|
الوعي الحواري
" من الثقافة الجماهيرية
إلى الثقافة المدنية
"
|
تتردد في هذه الأيام
عبارات الحوار وثقافة الحوار وروح الحوار واحترام الرأي الآخر، في سياق
تطلع جماعي إلى فسحة من الحرية أو إلى فضاء مشترك من الحرية عبر عنه
مصطلح المجتمع المدني وما يحف به من مفاهيم تثير غير قليل من الجدل
والسجال. ولما كان المثقفون سباقين إلى فتح الحوار والشروع في نقد
الواقع القائم بأدواتهم الخاصة، أو بالأدوات الخاصة لكل منهم، تعزز لدى
الكثيرين أمل بإمكانية الانتقال من "الثقافة الجماهيرية"، ثقافة الكسل
العقلي والاستهلاك السفيه، والتكرار الببغاوي والتنصل من الشأن العام
والبحث عن الخلاص الفردي، وهي ثقافة الدولة التسلطية، إلى نوع من ثقافة
مدنية، أو ثقافة ديموقراطية سنطلق عليها مؤقتاً اسم "ثقافة "الحوار"،
تيمنًا بالحالة الناشئة عندنا.
يضعنا مفهوم "ثقافة الحوار" أمام قضية معرفية تتعلق بتأسيس السؤال: هل
بوسعنا أن نصف ثقافة معينة بأنها ثقافة حوار، من دون أن يكون لانحيازنا
الطارئ إلى "الحوار" أثر بيِّـن في الحكم؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب،
فما مقومات هذه الثقافة، وما الأسس التي تجعل منها ثقافة حوار؟
لمقاربة هذه القضية لا بد من بسط مفهوم الحوار الذي حددت به الثقافة،
وتعرُّف مقدماته وافتراضاته الأولية؛ ولا سيما أن في العربية مفردات
شتى توحي بهذا المعنى، لكن الحوار هو أقربها إلى المعنى الذي نذهب
إليه، مع أن الجدال أو الجدل أقرب إلى اللفظ المقابل للديالكتيك الذي
هو، في زعمي، جـذر الثقافة ومنطقها الداخلي. ولا بد أيضاً من إعادة طرح
سؤال الثقافة، وتعرف محتوى التركيب الناشئ من تضايف الثقافة والحوار.
وللتركيب الإضافي في لغتنا وظيفتان: أولاهما الدمج والتوحيد، أو توليد
مفهوم جديد من مفهومين مختلفين، وهو من هذه الزاوية خير دليل على وحدة
الاختلاف. والثانية التعريف والتحديد أو التعيين. فالمضاف والمضاف إليه
وحدة مفهومية وواقعية.
"الحوار شقيق الديالكتيك، يجعل ما انقلب من تعارض إلى جدل ينتج حقيقة
جديدة ليست لأي من المتحاورين، بل لهم جميعًا، لأنها قائمة فيهم
جميعا". ينطلق هذا التحديد من الاعتراف المبدئي والنهائي بواقع التعدد
والاختلاف والتعارض مقدمةً ضروريةً لا يقوم حوار بدونها. فالحوار لا
يكون إلا بين اثنين مختلفين ومتعارضين أو أكثر، كما يكون بين اتجاهين
فكريين أو حزبين سياسيين أو أكثر، وبين شعبين أو أمتين أو أكثر. وأقل
ما يكون بين اثنين أو اثنتين. كما ينطلق من واقع أن البشر الأصحاء
يتوفرون على قابليات واستعدادات ذهنية ونفسية متساوية، تجعلهم ينشدون
الحقيقة ويتعلقون بمثل أعلى أخلاقي، وليس فيهم من يقول أو يفعل إلا ما
يعتقده حقا وصوابا، سوى الاستثناء. وينطلق أيضا من حقيقة أن العقل أعدل
الأشياء قسمة بين الناس، كما وصفه ديكارت، فما من أحد ألا وهو مطمئن
إلى أنه قد أوتي كفايته منه، ومن ثم فهو الحكم العدل في كل ما يشجر بين
الناس، بقدر ما يرغب المختلفون والمختصمون في اللجوء إلى حكم عدل، لا
إلى القوة أو المكر والحيلة والدهاء أو سواها. ويفترض أنه يهدف إلى
إنتاج حقيقة جديدة، أو حقائق جديدة، وهذه الحقيقة، أو الحقائق ليست
حكرا على أي من المتحاورين، بل هي قائمة فيهم جميعا، بنسب متفاوتة
بالطبع، لا يمكن تحديدها مسبقا. ويضمر هذا القول أن الحقيقة نسبية
ومتغيرة، على الدوام ينتجها البشر لأنفسهم، وفق شروط الزمان والمكان
ونمو المعرفة والعمل. وبكلمة، إن العقل هو الذي يحاور، بحكم ماهيته، أي
بحكم كونه عقل الواقع وعقل العالم، أو عقل الكون، وأي تعريف آخر للعقل
يهدم مشروعية الحوار. وفق هـذا التحديد، يمكن القول: إن الحوار، بصفته
حوارا مع الذات، (مونولوغ)، ومع الآخر، (ديالوغ)، ومع العالم جملة
وتفصيلاً، (ديالكتيك)، هو أساس الثقافة وأبرز مظاهرها.
الحوار مع الذات يفترض "استقلال الوجدان وجهاد المعرفة"، وجهاد النفس
الأمارة بالسوء. أي إنه يفترض ما كان يسميه الياس مرقص "الصفحة
البيضاء" أو "لحظة الأمية"، أي مجاهدة النفس لكبح جماح الهوى، والتخلي
عن القبليات والقَبَليَّات والمسبقات والمطلقات؛ والاعتراف من ثم
بالنقص والاحتياج الملازمين للكائن البشري، وبإمكانية خطأ الذات، ووجوب
التعلم من الآخرين، واستحالة المطابقة بين الفكر والواقع. ويفترض بعد
هذا كله الصدق مع الذات ومع الآخرين، والصدق والشجاعة صنوان. وذروة
الصدق والشجاعة هي الصدق مع الذات والشجاعة في مواجهة رغباتها ونزواتها
وأوهامها وأباطيلها ورؤيتها لذاتها.
والحوار مع الآخر يفترض الاعتراف بأن "الآخر" هو "أنـا"، وحقوقه ضمانة
موضوعية لحقوقي وحريته ضمانة موضوعية لحريتي. فكل واحد منا هو "أنا"
لذاته و "آخر" لغيره؛ ولا ذاتية بلا آخرية. الذاتية الحقيقية التي تعني
الاستقلال والحرية تتقوَّم بملاءتها بالآخر والآخرين، واغتنائها به أو
بهم، وخلافها الذاتية الفارغة الجوفاء الميتة المحددة بذاتها فحسب.
ولذلك عرف ماركس الإنسان بأنه مجموع علاقاته الاجتماعية والإنسانية.
ولا حوار بلا تناصت وتعارف، وبلا اعتراف بقانون القول: "الإنسان سيد
كلامه وخادمه" ويطلق عليه العامة اسم "احترام الكلمة"، وهو مظهر من
مظاهر احترام الذات.
والحوار مع العالم يفترض الاعتراف بوجود العالم مستقلاً عن الوعي، وبأن
الوعي هو العالم مدركا، وأن النقص هو مبدأ الإدراك وأساس المعرفة،
والخطأ ظلهما. فوعي الفرد على الإطلاق ناقص من جهة وينطوي على الخطأ
والوهم من جهة أخرى. ولما كان الواقع احتماليا وإمكانيا ومتغيرًا
باستمرار، فليس ثمة من يستطيع الادعاء بتعرُّفه والإحاطة به من جميع
جوانبه وفي جميع مستوياته. والعلم كله في العالم كله. وإنه لذو دلالة
أن كبار العلماء والحكماء كانوا يختمون أقوالهم وكتاباتهم بعبارة :
والله أعلم.
.
تابع
|