قضية العدد

تتمة المقال

 

وجماع ما تقدم أن المفهوم للجريمة أن جماعة المجرمين جماعة خاصة معزولة نطوقها ونسعى إلى الخلاص منها أما النظرة الحديثة فهي أن الجريمة قدر الجماعة كالغذاء والشراب وإنها تتغير بصفة مستمرة وعلى آفاق جديدة لا يمكن حصرها أو الهرب منها وعلى كل مجتمع أن يسعى ما وسعه ذلك للتخفيف من عبء الجريمة عن المجتمع وصولا لتحقيق نوعية أفضل من الحياة .
إن مفهوم الجريمة مفهوم عريض جدا ومتعدد وإن كان الميل التقليدي هو عادة إلى أن نفكر في الجرائم التقليدية كلما ذكرت كلمة الجريمة ، فنحن نفكر فورا في السرقة والقتل والاغتصاب ومثلها من الجرائم التي أطلق عليها بعض العلماء الجرائم الطبيعية أي التي توجد في كل مجتمع وفي كل زمان ومكان ، إلا أن أفق الجريمة قد اتسع كثيرا بتعقد المجتمع البشري بصفة مضطردة وفكرة التحريم التي كانت مستغرقة في التعاليم الدينية والأخلاقية قد انطلقت انطلاقا حادا وأصبح التجريم يتناول أفعالا كثيرة لا نجد لها جذورا دينية أو حتى أخلاقية فالقوانين تسن على أساس المصالح في مجتمع معين في زمن معين . بل قد يخرج من نطاق التجريم بعض الأفعال التي تتنافى والخلق والضمير ومثال ذلك انحسار نطاق التجريم في المجالات الجنسية بحيث أصبح مقتصرا تقريبا على الاغتصاب والإكراه الجنسي في كثير من التشريعات .
وعلى أي حال فإن ما يجعل أمرا ما جريمة هو في نهاية الأمر إرادة الشرع الذي يعبر عن مجتمعه ونعني بذلك أن الجريمة من صنع قانون العقوبات أي أنها حقيقة قانونية ، وهذا لا ينفي أن إرادة المشرع إرادة معبرة عن المجتمع وليست منفصلة عن نبضه وبالتالي فإن الجريمة حقيقة اجتماعية أيضا يسنها المشرع الذي يعمل في فراغ بل يتحرك تحت ضغط فلسفات وعقائد وعوامل اجتماعية واقتصادية . ومع ذلك فعلينا أن نعترف بتخلف القاعدة القانونية أحيانا عن الحقيقة الاجتماعية أو العكس .
ولا شك أن الصورة الحديثة للجريمة أصبحت أكثر خطورة وتعقيدا وأنها أيضا أكثر عقلانية أي نشاطا محسوبا ومقصودا أكثر منها انزلاقا إلى طريق الجريمة لها صور " منظمة " وعصابات دولية قوية مسيطرة . إن الجريمة في صورتها الجديدة لم تعد نصيب الفقراء والمطحونين كما كان الأمر عندما كان قانون العقوبات يسمى بقانون الدهماء ذلك أن النشاط الإجرامي قد أصبح أيضا نصيب الخاصة وأصحاب النفوذ والثراء .
لم تعد الجريمة إذن في صورتها التقليدية التي يعرفها عامة الناس واعتادوا على ربطها بالتخلف. والواقع أن الجريمة لا صلة لها بالتخلف أو التقدم أو رفع مستوى المعيشة أو المستوى التعليمي بل إن المفارقة هي أن الجريمة قد تكون أقل في المجتمعات الشديدة التخلف أي المجتمعات الراكدة التي لا تنشط فيها عناصر التطور والتنمية والتغير الاجتماعي ، فإذا ما حدث ذلك فلابد من اختلال العلاقات وظهور السلوك الانحرافي والذي قد ينسب عندئذ للتفكك القيمي وهو أمر ليس بهذا السوء إذ يكون أحيانا مقدمة للتطور الاقتصادي والاجتماعي .

كما أصبحنا نعرف الآن أن الجريمة ليست نتاج الحاجة والعوز في كل الأحوال فهناك إجرام الرفاهية وكثرة المال الذي يغرى بالانطلاق ويخلق مشاعر الجشع واللامبالاة . وهنا نكرر أن المجرم ليس نسيجا فريدا أو فئة خاصة ولكنه الإنسان حيث يكون عندما تتجمع وتتفاعل العناصر والظروف والفرص وتدفعه إلى طريق الانحراف .
ونود أن نؤكد أن هناك مفارقة ، إن تطوير المجتمع وتنمية الاقتصاد يحمل في ثناياه بذور عدم التكيف وانحرافات السلوك لأن الجمود وحده هو الذي يضمن بقاء الجريمة على حالها كما ونوعا وبالتالي فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية يسير في ركابهما قدر كبير من الجريمة والانحراف تتأثر به نوعية الحياة تماما كالإنتاج الصناعي الذي ينتج عنه مخلفات ضارة تؤدي إلى تلوث البيئة المادية ويعني هذا أن أفضل وسيلة للوقاية العامة من الجريمة ومعيار نجاح السياسة الوقائية هو أن تكون هناك سياسة دفاع اجتماعي تسير في ركاب سياسات التنمية في محاولة لتقليل الفاقد الاجتماعي بكل صوره .
ولا يعني ما تقدم أنا نلوم عمليات التنمية القومية ونحملها عبء الجريمة، إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية كنشر التعليم والأخذ بالتصنيع تعكس تطورا طبيعيا ولكن هناك زلازل اقتصادية اجتماعية تخل بالتوازن الواجب بين التنمية الاجتماعية وقد رأينا هذا بشكل واضح في تدفق الثورة البترولية الذي أحدث ثورة اقتصادية اجتماعية في المنطقة العربية لا يمكن أن نرحب بكل ما أسفرت عنه من نتائج . إن هذه الثورة الهائلة لم تؤد إلى تحسين نوعية الحياة في المنطقة العربية رغم الارتفاع المذهل في الدخل وارتفاع مستوى المعيشة .
إن التغير الاجتماعي الذي يشهده العصر الحديث وسرعة إيقاعه شيء لم يعد مجالا للجدل وقد أثرت الكشوف العلمية والمنجزات التكنولوجية ونمو وسائل الاتصال في الفكر البشري والقدرة الإنتاجية والاقتصادية والسلوك بصفة عامة . وقد ترك كل هذا بصمة واضحة على عقلية الإنسان وهز اهتماماته القديمة وشجعه على الانطلاق بعيدا عن المسلمات التي كبلته وسيطرت على فكره أزمنة طويلة وأثرت في مباديء مستتبة ومرتبطة بالاعتقاد بما في ذلك النظرة إلى المرأة والنظرة إلى الترفيه والنظرة إلى الجنس والنظرة إلى العنصرية . هذا الخضم الذي خاضته البشرية في القرنين الأخيرين من الزمان كان له ولا شك أثر على السلوك البشري وعلى معنى الانحراف والإثم والجريمة .
ونبدأ بالقول بأن الغرب عرف فكرة الحرية نتيجة للفكاك س أسر الكنيسة وانطلاق الفكر البشري في مجالات العلم والفلسفة وهكذا شهد القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين مزيدا من الحريات والاهتمام بحقوق الفرد إزاء السلطة والمجتمع .
وقد أدى مناخ الحرية إلى التحرر من رق القهر والاستعمار في ضوء حق تقرير المصير وفي ضوء مباديء المساواة التي بشرت بها الثورة الفرنسية. ومن الناحية الاقتصادية ظهر الاقتصاد الحر وظهرت الطبقة المتوسطة التي تملك رؤوس الأموال وضعف نفوذ الإقطاع وكان لابد أن يكون للاقتصاد الحر وضعف التقاليد الإقطاعية أثر على القيم والسلوك وظهور قيم جديدة. كما يمكن أن يقال إنه كان بداية لتحرر الشباب من سيطرة الكبار كما كان إيذانا بتحرير المرأة وانطلاقها بعيدا عن التقاليد والمعتقدات التي تضعها في درجة أقل من الرجل .
فإذا أضيف إلى هذا ما جاء به القرن العشرون وبالذات النصف الثاني منه من كشوف علمية مذهلة متتابعة وثورة المواصلات والاتصالات واندثار آخر بقايا الفكر القائم على المسلمات الثابتة وغلبة المادية النفعية على الاعتبارات الأخلاقية فقد انطلقت الآراء والمذاهب تتصارع لتقضي على البقية الباقية من الشعور بأن هناك قيما ومباديء أبدية ومقدسة لا يمكن المساس بها. هذا المناخ الفكري الحديث الذي عرفه العالم في النصف قرن الماضي على أكثر تقدير كان من الضروري أن يؤثر تأثيرا عميقا على السلوك وربما كان هذا الإسراف في إهدار القيم السائدة وإنكارها مسئولا عن ظهور الحركات العكسية التي تنادي بهجر الحاضر والتنديد الشامل به ورفضه والعودة إلى الماضي بكل ملامحه.
وقد برزت في هذه المرحلة الجرائم الاقتصادية ، ولا نقصد بالجريمة الاقتصادية جرائم المال المعروفة كالسرقة والاحتيال بل نقصد الجرائم ذات التأثير في النظام الاقتصادي والتي أدت إلى دخول نفر من الناس ليسوا من الضعفاء والدهماء إلى مجال الجريمة. واليوم تبدو جرائم الضعفاء قليلة الأهمية بالنسبة إلى جرائم القادرين والكبار والسادة وأصحاب المال وذلك نتيجة تعقيد الحياة الاقتصادية وضخامة الغنيمة والقدرة على التهرب والهرب والفرار من العقاب ونتيجة امتزاج صفة المجرم المعتدي في هذه الجرائم بصفات اجتماعية راقية .
ويتدرج تحت الجريمة الاقتصادية ما قد يسمى بجرائم الانفتاح الذي يفتقد إلى التنظيم والضوابط القانونية الكافية وجرائم الاقتصاد الخفي أو الأسود . المهم أنها أفعال بعيدة المدى في تأثيرها وأنها تنخر في أسس الحياة الاقتصادية وتلتف حول الثغرات وتستفيد من التناقضات وتسعى إلى شراء الذمم وهي تقوي حيث لا تكون هناك أنظمة حاسمة وقوانين واضحة صارمة تنظم النشاط الاقتصادي للأفراد والهيئات .
ومن المعروف أن الاقتصاد يتردد بين محور الحرية المطلقة ومحور تدخل الدولة إلى حد السيطرة ، وهناك نماذج كثيرة تقع بين هذين الطرفين ولا يمكن أن تكون كل هذه النماذج صالحة لكل مجتمع ، وعلى المجتمع أن يختار منها ما هو أكثر ملاءمة له وإلا فتح الباب للتحايل والجريمة .
ولا يمكن أن نهمل في هذا المجال جرائم الشركات والمؤسسات الاقتصادية فهي ولا شك أكثر خطورة وأبعد مدى من كل الجرائم الفردية مجتمعة وتؤدي إلى أضعاف مضاعفة من الخسائر للأموال العامة والخاصة ولا يكاد يكون هناك حصر لوسائل التلاعب والاحتيال التي تلجأ إليها بعض المؤسسات لاغتيال المال العام أو أموال المدخرين . وتقع هذه الجرائم بصفة عامة في مجال ما يسمى بجرائم ذوي الياقات البيضاء والتي تعرف عادة بأنها جرائم ترتكب من خلال ممارسة العمل والمهنة بالنسبة للأشخاص ذوي المكانة الأكثر ارتفاعا ولكنها تختلف في أنها جرائم ترتكبها مؤسسات وليست جرائم ذوي الياقات البيضاء من الأفراد كالاختلاس واستخدام الكمبيوتر لارتكاب الجرائم .
ويدخل في هذا النطاق الشركات الوهمية التي تخدع المدخرين والمساهمين وجرائم الإعلان المزيف وغش المنتجات والمستهلكات والتهرب من الضرائب والحصول على العقود بطرق احتيالية وغير مشروعة.
وعلى أي حال فإن الجرائم الاقتصادية قد بلغت اليوم من الخطورة مبلغا يستدعي أن يكون لها (كود) أو مجموعة قانونية خاصة للجرائم الاقتصادية وقد يرى أيضا أن يكون هناك إجراءات ومحاكم خاصة تتداول أخطر هذه الجرائم لوضع حد للتخريب الاقتصادي .
أما ما يطلق عليه جرائم رجال الأعمال فيتداخل إلى حد بعيد مع مجال الجرائم الاقتصادية. وقد كانت الإشارة إلى جرائم ذوي الياقات البيضاء رد فعل للفكر القديم الذي كان يربط الجريمة بالطبقات المستضعفة وعامة الناس من ذوي الياقات الزرقاء والذين يعملون بأيديهم ولكن في الوقت الحاضر لا تكفي كلمة ذوي الياقات البيضاء للتعريف بما تطور إليه الأمر فقد أصبحت أخطر الجرائم ترتكب في أعلى المستويات وأصبح الحديث اليوم عن جرائم رجال الأعمال وذوي النفوذ .
وهناك جانب معين من جرائم رجال الأعمال شائع وذائع في هذا العصر هو استخدام الرشوة بصورها المختلفة للحصول على امتيازات وعقود لدى الحكومات أو الهيئات . إذ قلما تمضي هذه الأعمال الضخمة أو توقع هذه العقود البالغة بغير نوع من الانحراف والرشوة بل بلغ الأمر برجال الأعمال أحيانا أن أصبحوا يقولون إنهم إذا لم يلجأوا إلى هذه الوسائل فإنهم لن ينجحوا في أي منافسة .
ومن الواضح أن جرائم الأعمال ليست مطلقا من قبيل الإجرام الذي نبحث عن أسبابه أساس في شخصية المجرم وتكوينه ونشأته ونفسيته وبيئته بل هو اختيار واتجاه للإرادة . وهو موجود حيث الاقتصاد الحر القائم على المنافسة وهو موجود أيضا في الاقتصاد الموجه حيث قوانين العقوبات في البلاد الشرقية تنص على أشد العقوبات بالنسبة للجرائم الاقتصادية مثل التهريب والمضاربة على أسعار السلع الضرورية والإهمال الجسيم في دارة الأعمال وتبلغ هذه العقوبات درجة قد تزيد عن عقوبات الإجرام المادي كالقتل والسرقة والإجهاض والجرائم الأخلاقية .
إن جرائم الأعمال تجتاح طوائف رفيعة المستوى الاجتماعي من المواطنين كرؤساء المصالح والشركات والمحامين والساسة والأطباء والمهندسين والمديرين كل هؤلاء اندمجوا في جرائم ذوي الباقات البيضاء أو في جرائم دوي النفوذ وهكذا ترى السجون نوعيات من البشر غير من اعتادت أن تستقبلهم .
إلا أن هناك مستوى معينا من الرشوة وخاصة في البلاد الفقيرة مثل الهند وبعض بلاد الشرق الأوسط كمصر وأمريكا الجنوبية وهو تلك " الإكرامية " التي لا تستطيع أن تؤدي عملا بدون دفعها للموظف أو العامل المختص فالعمل الذي تسعى إلى إتمامه مشروع في ذاته ولكنك لا تستطيع أن تحركه إلا عن طريق هذه " الإكرامية " ، يسود هذا في الدوائر الحكومية وغير الحكومية . ويرى البعض أن مثل هذه العطيات الصغيرة عادة هي مجرد علاوة يحصل عليها الموظف أو العامل ترتفع بدخله إلى الحد المعقول للحياة .
وإلى جانب جرائم الأعمال لابد من الإشارة إلى جرائم النفوذ بالذات . ويحدث هذا في كل النظم إلا أنه يتفاقم إذا كانت الأوضاع السياسية والقانونية تسمح ببسط الحماية على العناصر ذات النفوذ مما يشجعها على التمادي .
ونرجو ألا يفهم مطلقا أن الجريمة مرتبطة بأي نظام اقتصادي بعينه فهي ليست نصيب الرأسمالية بالذات وليست نصيب الاقتصاد الاشتراكي بالذات فتحت كلا النظامين توجد الجريمة وإن اختلفت ملامحها إلا أننا نستطيع القول بأن تزييف الرأسمالية أو الاشتراكية شيء وارد فباسم الرأسمالية أو الاقتصاد الحر قد يسود نوع من الاقتصاد الوحشي أي رأسمالية غاشمة بلا تنظيم يحقق الفرصة المتكافئة وقد تكون الاشتراكية تسمية تخفي رأسمالية الدولة ترتكب كل الخطايا وكل صنوف الاستعمال باسم العدالة الاجتماعية . ولا شك في أن هذا النزيف بما يصحبه من اهتزاز موازين العدالة الاجتماعية والفرصة المتكافئة وضرب حقوق الإنسان هو أرض صالحة لاستنبات كل أنواع الانحراف والفساد والعصيان .... تابع


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com