|
المغفل والآخر..
والتوثيق في التشكيل
العربي والعراقي
بقلم
على النجار
|
ليس في الإمكان إغفال ما
أنتج وينتج من أعمال تعود لفنانين تشكيليين عراقيين وعرب، أو عموم
بلدان العالم الثالث " وهي تسمية باتت متداولة بفضل ظروف هذه البلدان
وما صاحبها من نهب لتراثها في زمن غفلتها الحضارية." بعد أن كادت
تستهلك أوروبا موروثها الدلالي والجمالي، وبات البحث عن مصادر أخرى
ضرورة، ليس بالمفهوم الرومانتيكي، ومنه الاستشراقي. ولا مثلما عامل
الانطباعيون الرسوم اليابانية التقليدية بتوظيفها لتطوير أساليبهم. أو
التكعيبيون باستلهامهم لمنحوتات أفريقيا.. بل بالتعامل نديًا مع أفضل
ما تنتجه هذه الشعوب في زمن لم يعد فيه المركز هو الفاعل الوحيد.
من هذا المنطق نجد أن على فناني هذه الشعوب التأكيد على مناطق أدائهم
"المحيط أو المناخ والحضارة" بقدر ما لها من فاعلية الاستمرار
والتجديد. ومراجعة جادة للعديد من أعمال التشكيليين الأفارقة المعاصرين
(مثلاً). تكشف لنا عن حجم الاختلاف بما وفر لهم فهمهم لشروط العمل
الفني بمناخاتهم الخاصة " تراث ومعاصرة " والتي كثر الحديث والتنظير
لها في أوطاننا العربية منذ نصف قرن، ثم ما صاحب ذلك من انعطاف في معظم
الطروحات حرفاً وزخرفة باتت محملة بعاطفة متهافتة في معظمها، إلا ما
ندر وفي الامكان رصدها جداول رمزية مكررة، هي كم كبير يؤلف حوالي ثلث
مساحة التشكيل العربي، مع ما توفره هذه الأعمال من إغراءات سهلة
لمسايرته. بالوقت الذي غابت عنا مناطق تعبير أخرى من الممكن اكتشافها
ومحاورتها، مدلولات بيئة وشعوب مناطقنا، لوناً، تعبيراً، تفسيراً،
تجسيداً موازي لجغرافية خرائط وأدمغة.
ربما يعود بعض من قصورنا كفنانين محترفين لقصور مناهجنا التعليمية
الفنية بإغراقها بما عافه الغرب. مع استثناءات منها ما أشتغل عليه الفن
التشكيلي المغربي منذ السبعينات في بعض من استشراقاته المعرفية
البيئية، عبر لفت النظر إلى موروثهم، لونًا وخزفًا ونسيجًا، وحتى تربة
ومواد أولية أخرى.
لا تخلو الكتابة في النقد التشكيلي من الإنارة والتوثيق، ولو غلب جانب
التوثيق مؤخرًا وعلى الصعيد العالمي، بعد أن بات لكل فنان الحق في
تفسير أعماله وطروحاته. وفي تشكيلنا العراقي هناك إغفال واضح لتجارب
مهمة لم تساير الطروحات القاصرة المعرفة بشكلانية وأنماط محدودة.
ومن أمثلة هذا الإغفال ما تعرضت له تجربة الفنان (أرداش كاكافيان)
الخصبة. هي تجربة بعيدة عن مسارات مألوفة لدينا، فمنذ لوحته " بائع
الفستق " نهاية الخمسينات وحتى " ابر الذاكرة" وما بعدها. هو فنان
متفرد دخل معجم لاروس مع الفنان المهم جواد سليم، وعلينا الاحتفاء
بتجربته وإعادة اكتشافه ودراسة آثاره من جديد وبما يليق به، من أجل
إنعاش ذاكرة التشكيل العراقي بمحاور هي من منتجاته.
هذا الفنان الذي كان مولعًا باستنطاق ذاكرة لم تبرح وطنه رغم إقامته
المزمنة في الخارج " فرنسا وأمريكا " بسبب من تشبعه بعمق انتمائه وسطوة
حضارة بيئته. هو مثل العديد من الآخرين تدرب كثيرا في الغرب، لكنه سخر
موهبته الفذة بما وفرته له دراسته للتشكيل وبعدها الهندسة المعمارية من
إحياء لذاكرة المكان والسياحة في أجساد هي بعض منه. لقد أورث أعماله
زخمًا تعدى الانفعال للإحاطة بعوالمها وهواجسها المشيدة برهافة الفطرة
وسطوة المعرفة، ولا يمكننا اختزال تجربته بمصطلحات الواقعية أو
التعبيرية كمصطلحات جاهزة تحيلنا لمديات مناطقها دون الالتفات إلى
هاجسه الشخصي، باستنطاق ذكريات بيئته الأولى التي سكنته دوما، والتي
كان يتردد عليها بين الحين والآخر.
كم هو عسير أن تنفذ أعمالا تتسم بمسحة واقعية دون أن تقع في تأثير الكم
الهائل من المألوف من مدارسها. هنا بالذات يكمن تفرد أعمال (كاكافيان)
ببناءاتها واختزالاتها وفصاحتها. وفي مجال تفحصنا لأعماله نجدها لا
تبتعد عما بثته أعماله الأولى من مقدرة على تضخيم الجسد الإنساني
وتغليبه على بقية العناصر الأخرى، أو تناهيه وسعة عناصر البيئة التي
تحيطه، وهي مشبعة دومًا بألوان فيض عواطفها المهذبة.
أعماله بمجملها موروث أخذ حيزه ضمن أعمال أسلافه المعدودين، وبات علينا
الإشادة بها لإثراء حصيلتنا الجمالية والمعرفية، ولكي لا تضيع هذه
التجربة المهمة في زمن متهافت متسارع. وكانت خيبة أن لا نجد الاحتفاء
بتجربته في أحدث إصدار عن التشكيل العراقي. مثلما أغفلت العديد من
التجارب الأخرى واكتفى بالمألوف المتوفر منها، وكما يبدو بسبب من عدم
الاهتمام باستقصاء المعلومات الدقيقة ومن مصادرها، وكأن الأمر لا يخلو
من عجالة أو عدم دراية في الإحاطة بأهمية هكذا مشروع وضرورته في زمن
ضياع العديد من الحقائق خلف واجهات عديدة، رغم الإقرار بصعوبة هكذا
جهد.
ولكن ألا يلزمنا التوثيق بأمانة من أجل أن نساير الآخرين في ركبهم، ولا
يعقل أن تتكرر تجربة توثيق التشكيل العراقي كل عقد أو عقدين من السنين
بكل أخطاءها النخبوية أو العقائدية أو المؤسساتية. يبدو أن ما نطلبه
عسير، ولكنه يجب أن يكون كذلك كشهادة حقيقية عن حقبة صعبة لأجيال
لاحقة.
بما أن زمننا الآن، وكما يطلق عليه (المعاصرة) مفتوح ومتفتح القريحة
على نتاجات فن شعوب منطقتنا " الثالثة " ألا يحفزنا ذلك على أخذ
مبادرتنا دون أن نقف في الصف خلف زملاء لنا من أمريكا اللاتينية أو
شرقي آسيا أو أفريقيا والهنود وغيرهم.
جميل ما يقدمه بعض فنانينا من لبنان أو فلسطين (وخاصة المهجرين) أو
المغاربة أو العراقيين أو.....الخ. لكن الأجمل والأهم أن نعي دورنا
الحضاري بشروطنا الموازية لحضارات العالم المعاصرة والمتممة لها، دون
الالتفات إلى مطب معايير التسويق لمؤسسات ومناطق تحاول سيادة حساباتها
ومعاييرها الخاصة.
|