قضية العدد

تتمة المقال

 

في ضوء ما تقدم، يمكن أن نقارب هذه العلاقة الجدلية في أوضاعنا الراهنة، أي في بيئة الدولة الاستبدادية التسلطية القائمة على الاحتكار الفعال، لا لمصادر السلطة والثروة والقوة فحسب، بل للحقيقة والوطنية أيضا. الأوضاع التي يمكن تلخيصها باجتماع الرأي والسيف في يد واحدة. ولا نريد أن نكرر ما بات معروفًا من ارتباط العلاقات الاجتماعية التقليدية بأنساق ثقافية مغلقة على حقائقها النهائية الناجزة التي تحكمها جميعا رؤية مشتركة إن لم نقل واحدة للعالم. بل نشير إلى حقل معرفي جديد، في الفكر السياسي، وفي علم الاجتماع السياسي، واجتماعيات الثقافة، ذلكم هو حقل الدولة التسلطية والمجتمع الجماهيري، مجتمع المسيرات المليونية والهتافات الببغاوية، والثقافة الجماهيرية. ولعل ثقافة الحوار التي أميل إلى وصفها بالثقافة المدنية، أو ثقافة المجتمع المدني، أو الثقافة الديمقراطية، تكون مدخلنا إلى ذلك. ولا معنى لثقافة الحوار إن لم تؤسس لتغيير اجتماعي سياسي، وصفت أهم خصائصه. ولا أمل إن لم تستعد الثقافة جذرها الجدلي والأخلاقي، وإن لم يكن الإنسان مركز دائرتها والحرية والحقيقة مبدأها وغايتها.

تضايف الحوار والثقافة الذي ينتج عنه تركيب "ثقافة الحوار" يعيدنا مرة أخرى، في موضوع ثقافة الحوار، إلى خصائص المضاف إليه، أي إلى خصائص الحوار الذي لا يكتمل ولا يعطي ثماره المرجوَّة ما لم تجتمع أركانه الثلاثة معا: الحوار مع الذات والحوار مع الآخر والحوار مع العالم، بالشروط التي أشرنا إليها، فإذا اقتصر الحوار على أحد هذه الأركان، أو غاب عنه أحدها أفضى، في كل حالة على حدة، إلى نتيجة مختلفة. فالحوار مع الذات من دون الحوار مع الآخر ومع العالم، يؤدي إلى الاستبداد الذي يلازمه تخثر التاريخ وركود المجتمع وانحطاط الثقافة. والحوار مع الآخر من دون الحوار مع الذات ومع العالم، يؤدي إلى الغطرسة والاستعلاء ويقابلهما الانقياد والتبعية. والحوار مع العالم من دون الحوار مع الذات ومع الآخر يؤدي إما إلى إعادة إنتاج عبودية الإنسان لعالمه الموضوعي، وإما إلى نوع من "حرية" قطيعية أو إلى فوضى لا يحدها حد ولا ينظمها قانون، أي إنه يؤدي إما إلى بروميثيوس المقيد وإما إلى بروميثيوس الطليق، وكلاهما وجهان للعملة ذاتها، فالحرية المطلقة هي عبودية مطلقة. ومن ثم فإن ثقافة الحوار هي النتيجة الضرورية أو المنتوج الضروري أو الناتج الضروري عن هذه الأركان مجتمعةً. والثقافة التي تمهد لتغييرات جذرية في حياة الأمة وتضعها على خط التقدم، أو خط تجاوز الحاضر، هي الثقافة التي تتوفر على إمكانيات الحوار مع الذات ومع الآخر ومع العالم في الوقت ذاته. وفي ضوء ذلك يمكن القول: إن الثقافة الجماهيرية، ثقافة الدولة التسلطية القائمة على حكم الأوليجارشية أو حكم الطغمة أو حكم الحزب الواحد هي ثقافة تقتصر على الحوار مع الذات ناقصا استقلال الوجدان وجهاد المعرفة، ثقافة انفكت فيها الروابط الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة، وتحول فيها الفكر إلى أيديولوجية يروجها إعلام ناقص وكاذب يغطي أو يكاد يغطي الحقل الثقافي كله، حتى ليمكن القول: إن الثقافة الجماهيرية هي مجرد إعلام ودعاية لأوهام ذاتية رفعت إلى مصاف الحقائق الكلية، والنهائية وإلى مصاف المقدسات، يكتفي المرسل والمتلقي فيهما بالتكرار الببغاوي مصحوبا بعدم المبالاة. المرسل يكذب ولا يبالي، والمتلقي يعرف أنه يتلقى أكاذيب ولا يبالي. وليس بوسع ثقافة كهذه أن تعيش إلا في كنف البوليس السري والإرهاب، ولذلك يصح أن يطلق عليها اسم "ثقافة الخوف". ولعل الفارق المعرفي والأخلاقي بين الثقافة الديمقراطية والثقافة الجماهيرية أن الأولى مبدؤها النقص والثانية مبدؤها الكمال. والكمال هو مبدأ الاستبداد من أي جهة أتى. الثقافة الجماهيرية هي ثقافة إفقار الإنسان وتقفيره، إفقار الفرد والمجتمع وتقفيرهما، أي تحويلهما إلى قفر تتناوح فيه رياح البؤس والشكوى والتذمر المكتوم، لإغناء الحاكم الذي كلما ازداد غنى يزداد الشعب فقرا، وكلما ازداد رفعة وسموا يزداد الشعب وضاعة ومهانة. لذلك نضع الثقافة الديمقراطية، أو ثقافة المجتمع المدني، بوصفه فضاء مشتركا من الحرية، في معارضة الثقافة الجماهيرية السائدة في بلادنا، ثقافة الدولة التسلطية. والثقافة الديمقراطية ليست معطى ناجزاً، وإن تكن مبادئها ومفاهيمها ومقولاتها مبثوثة في تجارب المجتمعات الحديثة وفي فكرها وثقافتها، بل هي ما ينتجه الحوار مع الذات ومع الآخر ومع العالم، بشروط الزمان والمكان ودرجة نمو المعرفة والعمل. ولذلك كانت حرية الفكر والضمير غير المحدودة بأي حد وغير المقيدة بأي قيد سوى حد الفكر والضمير وقيدهما، شرطا ضروريًا للانتقال الواجب والممكن من الثقافة الجماهيرية إلى الثقافة الديمقراطية، وشرطاً لازماً وضرورياً للانتقال التدريجي إلى نظام اجتماعي سياسي ديموقراطي. فكل مشروع سياسي لا بد أن يمهد له ويواكبه ويلازمه مشروع ثقافي. والمشروع الثقافي المطلوب اليوم هو مشروع نقد وتأسيس يعيد إنتاج العلاقات الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com