المحور السياسي 

 

 الحاجة إلى الخوف

بقلم
جاد الكريم الجباعي

تسلم الرئيس الأمريكي بوش الابن مقاليد الحكم وهو على يقين راسخ أن بلاده حققت قيادتها المطلقة للعالم في عهد الرئيسين الجمهوريين السابقين ريغان وبوش الأب، وأن عليه أن يستدرك ما فوَّته الرئيس الديمقراطي السابق بل كلينتون، فيحافظ على هذه القيادة ويعززها بجميع الوسائل الاقتصادية والعسكرية والإعلامية والنفسية. ولا سيما أن عاصفة الصحراء خمدت أو كادت تخمد، فلا بد من عاصفة جديدة لا تبقي من "أعداء أمربكة" ولا تذر. ولم يتريث الرئيس العتيد في نسبة ما حدث في واشنطن ونيويورك، في الحادي عشر من أيلول المنصرم، إلى المسلمين عامة والعرب منهم خاصة، ممثلين بأسامة بن لادن. وقد توافر له من "الأدلة" ما لا يمكن أن يقنع، في حينه، سوى رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير وأمثاله. ولم يتريث مرة أخرى في تحميل ابن لادن مسؤولية الرسائل التي تحمل جرثومة الجمرة الخبيثة قبل أن تتحقق إدارته من وجود صلة بين ابن لادن وهذا النوع الجديد من الإرهاب.

تردد الرئيس الأمريكي في تسمية الحرب الجديدة التي تشنها الولايات المتحدة على العالم باسم مكافحة الإرهاب، فهي حرب صليبية مرة، وحرب العدالة المطلقة (عدالة أمربكة بالطبع) مرة أخرى، وحرب الحرية الراسخة مرة ثالثة، وفي جميع الأحوال إنها الحرب. ولابد أن يعيش العالم كله في أجوائها، وأن تعركه عرك الرحى بثقالها، بتعبير الشاعر العربي، زهير بن أبي سلمى. حرب على عدو مجهول لأهداف معلومة. العدو هو الإرهاب، والأهداف هي ذاتها أهداف "عاصفة الصحراء" ما تحقق منها وما لم يتحقق بعد. وساحتها هي العالم بأسره، والحرب على أفغانستان أحد سيناريوهاتها، وأحد مختبراتها، وأحد أشكالها فحسب. وثمة سيناريوهات أخرى وأشكال أخرى لم يخفها المسؤولون الأمريكيون، وفي مقدمهم الرئيس الأمريكي. والسؤال المطروح اليوم: هل ثمة علاقة موضوعية بين الأسباب المعلنة لهذه الحرب والأهداف المنشودة منها؟ لو كان هناك مثل هذه العلاقة لما قامت الولايات المتحدة بأي عمل قبل أن تتحقق هي أولاً من هوية مرتكبي جريمة الحادي عشر من أيلول في واشنطن ونيويورك وبنسلفانيا، ثم تعلن ذلك على الملأ، وهي تعلم أنه ليس بوسع ابن لادن وتنظيم القاعدة وحكومة طالبان أن يفروا خارج العالم الذي تهيمن عليه. ولو كان هناك مثل هذه العلاقة لما حولت القضية إلى إرغام حكومة طالبان على تسليم ابن لادن لمحاكمته، ومن ثم لإثبات تورطه أو عدم تورطه في هذه الجريمة.

أدعي أن عدم وجود علاقة موضوعية بين الأسباب المعلنة والأهداف المنشودة يقتضي وضع العالم كله، بما في ذلك الشعب الأمريكي، في أجواء الخوف والرعب. وهل هناك ما هو أدعى إلى ذلك من نشر جرثومة مرض فتاك كمرض الجمرة الخبيثة؟ وحين يكون الأمر كذلك فإن جميع الحماقات ممكنة، وليس بوسع أحد أن يتوقع ما هي الخطوة التالية التي يمكن أن تخطوها سيدة العالم التي طورت جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة البيولوجية أو الجرثومية.

الخوف من الجمرة الخبيثة ينتقل بسرعة انتقال الأخبار والمعلومات من مجلس الشيوخ الأمريكي إلى مجلس العموم البريطاني إلى برلمان أستراليا إلى برلمان كرواتيا إلى بعض السفارات الأمريكية والمؤسسات الإعلامية وبعض المصارف إلى أحد المباني في طوكيو إلى مكتب المستشار الألماني غيرهارد شرودر إلى مكتب رئيس الوزراء الهولندي فيم كوك .. ويعم العالم بأسره، العالم الذي يمكن أن يغدو قرية كونية موبوءة، أو قرية كونية تعيش تحت كابوس الخوف. ما يجمع بين المستهدفين الأوائل بجرثومة الجمرة الخبيثة كونهم صناع قرار وإعلاميين وأرباب مال وأصحاب نفوذ. وللخوف والتخويف هنا وظائف شتى، أهمها التعبئة العامة على الصعيد الأمريكي، وعلى صعيد العالم، وفتح اعتمادات مفتوحة للحرب، ولشراء الأسلحة والمعدات من كل نوع، ولتطوير أسلحة جديدة، وإيهام العالم أن إدارة بوش تخوض حرباً على الشر نيابة عن العالم كله، وإلزام جميع دول العالم على التعاون العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي والإعلامي مع الإدارة الأمريكية التي لن تقبل بعد اليوم أن يشاركها أحد في أي قرار.

الأمن لا يعرف إلا بدلالة الخوف. والخوف من شأنه أن يسوِّغ أي عمل يعتقد أنه يدرأ غائلته، أو يقضي على أسبابه. فدافع الضريبة الأمريكي لن يسأل بعد اليوم عن أوجه إنفاقها، ولن يعترض على أي إجراء مقيد للحرية تتخذه المؤسسات الأمنية، ما دام يظن أنه يستهدف حمايته. ودول العالم كافة لن تبخل بما لديها من معلومات، بما فيها تلك التي تتعلق بمواطنيها، وبما كان ذات يوم من أسرارها الوطنية، ولن يكون لدى أي منها القدرة على الاعتراض على تفتيش مؤسساتها ومنشآتها، حين تقرر الإدارة الأمريكية ذلك، وإلا وصمت بتهمة الإرهاب. ولا بد أن يغدو هاجس المسحوق الأبيض، ومساحيق أخرى من كل لون، هاجساًً عالمياً. ألسنا في عصر العولمة، عصر صناعة الهواجس والمخاوف والآلام والأوهام؟ ومن هذه الزاوية كانت أحداث الحادي عشر من أيلول "هدية سنية لليمين الأمريكي"، كما قال المفكر وعالم اللسانيات الأمريكي نعوم تشومسكي. فقد زرعت الإدارة الأمريكية الخوف في كل بيت أمريكي، وفي كل دولة، وسوف تظل تسقي هذا الزرع الخبيث حتى تنتهي حربها على الإرهاب، إذا كان لها أن تنتهي.

الرئيس الأمريكي لم يستبعد تورط ابن لادن في هذا النوع الجديد من الإرهاب، وقال إنه لن يعفيه من ذلك ولو كان بريئاً منه، بحسب تصريحه في مؤتمر صحفي مع الرئيس الصيني في شنغهاي. ولم يستبعد كذلك تورط أمريكيين جادين أو مازحين، في حين أشارت صحيفة الغارديان اللندنية بإصبع الاتهام إلى العراق. "ورداً على ما نشرته "الغارديان" قبل أيام عن امتلاك العراق أسلحة مجهزة برؤوس تحمل الجرثومة لاستخدامها في حرب جرثومية، نقلت الصحيفة البريطانية نفسها عن أحد مفتشي الأمم المتحدة السابقين المكلفين نزع سلاح العراق، سكوت ريتر، أن اتهام العراق أمر "غير مسؤول" لأن أكثر المعطيات المتوافرة تشير إلى العكس. وقال: إن "أولئك الذين يلوحون بأن جرثومة الجمرة الخبيثة المستعملة في الهجمات الأخيرة آتية من العراق، بمن فيهم ريتشارد باتلر، كبير مفتشي الأمم المتحدة في العراق، لا يفعلون إلا تأجيج مشاعر الخوف والهلع". وأضاف: "لا وجود لأي رابط من أي نوع بين العراق والجرثومة، وإنه لمن انعدام المسؤولية أن يتورط شخص في مكانة باتلر في مثل هذه الترهات". وأكد أن الأمم المتحدة لم تعثر قط على إثبات أن العراق احتفظ بقدرته على إنتاج سلاح بيولوجي، بعدما اخضع لـ "أشد عمليات التفتيش في تاريخ الرقابة على الأسلحة". كما أنه من الناحية السياسية، "لا سبب لدى العراق للتورط في هجوم بيولوجي" في الوقت الذي سجلت حملته الدبلوماسية لرفع العقوبات الاقتصادية مكاسب. ولاحظ أن الهجمات بالجمرة الخبيثة وفرت لواشنطن "حجة عملية" لمعاودة إطلاق سياستها المعادية للرئيس العراقي صدام حسين" بحسب ما ذكرت صحيفة النهار عن الوكالات، في عددها الذي صدر يوم 20/10/2001. وسواء كان للنظام العراقي صلة بالأمر أو لم يكن له صله فأغلب الظن أن ما يجري في أفغانستان قد يتكرر في العراق.

يتساءل الجميع اليوم: هل نشر جرثومة الجمرة الخبيثة عمل إرهابي أم عمل استخباراتي أم حرب بيولوجية ؟ وليس بوسع أحد أن يجيب إجابة قاطعة، غير الذين يخططون لهذا العمل وينفذونه، وهؤلاء هم المجهول الذي تحارب به، وتحاربه، إدارة بوش. ولكن السؤال الأهم هو: هل تحارب إدارة بوش الإرهاب حقاً، أم إنها تعيد إنتاجه وتعممه؟

بوش وابن لادن علمان على مطالع القرن الحادي والعشرين، علمان على عصر "العولمة" وانحطاطه الروحي والأخلاقي، ويمكن أن يضاف إليهما قائمة طويلة من الأسماء المعروفة للجميع، يتصدرها رونالد ريغان وبوش الأب، ولا تنتهي بالإرهابي الصهيوني أرييل شارون. وهما، بوش وابن لادن، في اعتقادي، صنوان أو وجهان لعملة واحدة، كل منهما لازم للآخر لزوماً منطقياً وواقعياً: أحدهما ينتج الخوف والألم والموت والدمار، والآخر يستثمرها، ويعيد إنتاجها على صعيد العالم. وكلاهما يعتقدان أن نسبيَّهما هو المطلق، أحدهما يرى "العدالة المطلقة" في فرض تصوره الخاص عما هو الإسلام، والثاني يراها في فرض تصوره الخاص عما هي الديمقراطية وحقوق الإنسان، التصور الذي لا يعني سوى فرض قيادة الولايات المتحدة على العالم. ويبدو لي أن إدارة بوش الابن، كإدارة بوش الأب، في حاجة دائمة إلى الخوف حاجتها إلى الحرب، وإلى تطوير أسلحتها. ما دامت صناعة السلاح وتجارة السلاح من أهم منشطات الاقتصاد الأمريكي، ومن أهم أدوات الهيمنة الأمريكية..
 


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com