الكلمة في المفهوم الإسلامي أمانة،
والكاتب مؤتمن على كل كلمة تصدر عنه ومسئول عنها أيضا، ولسنا بصدد
الحديث عن الدلالات المتنوعة للكلمة، بقدر ما تعنينا عملية الممارسة
إزاء الكلمة، وخاصة الكلمة المكتوبة أو المقروءة . فهذه الكلمة لها فعل
السحر في النفوس ، ويفترض أنها تصدر عن أشخاص يملكون الضمير والحكمة
والإخلاص والشجاعة، فإذا انتفت هذه الممتلكات صارت الكلمة شيئًا آخر
بعيدًا عن الأمانة والمسئولية.
واقعنا الثقافي والأدبي
والفكري يواجه في زماننا وعلى مدى خمسة عقودٍ خلت، أزمة في مجال
الكلمة، حيث لم تعد هي الدواء الشافي، ولا التعبير الحيّ عن الآمال
والحقائق، بل اختلطت بها كلمة أخرى أو من نوع آخر، إنها الكلمة الرخيصة
الزائفة، التي تحلّل الحرام وتحرّم الحلال، تسوّغ الاستبداد وتبارك
الطغيان وتقف ضد الحق وتؤيد الكذب والبهتان. إنها كلمة متحوّلة لا
تتورع أن تنتقل من النقيض إلى النقيض في وقت سريع، ولا تجد في ذلك
حرجًا ولا غضاضة، تمدح وتقدح دون أن تستشعر إحساسًا باللوم أو التأنيب،
المهم في كل الأحوال أن تكون مصدر منفعة، ومورد كسب، وسوقًا رائجة تدر
الدارهم والدنانير، وتدفع إلى الواجهة والصدارة.
هذه الكلمة الرخيصة
الزائفة إفراز لأيام الطغيان والاستبداد، حيث تتوارى الكلمة الأمينة.
أو يُحكم عليها بالتواري والدفن. هذه الأيام لا تتسامح مع الكلمة
الصادقة ولا تتيح لها مجال الانتشار، والوصول إلى الناس، لأنها في
مفهوم الطغاة والمستبدين من أكبر الأخطار- إن لم تكن الخطر الأكبر- على
الطغيان والاستبداد، لذا فهي مصادرة باستمرار، مغيّبة دائمًا، لذا تجد
الكلمة الرخيصة الزائفة فرصتها لتحوّل الحق إلى باطل، وتزيّف التاريخ،
فتصنع من الخونة أبطالا، وتصيّر الأبطال جثثًا ميتة بإطفاء نورها
والتعتيم على دورها، هنا يكون التأثير فادحًا وفاضحًا حين تحل المفاهيم
الخاطئة محل الحقائق الراسخة، وينتعش الزيف بدلا مِن الصدق،
ويزدهر الباطل، ويذبل الحق، وتنهار القيم المضيئة ، ويدخل القمر في
المحاق.