الاتهام " 1 "

 

 بقلم

خالد مختار

تحول الأمم عن قول الحق بحجة الحفاظ على المصالح ، وتكاتف الأمة الفرد على نزع أحقية بقيتها بذريعة نفسي نفسي ، والتخلي بذلك عن قيمة " الوحدة والجمع " الذي يصعب معهما تشتيت قيمها ، والفرص التي تضيع عليها حين تعتز بنفسها بعيدًا عن الأمة الكبيرة ، عجبي وكل العجب !!! وهل نسينا قصة الأب وأولاده ونظرية كسر الحطب المفرد مع استحالة ثني العود حين تتوحد العصبة. 

لم يكن عيبًا ذات يوم أن يفتخر الفرد بنفسه، وليس عيبًا أن يبنى الفرد ذاته، وليس عيبًا أن يحاول الفرد الوصول بنفسه إلى قمة الهدف المنشود، ولكن العيب الحقيقي أن تنفرد أمة بنفسها عن بقية الأم التي تجمع بينها وبينهم صلات كثيرة على رأسها " الدين والعروبة ".

الحمد لله أني لست بهندي أو بنجلادشي - مع أن هذه الدول تتمتع بأشياء كثيرة فقدنا معظمها -  حتى لا يقول قائلا أني خارج حلبة الحُكم ، وخارج نطاق المنهجية في طرحي حيث باتت الأسس المعتمدة قاعدة واحدة يعلكها ألا وهي " الاتهام ".

حين نتكلم عن هذا الثنائي الرهيب " الدين والعروبة " لابد وأن يظهر لنا شبحًا مخيفًا ألا وهو " الاتهام " ، وهنا أسأل نفسي دائما وأسألكم وأنتظر الإجابة : ما هي العلاقة المتلازمة بينهم ، وما هو وجه الترابط الدائم ؟.

حين يتظاهر صاحب القومية الفردية - الأممية - الذي يعتبر بني قومه - دولته - أفضل خلق الله فإنه بذلك بدأ رحلة السقوط ، وحين يستند في كل حركاته وتوجهاته بأنه عين اليقين الثابت فإنه بذلك فقأ عين الحق المنشود ، وإلى غيره مِن أساليب السقوط المتعددة والمتنوعة ولكن أبشع هذه المظاهر حين يظلم الغير باسم نظريته المقيتة.

تعلمنا مِن التاريخ أن الأمم تعلو ثم تعلو ثم تعلو ومِن بعد العلو تبدأ في الانحدار نحو الهاوية المميتة لكل ما كانت تتمتع به ولم تستفد به، والعجيب أننا لا نتعلم مِن التاريخ على الإطلاق ، ولا ننظر إلا إلى لون الحذاء الأبيض متناسيين أن الذي يمشي بلا حذاء وتلونت قدماه بلون الأرض الذي امتزج ترابها بماء المطر ليكون حذاء صاحبها " الوحل " .

هنا أجلس متأملا وأسبح ربي واسأل نفسي: هل هذا الوحل هو ذاته الوحل الذي يعود علينا بالعار والخزي ، الوحل الذي وضعنا فيه عقلنا العربي المتخلف والساعي وراء فردية الأمة ، وتمزيق دينها وعروبتها ؟.

العاقل يدرك أن الوحل الذي ينتعله الفلاح هو أبرك وأعظم وأشرف حذاء، حين كان الراعي يجوب الصحراء يسير متبوعًا لأغنامه ويشرب مما يرزقه الله ، ويأكل مِن كد يده . أما الوحل الذي وضعوا رأسنا فيه وقد اتبعوا الضب حتى أدخل قدمه في الوحل فقمنا ندخل رأسنا مكان قدمه .

استفيق من تأملي متعجبًا: هل أصبحت استعمل القاعدة التي أمقتها ؟ هل أصبحت ألفق التهم إلى غيري ؟ ألست مسلمًا عربيًا ؟ هل يُعقل أن فاقد الشيء يعطيه - بعيدًا عِن العواطف - بقوة التظاهر ؟ هل وهل وهل وتهلل الهاء في هاء الاتهام بلا نهاية ، وتتوقف الهائية في فمي لأني مدرك عين اليقين - الذي لا يُفقأ بفعل البشر - أن المظلوم لا يعرف ألا وحلا واحدًا ألا وهو : وحل الراعي المسالم الذي لا يخدعه الذئب ، والذي لا يقتل الذئب لتناول طعام العشاء، إن الحُر تمنعه عفته ، والحَر ترطبه الثلوج ، والحِر الشريف لا تمسه الأوحال.

صاحب الماعز الواحد يعتبر في قانون الرعاة راعي ، وصاحب الأغنام يحمل نفس اللقب ، هذا كان في الأمم التي تعرف معنى الراعي والرعاة ، وحين تبجحت الأمم بالمدنية التي يطلق عليها المتخلف اسم " التحضر " ونسى أن الحضارة هي التي ترسخ في الأمم قيمها لتمجيد هذه الأمم وعدم دخولها في إطار النسيان أما التمدن الحاصل هو الدائرة التي ستتلاشى في مجرات الفقدان لتترك لنا تاريخ الوحل المطبوع عليه رأس كل متحضر اتبع قدم التقليد ، نعم حين تتبجح الأمم بالمدنية على حساب بقية الجسد فقد بدأت بذلك مشوار العطب ؛ ألا يتعلم هؤلاء مِن قفص الطماطم !!! كيف تفعل المعطوبة في بقية المحيط .

عجيب !!! وما علاقة التمدن بالاتهام ؟، وما علاقة الاتهام بالظلم ؟، وما علاقة هذا كله بالوحل العار ؟، وما علاقة ما سبق بالراعي والرعية ؟، هل أصبحنا لا نجيد إلا طرح الأسئلة بدون محاولة البحث عن إجابة حقيقية ليس مِن أجلنا نحن معشر واضعي الرؤوس في وحل العار، ولكن مِن أجل حفيدي الذي سيأتي ولم نترك له إلا ثروة كبيرة مِن تنكيس الرأس و تدنيس العرض ؟ ، مسكين يا ولدي ليتكَ تعلم أننا لم نشترك جميعنا في هذه المهزلة ، بل عليك الجهد الكبير في محاولة مسح أثار العار ، وتثبيت قدمك في وحل الخير .

هل سنحاول الإجابة على بعض ما جاء أعلاه أم سنترك الصفحة مباشرة بعد قراءة هذه السطور لنكمل رحلة التلاشي نحو مجرة الفقدان ، ويبدأ كل فرد في استعمال القاعدة الذهبية للتخلص مِن تأنيب الضمير والتي هي: الاتهام والذي أصبح له فنون ومداخل ووسائط وعلاقات عامة وعلاقات خاصة .

أنا لن أضع رأسي في وحل العار ، وسأكتب كل شيء ، سأعلن عن قيم وأماكن وأسماء وظواهر ، وانتظروني مع كل عدد إن شاء الله لي ذلك ، وانتظر منكم الإجابات ليتم نشرها في محاولة لتجميع أمم مختلفة مبتعدين عن " الاتهام " وتطبيق نظرية منسية سماها الحكماء قديمًا " رفع الظلم ". أهلا بكم خارج قفص الاتهام ، ولا تنسونا إن وضعوني خلف القضبان ولا تحزنوا لأننا في كل الأحوال نعيش الحياة سجن.

 

 


   
   

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة © قلب العرب 2000 ــ 2003

 Copyright © 2000 - 2003 by [arabbeat.net,com]. All Rights Reserved
webmaster@arabbeat.com