قضية العدد

تتمة المقال

 

وبقيت كلمة لابد منها عن الإرهاب ، والإرهاب وباء من أوبئة المجتمع في العصر الحديث يزداد قوة وانتشارا وثقة ويكسب في كل يوم أرضا جديدة ويخترق حدودا جديدة . تلقى القنابل وتفجر المباني والمساكن ووسائل المواصلات وتنسف الأحياء وتؤخذ الرهائن وتذبح القرى بأطفالها ونسائها وشيوخها . وهو بذلك صورة خاصة من صور العنف . وليد شرس لأب ضال وعلامة على تدهور المشاعر الإنسانية والعدل واحترام القانون .
أما العنف فهو تعبير واسع المدى ويعني استخدام القوة والقسوة ولكن لا يعتبر كل عنف إرهابا بينما يمكن أن نعتبر كل ما هو إرهاب عنفا فليس هناك إرهاب غير مقترن كما أن من يرتكب عملا إرهابيا لا يقصد العنف مع أشخاص بذواتهم فحسب بل لا يعني إن كان الأذى يصيب الآخرين أو الأبرياء .
ولا يمكن الدفاع عن الإرهاب كما يحدث أحيانا إزاء العنف قد يكون سبيلا مشروعا للدفاع عن النفس ورد الاعتداء وتحرير الأرض والوطن ولكن الإرهاب لا يمكن أن تبرره كل هذه المبررات حتى لو ارتدى مسوح الرهبان وادعى أن له قضية وهدفا وأن الغاية تبرر وسيلته . كل هذا لا يخفى أن الإرهاب تضحية بالأبرياء وأنه حتى لو بدأ بهدف نبيل فسرعان ما ينتهي إلى جبن ونذالة وتحد لكل ما يمثله المجتمع والقانون والرحمة وحقوق الإنسان .
وحتى عندما تنشب الحروب بين الدول فهناك قواعد في القانون الدولي تحمي المدنيين والأبرياء وهناك اتفاقيات تبرم في هذا السبيل لحماية الأسرى والمرضى والمسنين ولو كانوا من الأعداء . حتى هذا الموقف المتمدين أثناء الحرب لا يحترمه الإرهاب في وقت السلام .
وينم الإرهاب عادة عن محتوى سياسي ولكن هناك إرهاب مجرد من الصبغة السياسية أي إجرام عادي بحت من أجل أهداف عدوانية مادية كأن تقوم جماعة إجرامية تسعى لإلقاء الرعب في القلوب بالقتل والتخريب والحريق بغير تمييز حتى يتيسر لها الحصول على مكاسب مادية وليس تحت أي شعار أو ادعاء بالعمل من أجل قضية ما . ويجرى مثل هذا أيضا على الساحة الدولية على أيدي عصابات دولية تقوم بأعمال إرهابية مقترنة بنشاطها كعصابات ألمافيا والمخدرات والرقيق الأبيض وإن كان العنف يوجه عادة إلى أشخاص وأموال بذواتها ردعا وانتقاما .
وفي الحياة السياسية إذا وقع الإرهاب وأصبح لغة يتحدث بها البعض فإن أعز ما يملكه شعب من الشعوب وهو حكمه الديمقراطي وسيادة القانون تذهب بددا ويصبح الحكم لفوهة البندقية وإطلاق أحط ما في النفس البشرية من نزعات .
وقد يقول البعض إن إرهاب الأفراد والمنظمات إنما هو وليد إرهاب الدولة ونظمها التي تعيش على البطش وقد يكون في هذا بعض الصحة ولكن الأبعاد التي يتخذها الإرهاب حاليا تدل على أنه أصبح قاسما مشتركا أعظم لا فرق فيه بين مجتمع ديمقراطي وغير ديمقراطي .
وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة التفرقة بين العنف والإرهاب من ناحية والصراع المشروع للشعوب للتحرير وتقرير المصير من ناحية أخرى . إن القوى المستغلة في العالم تريد أن تلوث الكفاح الوطني للشعوب وهو حق لها وواجب عليها بوصف المقاومة الوطنية بالإرهاب وكأنما يفترض في هذه الشعوب المقهورة أن تستلم للعبودية والظلم والقهر وهو مثال بارز علي النفاق السياسي بحثا عن المصالح والرياء واللجوء إلى استخدام المعايير المزدوجة في المواقف المتشابهة..
ومن ناحية أخرى علينا أن نميز بين الإرهاب والجريمة المنظمة . فالجريمة المنظمة لا تحمل قضية ويقوم عليها نفر ممن اختاروا الجريمة مهنة أو نشاطا اقتصاديا وهم لا يدعون بطولة وليسوا مصابين عادة بأي أمراض نفسية ويتميزون بالقدرة العقلية والتنظيمية وتوجههم عقلية رجال الأعمال ويسعون فحسب إلى القوة والثراء .
ويعرف المجتمع الحديث بصورة فادحة ظاهرة الجريمة المنظمة أي اتخاذ الجريمة مهنة وعملا يدر الأموال والمكاسب . فلم يعد المجرم ضحية الظروف والأسرة المنهارة وسوء التربية بل أصبح يختار بوعي كامل النشاط الإجرامي كعمل ومهنة وتشكلت لارتكاب هذه الجرائم عصابات ضخمة قوية عابرة للقارات تتاجر في أي شيء من تهريب للسلع إلى الرقيق الأبيض إلى السلاح إلى القمار إلى المخدرات .
ويبقى الإرهاب وباء عصريا دوليا ، ولعل هذه الصفة الدولية تؤذن بأن يتحد المجتمع الدولي لمناهضة هذا الوباء وأن توقع اتفاقية دولية تعتبر الإرهاب في حد ذاته جريمة دولية كإبادة الجنس والفصل والتمييز العنصري وأن يقوم التعاون بين الدول في أكمل صورة لتنفيذ الالتزام الخلقي الإنساني بمطاردة الإرهاب والإرهابيين على مستوى العالم كله .
بقي أن نفكر فيما سوف تكون عليه صورة الجريمة في القرن الواحد والعشرين . بطبيعة الحال سوف تتغير ملامح الجريمة وأحجامها في إطار تغيرات اقتصادية واجتماعية وقد تتجه سن المجرم إلى الانخفاض كما يتوقع أن يزيد نشاط المرأة في ميدان الجريمة بناء على مزيد من توغلها في الحياة العامة والاقتصادية .
ومن المتوقع أن يتعمق الاتجاه إلى كون الجريمة نشاط مؤسسات ترتكبها جماعات منظمة سواء كانت جماعات إجرامية أو مؤسسات عامة رسمية أو خاصة لها نشاط غير مشروع وذلك تأكيدا لما نلحظه اليوم من فساد المؤسسات العامة والشركات والأعمال الخاصة وفي عبارة موجزة يبدو أنه لا بد أن يحدث تغير عميق في ( منتجي الجريمة) . وسوف لا ندهش إذ وقع اختلاط بين الأجهزة التي تمنع الجريمة وتكافحها وبين الجهات المنتجة للجريمة بمعنى تورط أجهزة المنع والقمع في ارتكاب أنشطة إجرامية .
لكن المستحيل بطبيعة الحال أن نتخيل أن العالم سيتخلص في القرن القادم من نقمة الجريمة فقد أصبح مثل هذا التفكير ساذجا لا يقنع أحدا بل العكس هو الأصح . ويكفي أن نتصور قوة رؤوس الأموال في الأيدي القذرة المتركزة في الداخل أو الخارج والتي تخترق الحدود وتحتوي ذوي النفوذ وتضرب الاقتصاد أو تصيبه بالاضمحلال وبما يؤدي إلى مزيد من تركيز رؤوس الأموال واستخدامها في الضغط والاحتكار والاحتيال والمشروعات الوهمية والتلاعب بالأسعار وهز الثقة المالية وما يترتب على ذلك من فقر وتضخم وبطالة وفساد .
وفي النهاية ، لقد قدمنا فيما سبق عجالة وخواطر عامة عن الجريمة بين الوقاية والعلاج . ويبدو من خلال دراسة موقف التجريم والعقاب في أي مجتمع ، الطبيعة الخاصة لهذا المجتمع فقانون العقوبات يرتدي أحيانا قفاز الجراح الذي يسعى إلى أن يداوي ويشفي أو قفازا من حديد لا يعني إلا البطش والانتقام المنظم باسم القانون . الأمر كله يعتمد على الفلسفة العامة لكل مجتمع بالذات والواقع أن النظام الجنائي أو العقابي لا يخرج عن كونه نظاما اجتماعيا يعكس مزايا أو مساوي النظام الاجتماعي وعلى كل من يريد دراسة الجريمة والعقاب أن يرتكز على نموذج المجتمع في كل حالة
.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com