المحور الاقتصادي

 

 هل الحرب ضرورية للاقتصاد؟

بقلم 
بسام الطيارة

يثبت التاريخ أن الحرب مضرة للاقتصاد، ولكنه يثبت أيضا أن الحرب مفيدة له!. وبعيدا عن التاريخ وعامل الأزمات الاقتصادية الدورية، وحتمية الحرب لأسباب اقتصادية، فإن مجرد الحديث عن الحرب يترك تأثيرات كثيرة على الاقتصاد بمختلف مستوياته.

ويتفق جميع الاقتصاديين على أن الحرب (من لحظة اندلاع النزاع حتى نهايته ووقف إطلاق النار) لا تشكل عاملا سلبيا على الاقتصاد، كذلك مرحلة ما بعد الحرب. وعلى العكس تشكل المرحلتان عوامل مؤهبة إيجابيا للاقتصاد العالمي. وليس بالضرورة اقتصاد المنتصرين، لكن ما يؤثر سلبا على الاقتصاد هو حال "لا حرب ولا سلام"، فهي أسوأ ما يمكن أن يصيب الاقتصاد العالمي، لأنها لا تسمح باتخاذ القرارات الحاسمة والضرورية اقتصاديا مثل الاستثمارات على المدى الطويل والمتوسط. كما أنها تؤثر مباشرة على أسعار المواد الأولية وبالتالي على أسعار السلع المصنعة ونسب الاستهلاك بشكل عام، أي على نسب النمو. كما أنها تسمح بظهور احتكارات، كان يصعب تكتلها في ظل الأسواق المفتوحة وفائض الإنتاج، وتعيد التكتلات الاحتكارية توزيع خريطة تقاسم النفوذ بين الصناعات والشركات الكبرى.

وبالطبع تؤدي هذه العوامل إلى أزمات اجتماعية تزيد من حدة الأزمات الاقتصادية، لذا يدعو الاقتصاديون إلى الخروج من "الفترة الرمادية" والانتقال إما إلى فترة بيضاء أو فترة سوداء. لكن كثيرين من الاقتصاديين يرفضون الدخول في نقاشات الفترة الرمادية خوفا من اتهامهم بالدفع نحو الحرب أو بالانهزامية. والتهمتان يمكنهما أن ترتدا سلبا على الاقتصاد. لذا "هجر" الاقتصاديون العاملون (الصناعيون وأصحاب الرساميل ومستثمرو البورصة) ساحة التسويق للحرب أو للسلام وتركوها للمنظرين القادمين من آفاق سياسية اقتصادية، خصوصا للضالعين بفلسفة العلوم السياسية والعلوم الاقتصادية - السياسية وفي بعض الأحيان للمتمرسين بالتاريخ. ولم يعد دور هؤلاء مقتصرا على "التنظير"، بل باتوا يمدون صناديق الاستثمار والمصارف الكبرى بتقارير "تقويمية" لاحتمالات وقوع الحرب وانعكاساتها السياسية. بينما ظلت أرقام مختلف السيناريوهات متروكة للاقتصاديين يعملون كتقنيين فقط واضعين معارفهم التقنية لتفسير نظريات لم يساهموا بوضعها أو باستخلاصها.

من هنا تأخذ عملية تسويق الاستعداد للحرب طابع "حفلة تنكرية" لا يريد أي من الناشطين الاقتصاديين الفاعليين أن يظهر فيها على رغم رغبتهم جميعا بالمشاركة فيها، بينما وضع المنظرين والمحللين السياسيين - الاقتصاديين في واجهة الأحداث يسمح بإبقاء تسويق الحرب أو السلام ضمن الجدلية السياسية والنقاش المفتوح، على رغم تأثيره المباشر على الرأي العام وبالتالي على المستهلك ومن ثم النمو الاقتصادي.

والواقع أن الجدلية التسويقية لموضوع الحرب تبنى على مجموعة أسئلة سياسية ونظرية يمكن للاقتصادي أن يستنتج منها أرقاما وتوجهات تجعلها عمليات التسويق توقعات ومؤشرات. وبعض هذه الأسئلة ظاهره بعيد جدا عن الاقتصاد، لكن باطنه من صميم الاهتمامات الاقتصادية. ومن أبرز الأسئلة "ذات الحدين": ما هي الأسباب الحقيقية للحرب؟ وبغض النظر عن الأسباب السياسية والإستراتيجية فإن طرح السؤال في سياق اقتصادي يشير بلا شك إلى انعكاسات الحرب على النفط وأسعاره. وبالتالي فإن السؤال موجه مباشرة للتأثير على كل ما يتعلق بتجارة وصناعة النفط والطاقة في العالم. كما أن لهذا السؤال بعدا صناعيا حقيقيا عندما يشار إلى الشركات المصنعة للأسلحة وللتكنولوجيا المتقدمة المستعملة في الحروب. وهذا ما يجب أن يلفت الانتباه إلى أسعار أسهم الشركات الكبرى العاملة في مجالات تصنيع الأسلحة وتكنولوجيا الحرب.

ويترك طرح هذا السؤال فقاعات من المرارة في بحيرة العلاقات بين الحلفاء لتأثيره المباشر على اقتصادياتها الوطنية، مثل صناعاتها المحلية واليد العاملة ونسب البطالة. كذلك هو الأمر بالنسبة إلى السؤال حول الصراع بين اليورو والدولار، فتراجع كبير لسعر الدولار يعني تراجعا للصادرات الأوروبية (المحسوبة بالعملة الأوروبية)، أي أنه تراجع لنموها. بينما الارتفاع الكبير لسعر الدولار (وهو ما يحصل دائما خلال الأزمات) يقود إلى تراجع الاقتصاد الأميركي وانكماش الآلة الصناعية والاستهلاك وتراجع معدل النمو فيه وارتفاع تكاليف الحرب بشكل كبير. وفي المقابل ينتعش الاقتصاد الأوروبي والآسيوي على حساب "اقتصاد البلد المقاتل"، ما يفتح أبواب المساهمات في مصاريف الحرب أو في عملية ما بعد الحرب.

وفترة بناء السلام بعد الحرب هي أيضا في أعلى سلم أولويات عالم اقتصاد الحرب. ويمكن القول إن أسباب الحرب اقتصادية وتكمن في مرحلة ما بعد الحرب، من دون الذهاب إلى حد القول إن أجمل ما تحلم به الصناعة هو تدمير السلع المصنعة لإعادة تصنيعها بشكل لا نهاية له.

من الطبيعي أن فترة ما بعد الحرب هي دائما فترة نمو اقتصادي لمختلف الناشطين في عملية إعادة الأعمار، وشهد التاريخ القريب عمليات انتشال اقتصادي كبرى مثل "مشروع مارشال" في أوروبا. ولكن لا يمكن تعميم التجربة، فنهضة اليابان ليست وليدة مشروع أميركي اقتصادي متكامل، بل وليدة ظروف ذاتية بالدرجة الأولى ساهم انغماس واشنطن في الحرب الكورية وبحر فيتنام والطلب على السلع اليابانية من قبل الآلة الحربية الأميركية بدفع الاقتصاد الياباني إلى قمة إنتاجيته.

كما أن التسويق الاقتصادي لفترة مرحلة ما بعد الحرب يصطدم بعقبات تقاسم الحلفاء غنائم حرب لم تقع. لذا فإن هذا تسويق متروك للعولمة الصناعية التي بلغت مرحلة لا يمكن إلا أن تكون هناك إفادة مشتركة للجميع من عمليات إعادة إعمار ضخمة. غير أن إعادة إعمار الكويت بعد فترة الاحتلال أثبتت أن العولمة الصناعية والتجارية تتراجع بعد الحروب وأن الكسب الاقتصادي يكون أولا وأخيرا للمحارب الذي رمى بجيوشه في أتون المعركة.
.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com