وقفة مع النفس

 

التهجد وقيام الليل

بقلم
خالد مختار

مهما سطر القلم وخط المداد ، ومهما أوتينا مِن لسن الفصاحة فلن نوفَّيَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقهم وصدق الله تعالى إذ يقول { والسابقون الأولون مِن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان } ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم " ، وقال أيضا : " والذي  نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أنفق مُدَّ أحدهم ولا نصفه " .

انظروا إلى الصدق يشع في كلام هند زوج أبي سفيان رضي الله عنها وقد أتت زوجها صبيحة فتح مكة ، ورأت تهجد الصحابة .. فقالت لزوجها : " إني أريد أن أبايع محمدا صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان : قد رأيتكِ تكفرين . قالت : أي والله! والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة ؛ والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا " .

هذا الموقف وهذا التهجد الصادق الذي شع صدقه ونوره ، ورف نداه في جنبات مكة حتى أثر في جلمود صخرها ، أثر في هند ومس شغاف قلبها ودفعها لتنضم لقافلة النور ري الله عنها.

وانظروا إلى موقف آخر - والخير ما شهدت به الأعداء -
" لما هزمت جنود هرقل أمام المسلمين ، قال لهم : فما بالكم تنهزمون ؟ فقال: شيخ مِن عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار .
وانظروا إلى عظيم الروم بعد خروجه من بيت المقدس إلى غير رجعة قال: "عليكِ السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده ، ويرحل إلى عاصمة ملكه ، وهناك يسأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين ، فقال أخبرني عن هؤلاء القوم ؟ قال : أخبرك كأنك تنظر إليهم ، هم فرسان بالنهار ، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ، ولا يدخلون إلا بسلام ، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه ، فقال : لئن صدقت ليملكن موضع قدمي هاتين"

الليل ما أطيبه وما أعظم قدره عند الله عز وجل فقد أقسم به في كتابه الكريم ، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم : { والليل إذا يغشى } وقال تعالى : { والضحى والليل إذا سجى } وما أطيب السَّحَر ونسيمه، هذا الوقت المبارك الذي نجّى الله فيه نبيه لوطًا فقال : { إلا آل لوط نجيناهم بسحر } .

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" لن يُنَجّي أحدًا منكم عمله " قالوا : وأنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة ، القصد القصد تبلغوا " .

والدُّلجة والإدلاج : سير آخر الليل ، والمراد به ها هنا في الحديث العمل في آخر الليل وهو وقت الاستغفار كما قال تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } وقال تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون } .

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " مَن خاف أدلج ، مَن أدلج بلغ المنزل ، ألا أن سلعة الله غالية ، ألا أن سلعة الله الجنة " .
وسير الدلجة آخر الليل بقطع به سفر الدنيا والآخرة ، ولهذا في الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا سافرتم فعليكم بالدُّلجة فإن الأرض تطوى بالليل .

قال بعض الفضلاء :
اصبر على مضض الإدلاج في السَّحّر
            وفي الرواح على الطاعات والبُكرِ
لا تضجرن ولا يُعجزك مطلبها
            فالهـــمَ يتلف بين اليأس والضجرِ
إني رأيت وفي الأيـام تجربة
            للصبر عاقبة محمودة الأثــــــــــــرِ
وقَلّ مَن جدّ في أمر تطلبه
            واستصحب الصـــبر إلا فاز بالظفرِ.

ما أجمل قيام الليل ، والدعاء في جوف الأسحار ، ولا تحزن على قدمك حين تتشقق فإن الدنيا سريعة العطب وكل ما فيها ، فليكن عطب الجسد محموداً ، وليكن تعب الدنيا لأجل حصاد الآخرة الدائم.

هنا وقفت مع نفسي ، وأحببت أن تقفون معي وقفة جادة صادقة مع النفس ، اللهم أجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com