قضية العدد

تتمة المقال

 

تلكم هي بعض مبادئ الحوار وشروطه، أما لماذا تتنكر ثقافة ما لأساسها، فذلك، في ظني لغلبة عوامل المحافظة والجمود أو الركود في مجتمعها. كما يفترض الحوار أن جميع الآراء والأفكار والرؤى والتصورات مشروعة، على قدم المساواة، وليس لأي منها قيمة مطلقة، لأنها محمولات الذات الإنسانية وتحديداتها الذاتية. ومشروعيتها لا تتأتى سوى من مشروعية الاختلاف. فضلاً عن كونها، بل بحكم كونها تعبيراً عن مصالح مختلفة ومتباينة ومتعارضة. فالرأي ملازم للمصلحة لا ينفك عنها. وما دامت الآراء الذاتية تقنِّع المصالح الموضوعية وتموهها، فإن تجابه الآراء المختلفة والمتعارضة يخفي دوماً تجابه المصالح وتعارضها. وبقدر ما يمكن للحوار أن ينتج من حقائق جديدة للمتحاورين تغدو فضاء مشتركاً فيما بينهم، ينتج في الوقت ذاته مفهوماً جديداً للمصلحة يستوعب جميع المصالح الخاصة والفردية، ويرقى بها إلى مستوى أعلى يطلق عليه اسم المصلحة العامة أو المصلحة الوطنية التي لا تكون كذلك ما لم تلب المصالح الخاصة والفردية على اختلافها وتعارضها. ولنلاحظ أن الوحدة الوطنية الفعلية مؤسسة على هذين الاختلاف والتعارض، أي على جدلية الحياة الاجتماعية وجدلية التاريخ بوصفه توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى. إن من أهم خصائص التعارض الجدلي بين المصالح أن حدي التعارض لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يقوم إلا به، ومن ثم فإن إلغاء أحد الحدين هو إلغاء للآخر بالضرورة. وهذا الإلغاء المتبادل هو علة التطرف والعسف والفوضى وانفجار المجتمعات من الداخل. إنه علة حرب الجميع على الجميع. ولقد كانت المجتمعات دوما ولا تزال أمام أحد خيارين: إما بناء الجسور وإما إقامة المتاريس. والحوار هو بناء الجسور على كل صعيد. وبهذا المعنى يحيل الحوار مباشرة على السياسة بصفتها الشيء العام المشترك بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية والأحزاب السياسية. أي بصفتها فاعلية اجتماعية ومجتمعية. الحوار والسياسة صنوان يتقدمان معاً ويتراجعان معاً. والاستبداد والحرب صنوان يتقدمان معاً ويتراجعان معا.

أما الثقافة، فإن جذرها اللغوي، في العربية، يحيل على التقويم والتهذيب، تهذيب النفس والسلوك، ومما يؤسف له أن هذا المقصد الأخلاقي ضمر في ثقافتنا المعاصرة، أو غاب عنها، إلا في القليل النادر. وغاب من ثم عن سياستنا المعاصرة، إلا في القليل النادر. وللثقافة عندنا اليوم معنيان: معنى خاص، يتعلق بإنتاج الأفكار والرؤى والتصورات، ونقد أنساق الفكر والسلوك التي لم تعد تواكب حركة التقدم. وهو ما يطلق عليه اسم الثقافة العالمة أو الثقافة الرفيعة. ومعنى عام يستبعد جميع صور التبجح والادعاء، وهو ما سنلقي عليه بعض الضوء.

الثقافة، في أهم تحديداتها، في نظري، هي المعنى الذي يعطيه كل منا لحياته، ويضفيه على من حوله وما حوله، والقيمة، أو القيم التي يسبغها على جميع الماديات والمعنويات. والمعنى والقيمة متلازمان ومتداخلان لا ينفك أي منهما عن الآخر، لانتمائهما إلى أصل واحد هو فاعلية الإنسان الحية، الواعية والهادفة. فالثقافة هي وعي الذات، ورؤية إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان، تتحدد في ضوئهما أو تنبني على أساسهما جميع فروع المعرفة وجميع أنماط السلوك وجميع القيم. وهي، من ثم، المعنى الذي يعطيه المجتمع المعني لسائر مجالات الحياة الاجتماعية العامة، والقيمة أو القيم التي يضفيها على هذه المجالات، فيحدد ذاته، ويوصِّف أفراده، بهما. ولذلك تتسم الثقافة بسمات المجتمع الذي ينتجها. الثقافة هي إنتاج المعنى والقيمة، وإعادة إنتاجهما، قولاً وكتابة ونقشا وتصويرا ونحتا وحبا ولعبا وعمارة وزراعة وصناعة وسلوكا اجتماعيا ورموزاً وإشارات وعبادات ومعاملات ومبادلات وصلات ومواصلات وأعرافاً وشرائع وقوانين ... وهي أقرب ما تكون إلى الرياضة، رياضة النفس والذهن والعقل والروح والبدن والسلوك، التي ترقى بالكائن البشري إلى مصاف الكلية الإنسانية التي يتحد فيها النسبي والمطلق والعابر واللانهائي. فبالثقافة انتقل الكائن البشري من الحياة الطبيعية الخالصة إلى الحياة الاجتماعية، إلى العمران والتمدن. وفي الثقافة، فقط، تتجلى الصفة الإنسانية لهذا الكائن. وبها يغدو الفرد الطبيعي كائنًا اجتماعيًا وكائنًا سياسيًا وعضوًا في الجماعة الإنسانية. في هذه الحيثية، تستوي ثقافة الجماعات البدائية وثقافة المجتمعات المعاصرة، وتستوي كذلك الثقافة الشفوية والثقافة العالمة.

عرف العرب الثقافة بأنها الأخذ من كل علم بطرف، وعرفها بعضهم بأنها معرفة شيء عن كل شيء ومعرفة كل شيء عن شيء. وفي القولين ارتباط وثيق بين الثقافة والمعرفة موروثةً ومكتسبةً، وبينها وبين العلم موروثا ومكتسبًا، والمعرفة والعلم لا ينفكان عن العمل ولا يكونان بدونه، إضافة إلى المقصد الأخلاقي الذي أشرنا إليه والذي يجعل المعنى العربي للثقافة يحتل موقعاً مميزاً في مجال المعرفة، وهو المعنى الذي يجعلها مرادفة للرياضة، رياضة النفس والعقل وتقويمهما وتهذيبهما.

ومن بين تعريفات كثيرة للثقافة، ثمة تعريفان لصيقان بموضوعنا: أحدهما تعريف إدوارد تايلور الذي يقول: "الثقافة كلُّ مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان، باعتباره عضواً في المجتمع". وتعريف بيرستد الذي يقول: "الثقافة هي ذلك الكل المركَّب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في مجتمع". (نظرية الثقافة، ص 9).

هذان التعريفان وتعريفات أخرى كثيرة تربط الثقافة بالمجتمع على نحو وثيق لا فكاك له؛ فمن دون المجتمع ليس هناك ثقافة، ومن دون الثقافة ليس هناك مجتمع، ومما يؤكد ذلك أن اللغة، في جميع مستوياتها، من الصوت والإشارة والإيماء إلى لغة الحاسوب والرياضيات  ، مرورا بجميع لغات بني آدم، هي من أهم عوامل الاجتماع البشري، ومن أهم عوامل التعارف والتفاهم، وأن الخطاب إرسال واستقبال، وأن القول والنص واللوحة والتمثال والمعزوفة .. لا تكتمل إلا بالسامع والقارئ والمشاهد. وليس ثمة إنتاج وإبداع من دون استهلاك واستمتاع وتذوُّق. إنها تماماً قصة البيضة والدجاجة، لا جواب شافياً فيها عن السؤال: أيهما كان أولاً، المجتمع أم الثقافة؟. وفي ضوئها يمكن تعريف المجتمع بأنه نسيج من العلاقات الثقافية بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية. ولعل من أهم تعريفات المجتمع وأكثرها عمقاً تعريف كارل ماركس الذي يقول: المجتمع هو الإنسان مموضعًا، أو الإنسان وقد صار موضوعيًا، وموضوعًا لذاته. والإنسان ليس ماهية مجردة تقبع في مكان ما خارج الزمان والمكان، بل هو عالم الإنسان، المجتمع والدولة. وفق هذا التعريف يمكننا القول: ليس في عالم الإنسان، أي في المجتمع والدولة، شيء ليس موجوداً في الفرد الاجتماعي وفي المواطن، بالقوة أو بالفعل. فالإنسان لا ينتج عالمه فقط، ولا يصنع تاريخه فحسب، بل ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ، وهذا الإنتاج هو الثقافة، أو الحضارة أو المدنية، بمعنى واحد هنا. وعلى الرغم من الطابع الفردي للإبداع الثقافي، وللانحياز الثقافي، فإن ماهية الثقافة ماهية اجتماعية ومجتمعية بحصر المعنى. ومن ثم، فإن الثقافة هي انبساط الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ. وهو ما يجعل العالم إنسانياً باطِّراد، والإنسان عالميًا باطِّراد. فكل نسق من أنساق العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية يؤسِّسه، ويؤازره ويسوِّغه نسق ثقافي، تحدِّده رؤية معينة للعالم، للطبيعة والمجتمع والإنسان. هذا الكل المركب من العلاقات والبنى والتنظيمات الاجتماعية والاختيارات والتحيزات الثقافية ينطوي بداهة على اتجاهات متباينة ومتعارضة في المجتمع الواحد، بدءاً باتجاهات الأفراد وصولاً إلى الخيارات الاجتماعية، يحكمها جميعاً جدل العشوائية والانتظام، الذي يؤسس المجموعات الحرة التشكُّلية، وفق المبدأ الرياضي الأكثر تجريداً، ولكن الأكثر تعبيراً عن منطق الواقع، في احتماليته وحركته الدائمة وتغيره المستمر. على أن حركة المجتمع التي تولدها تعارضاته الملازمة هي دوماً حركة جذب ونبذ، في جميع الاتجاهات، كتلك التي تبقي وتر القوس مشدوداً، وليس ثمة من حتمية اجتماعية، أو حتمية تاريخية، بل احتمالية فحسب. والحتمي، إذا كانت الحتمية تعز علينا، هو ما تحقق فقط. والتغير الاجتماعي الذي تؤسس له الثقافة، بالمعنى الذي أشرنا إليه، كلي وداخلي، أولاً. وضروري للاستقرار، ثانيا. وليس أحادي الخط أو الاتجاه، ثالثا. وإلا لكان الناس "ملة واحدة"، ونسخا كربونية يستجيبون للمؤثرات الخارجية استجابات متماثلة. وهو ما يؤسس مشروعية الحوار. وإذا كان الارتباط قائماً بين العلاقات الاجتماعية والأنساق الثقافية، على هذا النحو، فإن ثمة ارتباطاً أكيداً بينهما وبين أنماط الحكم: الأوليجارشية والاستبدادية والملكية المطلقة أو المقيدة والجمهورية والديمقراطية، بل إن المرء ليميل إلى القول بأن أنماط الحكم هي النتيجة المنطقية والمحصلة النهائية للعلاقات الاجتماعية الثقافية. أي إن نمط الحكم لا يعدو كونه إعادة إنتاج هذه العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والتحيزات الثقافية في الحقل السياسي... تابع


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com