المحور اإسلامي

 

البعد الإسلامي
في ثفاقة الأطفال

بقلم
سعد رفعت راجح

 


ما لا شك فيه أن لكل أمة من الأمم مبادىء وقيمًا ومفاهيم ومواقف تمثِّل شخصيتها الظاهرة، وتعبِّر عن نظرتها للحياة وتنم عن تصورها للوجود .. فتحرص على استمرارها والمحافظة على كيانها ووقايتها من عوارض الزمن وصراع الأفكار وتبذل في سبيل رسوخها وثباتها كل ما تملك من نفس ونفيس وجهد وجهيد

وإذا كان هذا شأن كل ثقافة في كل أمة ··· فإن الحرص على الثقافة الإسلامية ونشرها وتوريثها للأجيال المقبلة أدعى وأولى··· فهي فكر دين ختم الله به الرسالات، وتصور رسالة بُعث نبيها للعالمين··· ونظرة حق ورَّثت للبشرية هداية ونفعاً، ومنهج خلافة ملأ الأرض عدلاً ونوراً·
وإن أقرب مسلك يحفظ لهذه الثقافة استمرارها··· وأجدى وسيلة تضمن لها قوتها هو بناؤها في نفوس الناشئة بناء يبذر عناصرها منذ وجودهم في أحضان أمهاتهم··· ويعوِّدهم النشأة عليها·· وهم في مدارج طفولتهم لتتأهل نفوسهم لأداء دورهم في الحياة إذا بلغوا سن الرشد··· بعد أن تؤمن قلوبهم، وتهتدي عقولهم، وتستقيم جوارحهم عندما يكتب للثقافة الإسلامية التمكين·
كما أن ثقافة الطفل في أي مجتمع تحكمها رؤى ومعالم تشكل عناصرها وتحدد ملامحها، بحيث تتميز وتختلف عن مثيلتها في أي مجتمع آخر··· وقد لوحظ في السنوات الأخيرة أن المسؤولين عن الطفولة··· وكذلك الأدباء والكتاب الذين يقدمون أعمالاً إبداعية للطفل··· قد أولوا اهتماماً خاصاً للبعد الإسلامي والعربي في ثقافة أطفالنا·· ولعلهم انتبهوا إلى هذا الزحف الجارف لمزيد من الأعمال المستوردة الجاهزة التي تهبط علينا من الغرب والتي تُقدَّمُ إلى أطفالنا دون تنقية أو اختيار بما يتلاءم مع عقلية الطفل العربي·
وما هذا المقال إلا علامات مرور في الدرب الثقافي لأطفالنا وذلك من أجل الوصول إلى إطار مفتوح للتربية الإسلامية المعاصرة·

تربية وثقافة ما قبل الإسلام
ولا شك أن المجتمع العربي قبل الإسلام كان يسوده النظام القبلي··· ذلك النظام الذي كان ينظر إلى النشء على أنهم···رجال صغار السن، يدل على ذلك قول شاعرهم عمرو بن كلثوم:

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ..................تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

ويؤكد ذلك أيضاً شاعر من بني نهشل حيث يقول:
إنَّا ـ بني نهشل لا ندَّعي لأب ….......….. عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
إن تُبتدر غاية لمكرُمةٍ ….......….. تلْق السوابقُ منَّا والمصلِّينا
وليس يهلك منَّا سيدٌ أبداً …….......… إلا افتلينا غلاماً سيِّداً فينا
وهذا الأمر إن شابته مبالغة كبيرة، إلا أننا نستخلص منه أهمية إعداد النشء وتربيتهم ليكونوا على مستوى التبعة والمهام المطلوبة، بيد أن العرب الجاهليين لم يكن لديهم غالباً طرق محددة في تثقيف النشء، وإنما كان الصغار يأخذون ما يصل إليهم من الآداب والأخلاق والمعارف بالتقليد والمحاكاة·· أو بما يسمعونه من النصائح والعظات التي يلقيها عليهم الآباء والأمهات والحكماء·· أو بما يتدبرونه من الشعر فن العربية الأول ومعانيه الحسنة السامية·
وتدلنا أخبار العرب الجاهليين أن فن ملاعبة الأطفال كان يمثِّل تياراً خاصاً في ساحة التربية العربية، ذلك أن الفن الذي ينتمي إلى··· الشعر الشعبي العربي وهو أغانٍ للطفولة، رقَّص به العربي أولاده يدعو لهم ويحكي لهم ويلاعبهم··· وكانت تغنَّى ببساطة شديدة وفي إيقاعات قصيرة، وتلتزم بالطبع لغة المعرب التي كانت تتخذ مستوى واحداً سواء كتب بها الشعر للكبار، أو كتب للصغار·· أو كانت أداة للحوار·· أو للغناء·
ومن هذه الأنموذجات الأبيات التي كانت تقولها الشيماء للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو طفل في بادية بني سعد:
يا ربنا أبق لنا محمدا
حتى أراه يافعاً وأمردا
ثم أراه سيداً مسوَّدا
واكبت أعاديه معاً والحسَّدا
وأعطه عزاً يدوم أبدا.
كما وجدت أساليب تثقيفية كثيرة مرحة·· تتعلق بلعب الأطفال والوصايا والمواعظ والتوجيهات·· مما يدل على جدوى أساليب التربية الثقافية التي كان يقدمها الكبار لأبنائهم في هذه البيئة العربية القديمة·
التربية والثقافة الإسلامية
ولا شك أن الإسلام·· مصحفٌ وسيفٌ·· ودينٌ ودولةٌ·· ومن هذا المنطلق، فالإسلام يهتم بالتربية على محورين وركيزتين أساسيتين هما الدين والدنيا معاً، فلا هو دنيوياً محضاً كما عند الجاهليين العرب، ولا هو دينياً محضاً كما عند الإسرائيليين في الصدر الأول·

فلقد اهتم الإسلام بتدريس العلوم الشرعية إلى جانب علوم اللسان والتاريخ والجغرافيا الكيمياء والفيزياء والطب والهندسة والفلك، ونظراً لأن اللغة العربية لغة القرآن هي بوتقة الثقافة الإسلامية، فلقد كانت العناية بتعليم الصغار لغتهم العربية في مقدم أسس التربية الإسلامية·
وكان للإسلام مؤسساته التعليمية والتثقيفية التي اتخذت أشكالاً كثيرة ومتعددة منها: الكتاتيب التي وللأسف غابت عن واقعنا المعاصر، فوهنت بغيابها لغة النشء وثقافته الإسلامية، فاتجه للعب من ثقافة الأجنبي والتي بلا شك تحتاج إلى التنقية والأسلمة قبل نشرها على أطفالنا من منطلق الحفاظ على الهوية والشخصية الإسلامية لأبنائنا·

وكذلك المسجد ـ والقصور ـ والمنتديات الأدبية ـ والمكتبات، ولقد عبَّرت هذه المؤسسات عن حكمة الإسلام في التربية·· وكان المدرسون الذين يقومون على تثقيف الصغير على مستوى علمي وخلق يؤهلهم لشغل هذه المكانة·
هذا وقد أدرك العلماء المسلمون أهمية الصلة بين الجسم والعقل، ولهذا عنوا بالجسم والتربية البدنية كذلك··· وكان للعب مكانة خاصة في التربية باعتباره الجانب الترويحي في أوقات الفراغ·
وما يعنينا الآن أن الحضارة العربية والإسلامية لم تكن كما خُيِّل لبعض الباحثين حضارة أدبية فلسفية فحسب·· بعيدة عن الطابع العلمي أو التجريبي، وإنما جمعت بين الطرفين في ـ تكامل واضح·· والآن نستطيع أن نضع أيدينا بارتياح شديد على أسس التربية الإسلامية وهي:
1 ـ الأساس الديني والخلقي·
2 ـ الأساس التثقيفي·
3 ـ الأساس التدريبي·
4 ـ الأساس المهني·
5 ـ الأساس العلمي·

وهي مبادئ ولا شك جامعة وشاملة لأي دستور تربوي في أي زمان ومكان·· وخصوصاً أن التربية الإسلامية تقوم على أساس الحرية والتطور وتكافؤ الفرص·

علامات على درب الإطار التثقيفي للطفل العربي المعاصر
إن طريقاً جميلاً فسيحاً يغريك بالتوغل فيه·· تتفرع عنه دروب ضيقة وانعطافات حادة لن تدعك شرطة السير والمرور تسير فيه بسيارتك دون علامات تحذير حمراء، وإشارات للأخطار·· فما من سائر يلتزم حدود هذه اللافتات إلا ويصل مراده وغايته آمناً ساكن القلب في لذة غامرة·· ومن هذا المنطلق كان لابد من أن نضع المحددات الرئيسة للإطار التثقيفي للطفل العربي المعاصر كعلامات مرور تنبثق من حكمة الإسلام بجانبها الديني والدنيوي:
1 ـ اللغة العربية الفصحى·

وهي أولى هذه العلامات التي تشير إلى ضرورة تقديم العلم والثقافة للطفل العربي·· بما يتلاءم مع المراحل العمرية عبر كاتب متمكن من لغته ومسيطر عليها·· شرط أن تكون المادة الأدبية المقدمة خالية من الألفاظ الوحشية التي تدعو إلى تنفير الطفل منها، بل لابد أن يتصابى الكاتب ليصل بفكره وأسلوبه السهل الممتنع إلى عقل وفكر الطفل، ليصل بذلك إلى أقصى درجات الإمتاع العقلي لدى الطفل العربي المسلم·

2 ـ القرآن والسنَّة·
وثاني هذه العلامات: القرآن والسنَّة··· فلابد لمن يسير في درب الإطار التثقيفي للطفل المسلم أن ينتبه لهذه العلامة المهمة حتى يصل بسلام في سيره إلى الهدف·· وعليه أن يعلم أن القرآن ليس كتاب عبادة فقط، ولكنه يشمل القصص الهادفة لحقبة من الإنسانية المنصرمة··· ناهيك عن كونه يشتمل على علم الحيوان والنبات وعلوم الفلك، إضافة إلى السِّير والغزوات التي تحمل قيماً ومتعة ومعرفة للصغير، والحديث النبوي الذي هو من مصادر الحكمة الإسلامية في التربية، وساحة الطفولة بها الكثير من القصص الديني، ولكنها في حاجة إلى المزيد من الدراسة وإعادة العرض والتبسيط وفي حاجة إلى المعاصرة في الرؤية·

وعلى كاتب أدب الأطفال أن يخرج من الشكلية إلى المضمون للعبقرية الإسلامية والحكمة الصالحة لكل زمان ومكان ومن منطلق الحرص على جذب الصغير وتشويقه للعب من الثقافة الأم التي تحافظ على هوية الصغير وترسخ شخصيته الإسلامية الفريدة·
3 ـ التراث·
ونحن في طريقنا لوضع استراتيجية ثقافية للطفل المسلم المعاصر تظهر أمامنا إشارة وعلامة مهمة تقيناً من التعثر في السير والانحدار عن الطريق المستقيم الذي نسلكه ألا وهي·· التراث·· لنصل إلى مأرب غالٍ ونفيس إلى نفوسنا وهو وضع استراتيجية ثقافية إسلامية للأطفال··· فعلى من يصنع أدباً للأطفال ألا يغفل التراث وما يتضمنه من القيم الاجتماعية والأخلاقية والنفسية التي تجعل الطفل يمارس حياته وكل شؤونه بسعادة غامرة وهناء بالغ·
معتقداً أن قيمة التراث العربي والإسلامي تكمن في مجموعة من التجارب الإنسانية التي تؤكد إنسانية الإنسان، والتراث ولا شك هي جمال واسع لا حب يتضمن:

أ ـ المأثورات الشعبية·
ب ـ القصص الديني·
جـ ـ الأساطير القديمة العربية والملاحم·
ولا شك أن الأخيرة تمثل مادة صالحة لتقديمها إلى عقلية الصغير بصورة عصرية تتلاءم مع هذه العقلية·· في صور مختلفة فنية: مثل القصة والمسرح والشعر وغيرها·
د ـ الأدب·
فيمكننا مثلاً عن طريق الشعر تقديم القيم والمبادئ الأخلاقية بطريقة غير مباشرة استناداً إلى تأثير الإيقاعات الشعرية في وجدان الصغير· ولا نستطيع أن ننكر إنجازات بعض الشعراء أمثال محمد عثمان جلال··· في ديوانه العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ، وأحمد شوقي·· ومحمد الهراوي، الذي كتب ديواناً كاملاً في أنباء الرسل··· ولا شك أن جيل اليوم من المبدعين الجادين منه أدباء قادرون على إضافة الكثير في مجال أدب الأطفال·
هـ ـ العلوم·
فالبعد الإسلامي يفتح ذراعيه مرحباً بقصص الخيال العلمي الذي يُجسد الإنسان فيها أحلامه··· وقصص العلم المبسطة·· وسير العلماء العرب وغير العرب·· وكل جديد في مجالات الفلك والكيمياء والطبيعة والطب والهندسة والكومبيوتر، بما يؤدي دوراً في التنشئة الكاملة للطفل المسلم·

كلمة أخيرة
إن هذا الجهد الذي بذلناه في وضع علامات الحذر والمرور في طريق وضع استراتيجية ثقافية للطفل المسلم في عصر الانفجار المعرفي والتقني لا ندَّعي له الكمال·· ولكنه خطورة على الطريق الطويل·· الذي قابلتنا فيه ولا شك عقبات كئودة تحتاج إلى من يذللها حتى يكون درب أدب الأطفال سهلاً معبداً واضح المعالم·· وحتى نعرف ماذا نقدم للأطفال!! وفي أي ثوب تكون المادة المقدمة، وكيف نوازن بين المادة الجاهزة المترجمة والتراث العربي والإسلامي لمجتمعاتنا·
ولا شك أن البعد الإسلامي في ثقافة الطفل يعني بالفعل نقاء ما يُقدم للطفل غير غافل للمعرفة الإنسانية بعامة، ولكن في ضوء كثير من المعايير الدينية ومن ثم فنحن ندعو بدورنا كل كاتب جاد في أدب الطفل إلى عدم إغفال الجانب والبعد الإسلامي عندما يريد تقديم أي وجبة ثقافية لطفل اليوم··· لكي نضمن تنشئة أطفالنا على القيم والمبادئ وعلى حب الله والوطن والإنسان كائناً من كان·


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com