قضية العدد

 

 الجريمة
بين الوقاية والعلاج


للأستاذ الدكتور
أحمد خليفة
جمهورية مصر العربية

 

كان هناك اتجاه دائم إلى الربط بين مفهوم الجريمة ومفهوم المرض على أساس أن السلوك الإجرامي سلوك مريض وليس سلوكا صحيا أو سويا. ولاشك في أن هذا الربط يؤدي إلى نتائج غير دقيقة في تفسير الجريمة ووضع سياسة الوقاية والجزاء ويؤثر في نظرية المسئولية . وفضلا عن ذلك ، فإنه قد يشجع على اتجاه خاطىء هو محاولة البحث عن ميكروب الجريمة في المجتمع قياسا على البحث عن الميكروب المسبب للمرض وهو أبعد الأشياء عن حقيقة الجريمة والمجرم إذ ليس هناك ميكروب مسئول عن المجرم فالمجرم في النهاية هو صناعة المجتمع الذي يعيش فيه.
ويترتب على ذلك أنه ليس هناك مصل معين للوقاية من الجريمة . فلا هو ميكروب ولا هو سبب وحيد آخر مسئول عن الجريمة . إن كل الآراء التي اتجهت إلى محاولة تفسير الجريمة بسبب واحد كالجهل أو الفقر أو اضطراب الغدد أو الاضطرابات النفسية أو سوء الحالة الأسرية أو القدوة السيئة أو الإعلام السىء أو غير ذلك كل هذه الجهود قد باءت بالفشل والاعتقاد العام بين الباحثين الآن أن ظاهرة الجريمة مرتبطة بجذور متعددة تتفاعل في بيئة معينة وظروف معينة لا يمكن حصرها يتولد عنها السلوك الإجرامي في النهاية.
ومن ناحية أخرى فقد يصدق وصف الوباء على انتشار الجريمة. والواقع أن وباء الجريمة قد انتشر انتشارا ذريعا في العصر الحديث وتلونت ملامحه أكثر من أي وقت مضى وتضاعف عدد المجني عليهم حتى أصبحوا يزيدون أضعافا عن ضحايا أي وباء . وهو ما يعرض المجتمع كله كيانه وسعادته ومصيره للخطر والتدهور. نقول هذا حتى بدون أن نقترب من مشكلة المخدرات وهي البلاء الثقيل الذي ألم بالإنسان ، إن الجريمة تضرب كل المجتمعات المعاصرة وتؤثر فيها تأثيرا بالغا وعميقا يمس أحيانا سلامة الأسس الديمقراطية والحقوق التي يقوم عليها ويهدد نوعية الحياة .
والسلوك الإجرامي على أية حال متضمن في نسيج المجتمع . ولما كانت النظم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية متغيرة أبدا فإن هذا المضمون من السلوك المضاد للمجتمع متغير هو الآخر وهناك تفاعل مستمر بين العناصر والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية يؤدي إلى اختفاء صور من الجريمة أو تغيرها كميا أو ظهور أنماط جديدة من الانحراف .
هكذا يتبين أن النظرة القديمة التقليدية للمجرم على أنه نوعية خاصة من البشر مما كان يضفي على الجريمة مسحة قوية من الغيبية لم يعد سليما في إطار المفهوم الجديد الذي يعتبر السلوك الإجرامي نوعا من ( طرح البحر) نتيجة أمواج وتيارات متصارعة ومتلاطمة . ومن ثم لم نعد ننظر إلى المجرم على أنه مخلوق غريب لا يشبه بقية المواطنين ذلك أن عوامل الجريمة كامنة أساسا في المجتمع وقد خرجت إلى حد كبير عن المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي وأصبحت قادرة على إسقاط جانب أكبر من المواطنين .
لقد تقدمنا كثيرا من المنطق اللمبروزي الذي يتحدث عن المجرم بطبيعته وأصبحنا ندرك أن كل إنسان جدير أن يتحول إلى مجرم لأن الانحراف والجريمة جزء ديناميكي متغير من مسار الحياة ، وصفات الإنسان ذاته يمكن أن ترتفع به اجتماعيا أو تؤهله هي بذاتها لارتكاب الجريمة . فدراسة الجريمة هي دراسة الإنسان في مجتمع ديناميكي متغير أو بالأحرى هي صورة متحركة وليست صورة ثابتة . ويترتب على ذلك أن معظم اهتمامنا في مكافحة الجريمة ودراستها يتعين أن يتجه لدراسة أنماط السلوك المتغيرة وصلتها بالأوضاع الاجتماعية والوظائف الاجتماعية فإن كل تغير اجتماعي اقتصادي يتولد عنه أنماط وصيغ متجددة من السلوك الانحرافي مرتبطة بعناصر جديدة تنتقل إلى الصورة أو تفاعل جديد بهذه العناصر . في كلمة واحدة علينا أن نقلل من النظر إلى الجريمة على أنها (ميستيك) وأن يزيد نظرنا إليها على أنها نقد للمجتمع أي (كريتيك) . ويترتب على هذا النظر أن تتجه إلى المجتمع ذاته لمحاولة ضبطه بقدر الإمكان لكي لا يترتب على تغيره وتطوره مزيد من عدم التكيف والانحراف ..
تابع


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com