روى ابن الجوزي عن أبي
فروة قال : خرج عمر بن عبد العزيز على بعض جنائز بنى أمية، فَلَمَّا
صلَّى عليها ودفنت قال للناس قوموا، ثم توارى عنهم فاستبطأه الناس حتى
ظنوا، فجاء وقد احمرت عيناه وانتفخت أوداجه، فقالوا: يا أمير المؤمنين
لقد أبطأت فما الذي حبسك؟ قال: أتيت قبور الأحبَّة، قبور بني أبي،
فسلَّمت فلم يردّوا السلام، فَلَمَّا ذهبت ناداني التُّراب فقال: يا
عمر ألا تسألني ما لقيت الأحبة؟ قلت: ما لقيت الأحبة، قال: خرقت
الأكفان وأكلت الأبدان. فلما ذهبت أقفى ناداني التُّراب فقال يا عمر
ألا تسألني ما لقيت العينان؟ قلت: ما لقيت العينان. قال : قدعت العينان
وأكلت المقلتان . فلما ذهبت أقفى ناداني التراب فقال يا عمر ألا تسألني
ما لقيت الأبدان ؟ قلت : ما لقيت الأبدان ؟ قال: قطعت الكَفَّان مِن
الرّسغين وقطعت الرّسغان مِن الذِّراعين وقطعت الذِّراعان مِن المرفقين
وقطعت الكتفان مِن الجانبين ، وقطعت الجانبان مِن الصّلب وقطع الصّلب
مِن الوركين، وقطعت الوركان مِن الفخذين وقطعت الفخذان مِن الركبتين
وقطعت الرُّكبتان مِن السّاقين وقطعت السّاقان مِن القدمين.
فَلَمَّا ذهبت أقفى ناداني التراب فقال: يا عمر عليك بأكفان لا تبلى.
قلت: وما الأكفان التي لا تبلى؟ قال: اتقاء الله والعمل الصالح ثم بكى
عمر وقال: ألا وإن الدنيا بقاؤها قليل وعزيزها ذليل وغنيها فقير،
وشابها يهرم وحيّها يموت. فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة
إدبارها، فالمغرور مَن اغتر بها. أين سكانها الذين بنوا مدائنها
وشقُّوا أنهارها وغرسوا أشجارها؟ أقاموا فيها أياما يسيرة غرتهم بصحتهم
وعزوا بنشاطهم فركبوا المعاصي. إنهم والله كانوا في الدنيا مغبوطين
بالأموال على كثرة المنع . محسودين على جمعها .
ما صنع التراب بأبدانهم والرَّمل بأجسادهم ؟ والديدان بعظامهم
وأوصالهم؟ كانوا في الدنيا على أسرَّة ممهدة وفرش منضدة بين خدمهم
يُخدمون، وأهل يكرمون وجيران يعضدون، فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديا
وأدعهم إن كنت داعيا.
مر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم التي كانت عيشهم، وسل غنيهم ما بقى
من غناه ، وسل فقيرهم ما بقى من فقره، وسلهم عن الألسن التي كانوا بها
يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون، وعن الجلود الرقيقة
والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان، أمحت الألوان
وأكلت اللحمان وعفرت الوجوه وقبحت المحاسن وكسرت الفقار وأبانت الأعضاء
ومزقت الأشلاء فأين حجالهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم
ومكنوزهم ؟ والله ما زودوهم فراشا ولا وضعوا هناك متكأ، ولا غرسوا لهم
شجرا ولا أنزلوهم من اللحد قرارا .
أليسوا في منازل الخلوات والفلوات؟ أليس عليهم الليل والنهار سواء؟
أليس هم في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة ،
فكم من ناعم وناعمة أصبحت وجوههم بالية وأجسادهم من أعناقهم بائنة
وأوصالهم متمزقة ؟ قد سالت الحدق على الوجنات وامتلأت الأفواه دما
وصديدا . ودبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم ثم لم يلبثوا والله
إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما.
قد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السّعة في المضائق. قد تزوجت نساؤهم
وترددت في الطريق أبناؤهم وتوزعت القربات ديارهم وتراثهم، فمنهم والله
الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته.
ثم تمثل بهذه الأبيات:
|
تسر بما يفنى وتشغل
الصبَّى
نـهارك يا مغـــرور لهـــو وغـفـلة
وتعمل فيما ســــــوف تكره غبهُ |
|
كما غرّ باللّذات في
النوم حالم
وليلك نـــــــــوم والردى لك لازم
كذلك في الدنيا تعيش البهائم. |