنع هوية الثقافة المتمركزة أصولاً عرقية ودينية وفكرية توافق مضمونها، فإنّ هوية الاختلاف تتجنب إنتاج إيديولوجيا لها صلة بهذه الركائز. فاتصالها بهذه الركائز اتصال تاريخي طبيعي ليس له بعد إيديولوجي متصل بمعنى الهوية. وأخيراً فيما تقوم هوية الثقافة المتمركزة بطمس واستبعاد كل العناصر التي تتعارض مع مفهوم الهوية كما أنتجتها تلك الثقافة، بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيرات التاريخية، فإنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوّنات فاعلة فيها،و هي تمثّل جانباً من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها.
إنّ الذات ونقد الآخر ممارسة توسّع من مجال الاختلاف، وتوفر إمكانية تتجاوز بها الثقافة العربية الحديثة ضروب التماثل والتطابق التي تعيق حركتها، وتبطل فعاليتها، وتعيد إليها وحدتها، بعد أن انقسمت إلى تيارات متعارضة، لا يمكن لها في نهاية الأمر إلا أن تسهم في إضفاء نوع من العدميّة على ثقافة تعجز عن مناقشة إشكالياتها الخاصة بها. إنّ الوحدة هنا لها دلالتها من بعدها الحيوي الذي يركّب تصوراته بمقدار ما يسعى لأن يتفاعل مع الثقافات الأخرى، ويختلف عنها في الوقت نفسه، ضمن إطار عام له قدرة على التنوع والحوار والتواصل بما يغني فروضه، ويخصّب من إمكانات التجدد فيه. وذلك يهدف أن تكون ثقافة لها أثرها في عالم تشكل الثقافة فيه عنصراً أساسياً من عناصر الوجود..   


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com