المحور الاقتصادي

 

 اليابان
وحصاد ترهل النظام الاقتصادي

حسب التقويم الصيني فإن عام‏2001‏ هو عام الثعبان ورغم أن الكثيرين يعتبرون الثعبان مصدر خطر وتهديد ليس من حسن الطالع بدء عام وألفية جديدة به لكنه باعتقاد نسبة كبيرة من اليابانيين يعد حارس المياه والمنزل وتلك مسألة متصلة بالعادات والتقاليد بما تشمله من أساطير ومعتقدات نقل الكثير منها عن الحضارة الصينية ليس هذا بالمكان الملائم لمناقشتها إلا أن اليابان تأمل في أن يشهد العام خروج اقتصادها من بياته الشتوي العائد لعشر سنوات ماضية كما يخرج الثعبان من سباته الشتوي‏.‏
ولا نبخس حق اليابان بالتمني غير أن التمني وحده لن يوقظه من سباته العميق‏,‏ فالأماني يسبقها العمل وشجاعة القرار والتنفيذ السريع لما يتخذ من قرارات وخطط ووعود‏,‏ والاقتصاد يجب أن يكون الهم الأول لليابان بالألفية الثالثة ولما لا وهو منبع قوتها ونفوذها بالساحة الاقتصادية العالمية ومرة أخري لما لا وهي بيت مال العالم المانح للكبير وللصغير ما يلزمه من أموال لتمويل المشروعات التنموية والبحوث وكذلك الحروب كما حدث في حرب الخليج الثانية وكوسوفو‏..‏ إلخ. لذلك فإن القلق لتأخر تعافي الاقتصاد الياباني لا يقتصر علي صاحبة الشأن بمفردها بل العالم بأسره‏.‏

وبدون التفرع والاسترسال في تفاصيل هذا الموضوع الحيوي فإن اليابان تقف في خط بداية القرن الجديد حاملة معها هموم ومشاكل القرن المنصرم لتواجه التحدي العسير والشاق بالتغلب عليها وتجاوزها وارتداء ثوب جديد ناصع‏,‏ فالثوب القديم أصبح باليا ويحتاج لتغييره وبإلحاح لا يحتمل التلكؤ‏.‏
وقضية التغيير قضية شديدة التعقيد بالنسبة لليابان فكم مرة تحتم وفرض عليها في تاريخها القديم والحديث ضرورة التغيير والغريب أنها في كل مرة كانت تخيب جميع التوقعات وتنجز ما يفوق المتصور والمنتظر منها‏,‏ حدث هذا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حينما جاء الأمريكي ماثيو بيري بسفنه لخليج إيدو ـ خليج طوكيو ـ طالبا إنهاء عزلتها المتواصلة لمدة قرنين ونصف القرن وفتح أبوابها للتجارة وتحقق طلبه الذي كان الشرارة الأولي في التخلص من النظام الإقطاعي وبناء الدولة الحديثة في عهد رائد النهضة الإمبراطور ميجي ‏1868‏ ـ‏1912.‏
نفس الموقف تكرر في سيناريو آخر بعد الحرب العالمية الثانية علي يد الجنرال ماك ارثر قائد قوات الاحتلال الأمريكية الذي أعد حزمة إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية قلبت حال اليابان رأسا علي عقب وكانت فاتحة خير لتخلصها من جبروت العسكر الذين قادوها لمغامرات وفتوحات عسكرية باهظة الثمن وتخرج أبرز ما في الشخصية اليابانية بالالتحام والالتفاف حول هدف قومي موحد يجب تحقيقه بصرف النظر عن التضحيات والمصاعب والعراقيل‏,‏ هذا الهدف كان الاقتصاد ورفع مستوي المعيشة والدخل وإبهار العالم كله بقدرة هذا الشعب الفائقة علي إنكار الذات لأجل المصلحة العامة‏.‏

ومع بزوغ فجر الألفية الثالثة كتب عليها مواجهة امتحان التغيير مرة أخري وهو امتحان أسئلته كلها إجبارية لا مجال للاختيار فيها ولا مناص من إجابتها والحصول علي درجة النجاح العالي‏,‏ فالمستقبل رهن لها أي أن التهاون والتقاعس لن يقود إلا للتراجع للخلف وهو ما لا توده اليابان حكومة وشعبا‏.‏
والوقت ليس في صالح اليابان فإذا كانت في السنوات الماضية امتلكت رفاهية إضاعة الوقت وتأخير الإصلاح الذي كان يجب البدء فيه منذ عدة أعوام فإنها حاليا مدعوة للسير بقاطرة التغيير بمعدل سرعة أكبر ولا يوجد سبب مقنع ومنطقي للتغيير أكثر من ترهل الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وهو ما سنتعرض له بقليل من التفصيل وسنبدأ بلؤلؤة التاج الاقتصاد‏.‏
فمنذ تفجر اقتصاد الفقاعة الذي شهد ذروة انتعاش الاقتصاد الياباني مطلع التسعينات واليابان حتى الآن تئن وتعاني من تبعات وتداعيات الأزمة الاقتصادية التالية لمرحلة الانفجار بدون أن يظهر بالأفق ما يبشر باقترابها من النهاية رغم المحاولات المستميتة من الحكومات المتتالية لتحفيز الاقتصاد أملا في تحقيق هذه الغاية‏,‏ وفي حقيقة الأمر فإن اليابان انتفخت بثقة زائدة عن الحد بنظامها الاقتصادي الناجح الذي بنت عليه ما أنجزته من طفرة اقتصادية غير مسبوقة بفترة زمنية وجيزة بأعمار الشعوب والأمم والمعروفة بالكتابات الغربية والأمريكية بالمعجزة اليابانية التي استنسختها الدول الآسيوية فيما بعد وشيدت عليه معجزتها الخاصة‏,‏ غير أن طوكيو أغفلت جزئية في غاية الأهمية أن نظامها موضع الافتخار والتباهي من جانبها ومن جانب الآخرين كان يصلح لمرحلة معينة من تاريخها لإعادة بناء البلاد بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد فترة التنمية وظل المسئولون فيها يغضون الطرف عن المشاكل والعيوب المتزايدة به إلي أن وقعت الواقعة واتضحت عوراته للعالم أجمع‏.‏

وما من شك في أن اليابان أحست بألم فظيع من جراء ذلك زاد من وطأته الأزمة المالية الآسيوية فما كانت تفخر وتزهو به بالماضي ـ نظامها الاقتصادي ـ تحول لهدف ثابت لقذائف من العيار الثقيل لمدفعية الانتقاد والتجريح من كل حدب وصوب وبات عليها ان تسارع بتطويق مشاكلها ولكن في وقت متأخر جدا وكيف لا تفعل ذلك وسط مستنقع المشاكل المالية والاقتصادية الغارقة فيه‏,‏ فبين عشية وضحاها انهارت مؤسسات مالية كبري كان يعتقد أنها غير قابلة لهذا المصير المفزع وأهمها علي الإطلاق صدمة شركة يامايتشي للأوراق المالية التي كانت تصنف كواحدة من أربع شركات كبري عاملة بهذا المجال‏,‏ فالحديث لم تهتز له اليابان بمفردها بل العالم‏,‏ فالشركة المذكورة تمتلك‏33‏ فرعا خارج الأراضي اليابانية وأسهمها تتداول بالبورصات العالمية الكبري وتلا سقوط يامايتشي المروع انهيار العديد من البنوك لمعاناتها من الديون المعدومة المقدرة
بحوالي‏60‏ مليار دولار ولم تبدأ الحكومة اليابانية بالتصدي لها إلا بعد أن ركزت الصحافة الأمريكية عليها وكيف أن حجمها المعلن من جهة السلطات اليابانية أقل بكثير من الرقم الحقيقي‏.‏
كل هذا كشف عن المزيد من سوءات النظام المعروف باسم القافلة حيث تسند البنوك القوية الضعيفة كي لا تنهار وهو نظام كان لابد له أن يختفي وتسمح الحكومة بسقوط البنوك الضعيفة حتى مع مسارعتها لاستغلال أموال دافعي الضرائب لتعويم القطاع المصرفي ـ حوالي‏30‏ تريليون ين ـ ومساعدته في مواجهة مشكلة الديون مع تشجيعها علي الاندماج‏,‏ والملاحظة الجديرة بالتوقف عندها أن تعامل اليابان مع الأزمة الاقتصادية اعتمد بصورة أساسية علي أسلوب ضخ مليارات الدولارات في صورة خطط لتحفيز الاقتصاد لعل أهمها تلك المعلنة أثناء تولي حكومة ريبوتارو هاشيموتو عام‏98‏ وبلغت قيمتها‏16‏ تريليون ين ـ‏128‏ مليار دولار ـ ومع ذلك فإن أثارها كانت محدودة لتركزها في قطاع رئيسي هو التشييد والبناء موطن المصالح للسياسيين بدوائرهم الانتخابية ولم تنجح للآن في إقناع اليابانيين بالتخلي عن حرصهم وخشيتهم من زيادة حجم إنفاقهم وبالذات منذ إعلان حكومة هاشيموتو زيادة ضريبة الاستهلاك من‏3%‏ ـ‏5%‏ عام‏1997‏ وفقد نسبة كبيرة لوظائفهم نتيجة الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة لمستويات قياسية غير مشهودة منذ الحرب العالمية الثانية بوصولها إلي‏4,9%‏ في مجتمع اعتاد الا يعرف معني كلمة البطالة لحرصه علي استغلال وتوظيف كل الطاقات البشرية المتوافرة لدرجة ان الشركات كانت توظف أعدادا أكثر من حاجتها ومن ثم برز هاجس الخوف من الغد وما يحمله فأصبح من يمتلك الين  يحرص عليه ولا ينفقه إلا في الاتجاه اللازم ـ اليابان أنفقت‏600‏ مليار دولار منذ مطلع التسعينات لخطط تحفيز للاقتصاد‏.‏

وبعدما كانت الدول تسعي للإنصات لنصائح اليابان حول أفضل السبل لإدارة الاقتصاد إذا بالصورة تنقلب وتسمع طوكيو علي مدار اليوم عشرات النصائح في هذا الخصوص وخاصة من طرف الولايات المتحدة التي لم يكف مسئولوها عن الصراخ بأن إجراءاتها غير كافية ويطالبون بالمزيد وفتح الأسواق ليس للمنتجات الأمريكية والآسيوية فقط وإنما أيضا للشركات والبنوك الأجنبية وهو ما تم بدرجة معينة ومن تحت أنف اليابان اذا جاز التعبير لأنها استنت نظاما اعتمد علي توفير أقصي درجات الحماية لشركاتها وتجنيبها المنافسة بداخل السوق اليابانية ولكنه لم يعد يصلح لاسيما مع بحث الشركات الكبرى عن شريك أجنبي للاندماج معه للوقوف بصلابة في الأسواق العالمية والمنافسة فيها بقوة ولنا نموذج من بين نماذج عديدة بشركة نيسان التي قررت بيع حصة من أسهمها لشركة رينو الفرنسية التي أوفدت مديرا من اصل برازيلي لإعادة ترتيب الأوضاع فيها وإحداثه ثورة هائلة‏,‏ بها وإحقاقا للحق فإن المجهود المبذول من الحكومات اليابانية المتعاقبة التسعينات غيرت من أوضاع عديدة كانت ترسخت وأصبحت من المسلمات مثل الوظيفة مدي الحياة ومظلة حماية الشركات الكبرى وأجبرت علي القبول بشروط نظام السوق الحرة وأن تعرف شركاتها معني المنافسة الداخلية خصوصا بقطاعات دقيقة وحساسة كالاتصالات والتكنولوجي المتقدمة والتأمين وغيرها من المجالات أي أنها فتحت الباب المغلق لكنها لا تزال محتاجة لما هو أكثر لتنظيم قطاعها المالي والمصرفي‏.‏
بعبارة أخري تحتاج اليابان لإحداث تغيير شامل بتفكيرها الاقتصادي مع دخول العنصر الأجنبي بإدارة الشركات الضخمة كي تتخلص من نظامها الاقتصادي الذي ترهل ويشكل عبئا ثقيلا عليها وبالتبعية اللازمة علي الاقتصاد العالمي خاصة مع احتمال تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي المسئول حاليا عن جر قاطرة الاقتصاد العالمي‏,‏ عندها ستتجه الأبصار ناحية اليابان بحثا عمن يحمل العبء لحين شفاء الاقتصاد الأول بالعالم وذلك يتطلب تعافي اقتصادها في البداية‏,‏ وكما أسلفنا فقد كان للأزمة الاقتصادية البادية منذ مطلع عقد التسعينات آثارها المحسومة علي اليابان والتي لم تتوقف عند حدود التشكيك بنظامها الاقتصادي الناجح وتجاوزاته لمنطقة حساسة للغاية تتعلق بالمجتمع والمواطن العادي .
.


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com