المحور الاجتماعي

 

صراخ الأمهات في البيوت

بقلم
 د0احمد فوزي توفيق
أستاذ بكلية طب عين شمس

ظاهرة جديدة تسللت إلى حياتنا وبيوتنا وأصبحت مرضا خطيرا بل وباء مزعجا ينشر :النار في الهشيم ، الظاهرة الصراخ المستمر للزوجة " الأم" طوال اليوم حتى لا يكاد يخلو منه بيت أو تنجو منه أسرة لديها أطفال في المراحل التعليمية المختلفة 0( يا ساده اسمحوا لي أن أدق ناقوس الخطر 00

ففي معظم بيوتنا الآن وبسبب الأعباء المتزايدة على الأم بسبب العمل وصعوبة الحياة وسرعة إيقاعها ومشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والضغوط النفسية المتزايدة ، وربما أيضا بسبب طموحات المرآة التي تصطدم غالبا بصخرة الواقع المر والمعاكس ، بالإضافة إلى مسئولية الأم في مساعدة أطفالها في تحصيل وفهم واستيعاب دروسهم ودس المعلومات في رؤوسهم بعد أن فقدت المدرسة دورها ، الأمر الذي جعل الأم في موقف صعب لا تحسد عليه خاصة في أيام الامتحانات وهي على الأبواب ، فكيف لها بعد يوم عمل شاق وطويل ومعاناة في العمل وفي الشارع في رحلتي الذهاب والعودة ، وربما بسبب القهر الذي تشعر به من الرجال تجاهها خارج المنزل، وأحيانا داخله ، كيف لها بعد كل ذلك أن تقوم بدورها في تربية وتنشئة أطفالها وتقويم سلوكياتهم وإصلاح " المعوج" منها أمام طوفان من التأثيرات السلبية تحيط بهم من كل جانب في زمن القنوات المفتوحة والدش والإنترنت والموبايل والإعلانات الاستفزازية ؟؟ وكيف لها بعد أن تعود إلى بيتها مرهقة ومنهكة وغالبا محبطة أن تدرس الدروس والمعلومات والإرشادات والتوجيهات في عقول أبنائها في برشامة مركزة يصعب عليهم غالبا ابتلاعها ! وهنا ظهر المرض ومعه الكثير من الأمراض المختلفة ، وكثرت الضحايا وامتلأت عيادات الأطباء بأمهات معذبات تجمعهن غالبا ظروف متشابهة وهي انشغال الأب بعمله أو سفره للخارج ، واعتقاده الخاطئ أن دوره يقتصر على توفير الأموال لأسرته واعتماده الكامل على الزوجة في التربية والتنشئة ومساعدة الأطفال في تحصيل دروسهم 00 الأمر الذي شكل عبئا كبيرا على الزوجة وضغطا مستمرا على أعصابها.. الخطورة هنا أنه مع تطور أعراض المرض والتي تبدأ كالعادة " ذاكر يا ولد 00 ذاكري يا بنت أسكت يا ولد ابعد عن أختك ما تعطلهاش حرام عليكم تعبتوني أنتم ما بتفهموش الخ تقوم الأم ذلك بانفعال وحده ثم بصوت عال ورويدا رويدا تبدأ في الصراخ وتفقد أعصابها تماما وتتحول الحياة في البيت إلى جحيم 00 وهنا يبدأ الأطفال في الاعتياد على الصراخ ويتعايشون معه فهم يصبحون عليه ويمسون عليه " اصحي يا ولد الباص زمانه جاي 00 نامي يا بنت عشان تصحي بدري " اطفي التليفزيون يا بني آدم ابقوا قابلوني لو فلحتم الخ المهم في هذا الجو يبدأ كبار الأطفال في التعامل مع أشقائهم الأصغر بأسلوب الصراخ  وهنا يزداد صراخ الأم للسيطرة على الموقف 00 ولو فكر أحد يوما في أن يستعمل السلم بدلا من المصعد للصعود إلى شقته فسوف يسمع صراخا يصم الأذنين ينبعث من معظم الشقق وعندما يحضر الأب بعد يوم شاق واجه خلاله ضوضاء وصراخا في كل مكان في العمل في الشارع ويكون محملا غالبا بمشاكل وصراعات واحباطات وربما أيضا بصراخ الضمير في زمن أصبح الماسك فيه على دينه وأمانته ونزاهته وأخلاقه كماسك الجمر بيده أو بكلتا يديه المهم عند عودة الأب يحاول الجميع افتعال الهدوء تجنبا لمواجهات حتمية قد لا تحمد عقباها ، ولكن لأن الطبع يغلب التطبع ، لان المرض يكون قد أصاب كل أفراد الأسرة 00 فان الأب يفاجأ بالظاهرة بعد أن أصبحت مرضا مدمرا فيبدأ المناقشة مع زوجته 00 ماذا حدث ؟ ولماذا ؟ إيه اللي جرى لكم؟ صوتكم واصل للشارع ؟ فــتبكي الزوجة المسكينة وتنهار وتعترض : نعم أنا أصرخ طوال النهار أنا قربت أتجنن ولكنه الأسلوب الوحيد الذي أستطيع التعامل به مع أولادك " أقعد معانا يوم وجرب بنفسك وهنا ربما يحاول الزوج احتواء الموقف ودعوة زوجته المنهارة للهدوء وربما يطيب خاطرها بكلمة أو كلمتين ولكن - وهذا هو الأغلب حدوثا للآسف – ربما ينحرف الحوار إلى الجهة الأخرى خاصة عندما يؤكد الزوج لزوجته أنه هو الآخر على أخره وتعبان ومحبط وعايز يأكل وينام وهنا قد تصرخ الزوجة حرام عليك حس بيه شويه أتكلم أمتي معاك ؟ ساعدني أنا محتاجة لك ويرد الزوج غالبا وأنا محتاج لشوية هدوء حرام عليك أنت.. وكلمة وكلمتين يجد الزوج نفسه في النهاية يصرخ هو الآخر ، فلا أسلوب يمكن التعامل به مع هؤلاء سوي الصراخ وتفشل محاولات بعض العقلاء من الأزواج في احتواء الموقف والتعامل مع الظاهرة " الصارخة " بالحكمة والمنطق والهدوء ويستمر الجحيم الانهيار وأتوقف هنا لأؤكد أنني من واقع ما رصدته من حالات من خلال عملي ، ومن واقع ما وصل إلى علمي ومسامعي حول هذه الظاهرة فأنني وجدتني اكتب لكم عنها ، ولست أعمم ذلك على الجميع ولست أضع الأم المصرية المكافحة محل الاتهام بالعكس فبنفس القدر الذي أريد أن القي فيه الضوء على تلك الظاهرة فأنني أؤكد أن الأم المصرية رغم كل ما يواجهها من صعوبات وتحديات ما زالت تؤدي دورها على أحسن وجه وتربي أولادها وتضحي من أتجلهم وتعطيهم الحب والحنان ، وحتى هؤلاء اللاتي أصبن بهذا المرض المهلك وهو مرض الصراخ فهذا لا يقلل من قدرهن ودورهن ومكانتهن ، بل حرصهن الشديد على مصلحة أطفالهن وأسرهن 00 ولكن ما دفعني للكتابة هو رغبتي في أن اطرح سؤالا إلى متى ستظلين تصرخين يا سيدتي ؟ وربما أردت أيضا أن أضع هذه الظاهرة الخطيرة على مائدة البحث والدراسة ، وان استنفر الجميع لمحاولة البحث عن أسبابها وعلاجها ولعل من المناسب أن اطرح سؤالا أخيرا : إيه اللي جرى للدنيا ؟ أين أمهات الزمن الجميل ؟ هل كانت أمهاتنا يصرخن مهما زاد عدد أفراد الأسرة ؟ وهل فشلن في تربيتنا وتنشئتنا ؟ ولماذا إذن الكثيرون منا رجالا ونساء فاشلون في تربية أطفالهم ورعاية أسرهم ؟ لماذا أصبح الصراخ هو اللغة الوحيدة للحوار ، بل السمة المميزة والمسموعة لبيوتنا ؟

وفي النهاية فإنه بالتبعية اصرخ أيضا لعل صوتي يصل إلى الجميع فهل تجد صرختي هذه صدى عند علماء النفس والدين والاجتماع ؟؟.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com